هل يسمح ترامب بقائد جديد ينقذ العالم؟

21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026

ترجمة: أحمد شافعي

إذا سارت الأمور بحسب الخطط، ففي لحظة ما من الأسابيع القادمة سيخرج خمسة عشر دبلوماسيا من غرفة صغيرة معزولة الصوت في أعماق أحشاء مقر الأمم المتحدة بنيويورك ليعلنوا اسم الأمين العام الجديد للمنظمة.

ولسوف يواجه الشخص الذي سيختارونه جملة من التحديات مختلفة عما واجهه أسلافه.

فثمة حروب اختيارية بين اثنين من أعضاء مجلس الأمن الدائمين، وهما الولايات المتحدة وروسيا، وهي حروب لا تظهر لها نهاية في الأفق.

واتهمت لجنة تابعة للأمم المتحدة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، لكن الأمم المتحدة اختزلت فعليا في دور المشاهد، بعدما أقصاها عن دورها مجلس السلام التابع لدونالد ترامب.

وتتسبب أزمة المناخ في سلسلة من الكوارث الإنسانية الجديدة، بينما يأتي كل يوم جديد بتهديد أمني جديد ناجم عن صعود الذكاء الاصطناعي دونما ضوابط.

ويجري كل هذا في عالم باتت التهديدات فيه تحيق بكل مبدأ من مبادئ الأمم المتحدة، أي التعددية والنظام القائم على القواعد والقانون الدولي. لم تكن انتخابات اختيار أمين عام الأمم المتحدة قط بمثل هذه الأهمية، وسوف تسيطر الحوارات المتعلقة بمن ينبغي له الفوز على هوامش الجمعية العامة للمنظمة خلال الأسبوع الحالي والأسبوع القادم إذ يجتمع قادة العالم في قمتهم السنوية.

والأمم المتحدة، والعالم الذي تمثله، في أمسّ الاحتياج إلى قائد جديد يتحلى بالكاريزما والكفاءة معا. ولكن لأعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمين ـ وهم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين ـ حق النقض (الفيتو)؛ فلا بد لكل راغب في الوظيفة من موافقة شي جينبنج وفلاديمير بوتين، والأهم منهما موافقة ترامب.

وليس سهلا القول بأن لأحد الفرصة المثلى لإنقاذ الأمم المتحدة وهو يحتاج إلى إقناع من يفضل لها الفشل.

ولقد أجريت حتى الآن ثلاثة استطلاعات رأي غير رسمية فلم تبرز مرشحا، بل لقد تزايدت المعارضة للمرشحتين الرئيسيتين في تصويت يوم الجمعة الماضي.

وللمرة الأولى في تاريخ المنظمة البالغ ثمانين عاما تجري نقاشات جادة بهدوء حول ما يمكن أن يحدث إذا لم يتسن اختيار أمين عام على الإطلاق. قبل عشر سنين، قوبل انتخاب البرتغالي أنطونيو جوتريتش بترحاب واسع النطاق باعتباره دفعة قوية للأمم المتحدة بعد عقد من قيادة فاترة للكوري الجنوبي بان كي مون.

فمن خلال دوره السابق كمفوض رئيسي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كان ناشطا جهير الصوت وتعهد بمواصلة الحديث بالنيابة عن أشد أهل الأرض ضعفا. ثم حدث بعد شهر من ذلك أن تولى ترامب منصب رئيس الولايات المتحدة.

وقد أعلن في مطلع العام الحالي انسحاب الولايات المتحدة من إحدى وثلاثين منظمة تابعة للأمم المتحدة، منها هيئات مسؤولة عن التعامل مع تغير المناخ وصحة المرأة بينما أعلن وزير خارجيته ماركو روبيو في شهر يوليو رغبة الإدارة في «تفكيك» محكمة العدل الدولية «قطعة بعد قطعة».

وقد أدى الإغلاق الفجائي لبرنامج الولايات المتحدة للمساعدات والتنمية إلى وفيات في أرجاء العالم.

أما الأشد إثارة للجدل فهو أن تأسيس ترامب مجلس السلام قد أثار مخاوف من إمكانية استعماله بديلا للأمم المتحدة نفسها.

وفي هذه الأثناء تعاني الأمم المتحدة أزمة مالية إذ نبّه جوتريتش في صيف هذا العام إلى أنها تواجه «انهيارا ماليا وشيكا» بسبب مستحقات غير مدفوعة لها وأغلبها من الولايات المتحدة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل شيء، لا تزال الأمم المتحدة صامدة، ولا تزال لها أهمية. فالأمم المتحدة هي القادرة وحدها، من خلال اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، على توجيه الاهتمام الدولي إلى أفدح أزمة يواجهها العالم.

