الصين والولايات المتحدة في عيون العالم: الشعبية لا تساوي النفوذ
21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026
ترجمة: نهى مصطفى
في يوليو الماضي، كشف مركز «بيو» للأبحاث أنه ولأول مرة منذ ما يقرب من عقدين من استطلاعات الرأي العالمية، أن العالم ينظر الآن إلى الصين بشكل أكثر إيجابية من الولايات المتحدة.
لم يكن هذا الشعور عامًا، لكن في 25 دولة من أصل 36 دولة شملها الاستطلاع هذا العام، تجاوزت نسبة المستطلعين الذين منحوا الصين تقييمًا إيجابيًا نسبة الولايات المتحدة، بما في ذلك العديد من حلفاء الولايات المتحدة المقربين.
اعتبر بعض المحللين هذه النتائج تأكيدًا على انتهاء العصر الذهبي للقوة الناعمة الأمريكية وصعود الصين. ووفقًا لهم، فإن سياسات ترامب المتعلقة بالتعريفات الجمركية والمساعدات والحلفاء قد أدت إلى تآكل مكانة الولايات المتحدة، مما فتح الباب أمام شعوب العالم لتحويل ولائها إلى الصين.
لكن هذا التفسير، على الرغم من سهولته، يستحق مزيدًا من التدقيق؛ فدراسة البيانات بدقة تكشف أنه على الرغم من تراجع الرأي العام العالمي تجاه الولايات المتحدة وارتفاعه تجاه الصين منذ عام 2022، فإن معظم دول العالم لا تزال تفضل الولايات المتحدة كشريك اقتصادي، بما في ذلك معظم الدول التي تنظر الآن إلى الصين بنظرة أكثر إيجابية.
هذا تمييز بالغ الأهمية؛ إذ تميل الشراكات والمصالح الاقتصادية إلى توجيه السياسات الوطنية. بل إنه يشير إلى وجود أمر أكثر تعقيدًا من مجرد نهاية الهيمنة الأمريكية وبداية عهد وشيك من التفوق الصيني العالمي.
تزايد ميل العالم نحو الصين ليس أمراً بلا معنى؛ فزيادة عدد الأشخاص الذين يفضلون بكين على واشنطن قد يثبت في نهاية المطاف أهميته، لا سيما مع سعي بكين لتعزيز قوتها الناعمة. لكن في الوقت الراهن، تظهر الأرقام عالمًا يتأقلم مع واقع جديد يتمثل في تنافس القوى العظمى، ويشعر بأنه مجبر على اختيار أحد الجانبين دون أن يكون لديه رفاهية الإعجاب به.
الاستحسان، في جوهره، تعبير عن موقف إيجابي. فعندما يطلب من الناس التعبير عن مدى استحسانهم لشيء ما، فإن السؤال المطروح عليهم في الواقع هو ما إذا كانوا يحبونه وإلى أي مدى، لا أكثر. كما اقتصر سؤال الاستحسان الذي طرحه مركز «بيو» للأبحاث على معرفة ما إذا كان لدى المستجيبين انطباع إيجابي أم سلبي عن الصين والولايات المتحدة، وليس ما إذا كانوا يفضلون إحداهما على الأخرى. ومع ذلك، تصدرت بكين بوضوح في هذه المقارنات.
انخفضت نسبة الآراء الإيجابية تجاه الولايات المتحدة بشكل ملحوظ في 15 دولة من أصل 24 دولة شملها الاستطلاع في عامي 2025 و2026. وعلاوة على ذلك، وصلت معدلات الاستحسان في العديد من الدول الحليفة للولايات المتحدة، بما فيها كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، إلى أدنى مستوياتها أو اقتربت منها منذ أن بدأ مركز «بيو» للأبحاث إجراء هذه الاستطلاعات في عام 2002. في المقابل، تحسنت صورة الصين باطراد في العديد من الدول الغربية. ففي إيطاليا، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة المستجيبين الذين لديهم رأي إيجابي تجاه الصين من 31 في المائة عام 2022 إلى 51 في المائة عام 2026. وفي إسبانيا، ارتفعت النسبة من 37 في المائة عام 2025 إلى 54 في المائة عام 2026.
