من الوفرة إلى الاستقرار

21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026

في بنية الاقتصاد، هناك سعران يتحكّمان بالدورة الاقتصادية والوجود الاقتصادي عموما وهما سعر النفط وسعر الفائدة، ويمثل الأول ثمن الطاقة والآخر ثمن المشهد الاقتصادي.

وإذا كان سعر النفط المرتفع يفتح شراهة الشراء ويعظّم من الثروة المالية فإن سعر الفائدة يدفع الفرد إلى إعادة التخطيط في فلسفة التعامل مع الالتزامات وإمكانية تأجيلها إلى المستقبل، وبالتالي هي جدلية زمنية تتعرض إليها كثير من الاقتصادات في قراءة المشهد الاقتصادي بشكل عام بين بيع الثروة النفطية بسعر عالٍ وبين شراء الصناعات الناتجة عن مدخلات المشتقات النفطية أيضا بسعر مرتفع، وبالتالي ارتفاع سعري النفط والفائدة في آنٍ واحد يؤدي إلى صعوبة في اتخاذ القرار الاقتصادي؛ بسبب الدورات الاقتصادية التضخمية.

الارتفاع في أسعار النفط إلى مستويات قياسية خلال هذه الفترة، يساهم في تحقيق فوائض مالية، ودعم الموازنات العامة للدول، لكن لا يعني في جوهره أن هناك صدمة في الطلب على كميات إضافية من النفط (Demand Inflation)، ولا يعني أن المصانع والأفراد يستهلكون الطاقة بمستوى عالٍ، بل أزمة ناتجة عن صدمة في العرض نتيجة التوترات التي تؤثر على سلاسل الإمداد (Cost Inflation)، التي انعكست على ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل والتخزين والتأمين، وبالتالي انتقال التضخم من السوق العالمي إلى السوق المحلي دون حدوث توسّع نقدي في السوق، مما يؤدي إلى استيراد التضخم، وهو ما يطلق عليه في أدبيات الاقتصاد بالتضخم المستورد الناتج عن تضخم كلفة لا تضخم طلب.

وبالتالي، تواجه البنوك المركزية مثل البنك الاحتياطي الفيدرالي التضخم عبر رفع سعر الفائدة؛ بهدف رفع كلفة الاقتراض لكبح الطلب الكلي بافتراض وجود تضخم ناتج عن فائض في الطلب، لكن في الحقيقة أنّ التضخم المستورد ناتج عن صدمة نفطية، وبالتالي تصبح هذه الأداة غير صحية وغير فاعلة للاقتصاد الذي يعاني من التضخم المستورد.

إن رفع سعر الفائدة وفقا للسياسة النقدية للبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، قد لا تكون ضرورية في الوقت الحالي وأن الدورة الاقتصادية المحلية لا تتطلب تشديدا حسب رأي البعض من المحللين والمهتمين بالشأن الاقتصادي، لكنها ضرورية للحفاظ على استقرار سعر الصرف كون الريال العُماني مربوطا بالدولار الأمريكي، وبالتالي نعتقد أن أحد الحلول التي ينبغي دراستها مستقبلا يكمن في ربط الريال العُماني بسلة من العملات الأجنبية؛ لتحرير السياسة النقدية المحلية من القيود التي يفرضها الدولار الأمريكي في وقت ازدهار الدورة الاقتصادية المحلية التي تشهد نموًّا وتحسّنًا في منظومة الاقتصاد الكلي من خلال معدل وحجم الاستثمار المحلي والأجنبي، والإسكان، والاستهلاك الإنتاجي.

وهنا تأتي الحاجة للعمل على الاستثمار الغذائي، وتوطين سلاسل الإمداد، ودعم الإنتاج المحلي، وبالتالي الانتقال من اقتصاد يستهلك النفط ويدفع ثمن رفع الفائدة إلى اقتصاد منتج للحاضر والمستقبل عبر تحول فلسفي في علاقة الاقتصاد مع المتغيرات المحيطة به والمؤثرة عليه.

الانتقال من الوفرة إلى الاستقرار يتطلب تحولا فلسفيا في إدارة الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط إلى كيفية تحصين الوفرة وصناعة منطق المناعة المالية والاقتصادية من خلال عدم التعامل مع الفوائض كعامل محفّز أو دخل تشغيلي لرفع الإنفاق الجاري، بل كرصيد ورأس مال مساهم في تأمين المستقبل عبر تسريع سداد الدين العام للدولة، وإعادة جدولة جزء من الدين بنسبة اقتراض منخفضة؛ للتخلص من أعباء خدمة الدين سنويا على الميزانية العامة للدولة ويخفف عنها الضغوط المالية في الإنفاق العام.

أيضا من الجيد الاشتغال على توطين سلاسل الإمداد؛ لمكافحة التضخم المستورد وخفض كلفة الاستيراد عبر الاستثمار في الأمن الغذائي ومواد البناء من خلال تشجيع الاستثمار الأجنبي والمحلي على إنشاء المصانع وتوفير الدعوم اللازمة لاستدامتها ونموّها وبالتالي الاكتفاء بالصناعات المحلية، وكذلك توفير نوافذ تمويلية بفائدة اقتراض مدعومة للقطاعات الاقتصادية المنتجة مثل القطاع الصناعي؛ لحمايتها من عبء الفائدة الناتج عن رفع الفائدة.

إنّ ربط الريال العُماني بالدولار الأمريكي، يعد خيارا استراتيجيا للاستقرار النقدي وكبح جماح التضخم، لكن التحدي أن رفع الفائدة تؤثر على الدورة الاقتصادية الحالية والنشاط الاقتصاد بشكل عام؛ لأن التضخم المعالج ليس بسبب شراهة الاستهلاك بل بسبب كلفة الاستيراد، وبالتالي من المهم إيجاد آليات مبتكرة لحماية الفرد والأنشطة الاقتصادية من ارتفاع أسعار النفط والفائدة؛ لتأثيرها على نسبة الاقتراض بسبب السياسة النقدية المتبعة، وتأثرها بالتضخم المستورد مما يرفع أسعار المواد الأساسية المستوردة للصناعات المحلية مثل الإبقاء على النسبة الحالية للاقتراض للأفراد والمستثمرين حتى لا تتأثر قرارات الاستثمار وخطط الأفراد في البناء، وبالتالي نمو قطاع الإسكان بشكل عام، أو تقديم دعوم إضافية لحماية الأسر من ارتفاع أسعار بعض السلع والمنتجات المستوردة.

راشد بن عبدالله الشيذاني باحث ومحلل اقتصادي