وبرغم تخفيضات حادة في التمويل، هناك إلى الآن إحدى عشرة مهمة حفظ سلام يعمل فيها أكثر من خمسين ألف فرد في بعض من أخطر بقاع الأرض. ويبقى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية هو خير أمل للتفاوض على إيصال المساعدات إلى مناطق الحرب ومنها السودان.

ولقد أجازت الجمعية العامة هذا العام قرارين دالين: أحدهما يعترف بتجريم تجارة العبيد عبر الأطلنطي، والآخر يتبنى خريطة جديدة للعالم تعيد الاعتراف بحجم أفريقيا على النحو الصحيح.

لا نعرف ما الذي يراه المرشحون في أمر هذين القرارين، ولا نحن نعرف أين يقفون من حرب أوكرانيا أو مواقفهم من أفعال إسرائيل في غزة.

وبرغم أهمية الانتخابات ـ وبرغم ما شهدناه حديثا من شفافية في «بيانات الرؤية» والدعاية الانتخابية ـ فقد اتسمت حملات المرشحين الانتخابية بحذر بالغ.

ومن أسباب ذلك بطبيعة الحال أن من يتبنى برنامجا طموحا لن يحظى بفرصة في الفوز بالوظيفة.

يعتقد خبراء الأمم المتحدة أن ثمة فرصة للمرشحتين الحاليتين الأوفر حظا، وهما وزيرة خارجية جيانا السابقة كارولين رودريجز بيركت ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا جراينسبان، في أن تكونا أمينتين عامتين جيدتين. لكن بصفة عامة لا يوجد من يبدي إعجابا عظيما بالخيارات المطروحة.

ثمة خيار يجب أن يتخذه آندي بيرنهام وإد ميليباند اللذان سيكونان في نيويورك هذا الأسبوع لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فالمملكة المتحدة لم تعلن مرشحها المفضل بعد، والواقع أن فريق المملكة في الأمم المتحدة غير راض كما يقال عن جميع المرشحين.

والمفهوم هو أنهم حتى الآن لم يصوتوا لأحد في الاستطلاعات غير الرسمية التي أجريت. وترجو المملكة المتحدة وفرنسا أن يظهر مرشح آخر.

وليس معروفا إن كان ينتظر أن يكون أفضل؛ فقد أوردت ذي نيويورك بوست في شهر يوليو أن ترامب يريد أن يحصل رئيس الفيفا جياني إنفانتينو على المنصب.

ولا تكاد توجد فرصة لأن يحدث هذا، لكن الدبلوماسيين الأوروبيين يخشون من أن يظهر خلال الفترة القادمة حصان أسود مدعوم من ترامب ـ وقد يكون بلا خلفية دبلوماسية. فهذا في نهاية المطاف هو الرجل الذي عهد بدبلوماسية بلده إلى صهره ومقاول عقاري.

وحتى الآن لم يعلن ترامب عن شيء، برغم أن ذلك قد يتغير يوم الثلاثاء حينما يلقي كلمته أمام الجمعية العامة، أو حينما يظهر منشور على مواقع التواصل الاجتماعي في الثانية صباحا فيغير مسار السباق تماما.

وتبقى الفرص ضئيلة أمام عجز «الدائمين الخمسة» عن الاتفاق على اسم، ومع ذلك يجري وضع خطط تحسبا لأسوأ الاحتمالات. فقد يطلب من جوتريتش الاستمرار، وثمة احتمال آخر بمطالبة مجموعة من كبار مسؤولي الأمم المتحدة بأن تعمل في الأدوار الإدارية إلى حين العثور على مرشح. وفي كلتا الحالتين، ستكون الأمم المتحدة بلا قيادة في وقت احتياجها الشديد إليها.

لن يحصل أحد على هذا المنصب دونما موافقة ترامب. ولكن فور أن يتولى الأمين العام المنصب، لن يكون لرئيس الولايات المتحدة يد عليه.

وستتاح له عشر سنوات للعمل، ثمان منها بغير وجود ترامب في البيت الأبيض.

لكن حتى في غياب ترامب، ستكون هذه الوظيفة شبه مستحيلة؛ فأزمة الأمم المتحدة المالية لن تختفي. وفي الطريق تخفيضات حادة. ولن يكون الرجوع يسيرا إلى العقد الأخير من القرن الماضي أو مطلع العقد الأول من القرن الحالي حينما كانت الأمم المتحدة في مركز الأحداث العالمية. وسوف يكون على القائد الجديد أن يعيد اختراع التعددية في عالم فقد دعمه لهه.

وحسب ما سيتم من اختيار، يمكن أن نرجع النظر في هذا القرار باعتباره اللحظة التي بدأ فيها النظام الدولي القائم على القواعد في إعادة بناء نفسه من بعد تداعيه، أو التي بدأ فيها انزلاقه بلا رجعة إلى فقدان أي قيمة له.

ستيف بلومفيلد هو المحرر الدولي السابق لأوبزرفر البريطانية.

الترجمة عن الجارديان