ركزت وسائل الإعلام والمراقبون على هذه الأرقام، لكن استطلاع «بيو» نفسه يطرح سؤالاً آخر أكثر أهمية: «هل الأهم لبلدك أن تكون له علاقات اقتصادية قوية مع الصين أم مع الولايات المتحدة؟» هذا السؤال يجبر المشاركين على المفاضلة بين القوتين واختيار إحداهما. والأهم من ذلك، أنه يطلب منهم التفكير ليس فقط في مشاعرهم تجاه كل دولة، بل أيضًا في أيهما يفضلون التعاون معه.
في عام 2025، وهو آخر عام تتوفر فيه بيانات على مستوى الدول والأفراد، اختار عدد أكبر من المشاركين في 20 دولة من أصل 24 العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة على العلاقات مع الصين.
في سبع من تلك الدول العشرين، جاءت الإجابات على السؤالين متباينة. ففي كندا وفرنسا واليونان وهولندا وإسبانيا والسويد وتركيا، كانت نسبة المستطلعين الذين ينظرون إلى الصين نظرة إيجابية أعلى من نسبة من ينظرون إلى الولايات المتحدة نظرة إيجابية. ومع ذلك، فضل عدد أكبر من المستطلعين إقامة علاقات اقتصادية مع الولايات المتحدة بدلًا من الصين، وأحيانًا بفارق كبير.
ففي السويد، على سبيل المثال، بلغت نسبة من فضلوا العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة 48 نقطة مئوية أكثر من نسبة من فضلوا العلاقات الاقتصادية مع الصين. وفي تركيا، بلغت نسبة من لديهم نظرة إيجابية إلى الصين 13 نقطة مئوية أكثر من نسبة من لديهم نظرة إيجابية إلى الولايات المتحدة، لكن نسبة من فضلوا العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة ظلت أعلى بـ10 نقاط مئوية من نسبة من فضلوا العلاقات الاقتصادية مع الصين.
تعد أستراليا حالةً استثنائية، فهي الدولة الوحيدة التي تفضل إقامة علاقات اقتصادية مع الصين، رغم أن نظرتها إلى الولايات المتحدة أكثر إيجابية.
وليس هذا مستغربًا تمامًا، إذ إن الصين بالفعل أكبر وجهة لصادرات أستراليا، وتستحوذ على 30 في المائة من إجمالي صادراتها إلى العالم. لكن اللافت أن نصف الأستراليين يرون أن الصين هي الدولة التي تمثل أكبر تهديد لأستراليا، بينما يرى ثلثهم أن الولايات المتحدة هي الحليف الأهم لبلادهم، في حين لا يرى سوى 7 في المائة فقط في الصين الحليفًا الأهم. ومع ذلك، عندما سُئلوا عما إذا كان ينبغي للاقتصاد الأسترالي إقامة علاقات أوثق مع الصين أم مع الولايات المتحدة، اختار 54 في المائة الصين، مقابل 43 في المائة اختاروا الولايات المتحدة. يبدو أن نسبة الاستحسان وحدها لا تعكس بدقة طبيعة الرأي العام تجاه البلدين، فضلًا عن أنها لا تكفي للتنبؤ بأي تحول في ميزان القوى الناعمة.
على الصعيد العالمي، يبدو أن الأفراد الذين فضلوا الصين كشريك اقتصادي فعلوا ذلك لاعتقادهم بأنها القوة الاقتصادية الرائدة عالميًا. أعرب 60% من المشاركين في الاستطلاع عن هذا الاعتقاد، مقارنةً بـ 20% ممن يرون أن الولايات المتحدة هي القوة الاقتصادية الرائدة عالميًا. وينطبق النمط نفسه على الولايات المتحدة: إذ يعتقد نحو 58% ممن يفضلون العلاقات الاقتصادية معها أنها القوة الاقتصادية المهيمنة عالميًا، بينما يعتقد 26% أن الصين هي المهيمنة. وهذا أمر منطقي، فالناس يميلون إلى الشراكة مع من يرونه الأقوى.
لكن بيانات مركز «بيو» للأبحاث تشير أيضًا إلى أن الناس ما زالوا يرغبون في التعاون مع واشنطن في المجال الاقتصادي، إذ يقول كثيرون إنهم يفضلون إقامة علاقات اقتصادية أوثق معها حتى لو لم يعتقدوا أنها القوة الاقتصادية المهيمنة.
فمن بين الذين يرون أن الولايات المتحدة ما زالت تتصدر الاقتصاد العالمي، فضل 75 في المائة إقامة علاقات اقتصادية أوثق معها، مقابل 15 في المائة فقط فضلوا إقامة علاقات أوثق مع الصين. أما بين الذين يرون أن الصين تتصدر الاقتصاد العالمي، فقد فضل 49 في المائة إقامة علاقات اقتصادية أوثق معها، مقابل 38 في المائة فضّلوا الولايات المتحدة.
لا يشعر الجميع بضرورة الاختيار بين الولايات المتحدة والصين. ففي استطلاع شمل 24 دولة عام 2025، فضل نحو واحد من كل تسعة مستطلعين أن تحافظ بلادهم على علاقات اقتصادية قوية مع كلتا القوتين، بدلًا من الانحياز إلى إحداهما على حساب الأخرى. وفي بعض الدول، كانت نسبة من يرفضون هذا الاختيار كبيرةً إلى حد لا يمكن تجاهلها.
فقد رفض 39 في المائة من النيجيريين - أي أغلبية المستطلَعين -الاختيار بين واشنطن وبكين. وكذلك فعل 32 في المائة من الإسرائيليين، و27 في المائة من المجريين، و23 في المائة من الألمان، و20 في المائة من الأتراك. على مستوى الدول الأربع والعشرين مجتمعة، فضل 16 في المائة ممن يرون أن الولايات المتحدة هي الحليف الأهم لبلادهم، لكنهم يعتقدون في الوقت نفسه أن الصين تتصدر الاقتصاد العالمي حاليًا، الحفاظ على علاقات اقتصادية متينة مع البلدين، بدلًا من اختيار شريك اقتصادي واحد. وتبلغ هذه النسبة 11 في المائة بين سائر المستطلعين.
لا يعني هذا أن الرأي العام المتردد سيبقى على حاله مع اشتداد المنافسة الأمريكية الصينية؛ فقد يميل إلى الانحياز لأحد الجانبين إذا بدا حليفًا موثوقًا به في مواجهة خطر واضح.
بالنسبة لواشنطن، لا يزال هذا نبأً سارًا؛ ففي 20 دولة من أصل 24 دولة شملها الاستطلاع، اختار عدد أكبر من الناس الولايات المتحدة كأهم حليف لبلادهم مقارنةً بالصين. وتتفوق الصين في إندونيسيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا وتركيا فقط. ولم تسم أغلبية الأصوات الصين في أي دولة، بينما حازت الولايات المتحدة على الأغلبية في خمس دول. هذه الفجوة هي نقطة ضعف بكين وميزة واشنطن المتبقية.
تراجع التزام إدارة ترامب تجاه حلفائها يهدد بتقويضها. وكذلك الاعتقاد الشائع -وغير الصحيح- بأن الصين قد حسمت السباق الاقتصادي لصالحها. فبحسب معظم المقاييس، لا يزال الاقتصاد الأمريكي الأكبر والأكثر إنتاجية في العالم. ومع ذلك، في نظر بقية العالم، فإن كل حرب تجارية جديدة وكل قطيعة مع حليف تنذر بتعزيز الاعتقاد بأن الاقتصاد الأمريكي يسير في الاتجاه الخاطئ.
لكن في الوقت الراهن، تبدو المخاوف من ميل الرأي العام نحو الصين مبالغًا فيها. فعندما يجبر العالم على الاختيار، لا يزال معظمه يفضل العمل مع واشنطن، ومعظم من يختارون بكين يراهنون على الأرجح على التوقعات بشأن صعودها الاقتصادي.
لذا، ينبغي على بكين ألا تخلط بين التفضيل والشراكة. ويتعين على واشنطن الحفاظ على أسواق الولايات المتحدة مفتوحة والتزاماتها ذات مصداقية قبل أن يتحول الاعتقاد بأن مستقبل البلاد الاقتصادي قد ولى إلى نبوءة تتحقق ذاتيًا.
آدم واي ليو هو أستاذ مساعد في كلية لي كوان يو للسياسة العامة في جامعة سنغافورة الوطنية.
ترجمة عن Foreign Affairs
