زلزال «صدمة الصين» في ألمانيا!
21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026
قد يشكّل السادس من سبتمبر 2026 نقطة تحوّل في التاريخ السياسي لألمانيا بعد الحرب. ففي انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، أصبح حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) اليميني المتطرف على بُعد ثلاثة مقاعد فقط من تحقيق أغلبية مطلقة، بعدما حصد 43.8% من الأصوات، أي أكثر من ضعف حصته في انتخابات عام 2021.
وجاءت مكاسب حزب «البديل من أجل ألمانيا» على حساب حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المنتمي إلى يمين الوسط، وهو الحزب الحاكم في الولاية وحزب المستشار فريدريش ميرتس، إذ لم يحصل سوى على 17.2% من الأصوات، مقارنة بـ37.1% في عام 2021.
ولا تندر التفسيرات للارتفاع الكبير في التأييد لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في بعض مناطق البلاد.
فالهجرة، والصراع الثقافي، وانعدام الثقة في المؤسسة السياسية، من بين الأسباب الأكثر تداولًا، ولأسباب وجيهة. غير أن العوامل الاقتصادية التي تغذي صعود الحزب لم تحظَ حتى الآن بالقدر نفسه من الاهتمام.
وقد واجهت ولاية ساكسونيا-أنهالت تحديات اقتصادية عميقة خلال العقود الأخيرة؛ فقد أدت إعادة توحيد ألمانيا إلى انهيار القاعدة الصناعية لألمانيا الشرقية، ما أفضى إلى فقدان ملايين الوظائف ودفع أعداد كبيرة من العمال الأصغر سنًا إلى الانتقال إلى مناطق أخرى، تاركين المنطقة بواحدة من أكثر الفئات السكانية تقدمًا في العمر وأسرعها انكماشًا في البلاد.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود من التدهور الاقتصادي، بدا أن ساكسونيا-أنهالت بدأت تستعيد عافيتها؛ غير أن هذا التحسن تعثر.
فمنذ عام 2021، انكمش اقتصاد الولاية، ليقترب الناتج المحلي الإجمالي من مستواه المسجل في عام 2013.
ويهدد تصاعد الضغوط التنافسية من جانب المصدّرين الصينيين الآن بجعل الأوضاع أسوأ بكثير.
فقد ارتفعت واردات ساكسونيا-أنهالت من الصين بنسبة 87% في عام 2024، لتصل إلى 20% من إجمالي واردات الولاية، ثم زادت بنسبة إضافية بلغت 46% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025.
ولا تقتصر هذه «الصدمة الصينية» على ساكسونيا-أنهالت وحدها؛ فقد عانى الاقتصاد الألماني من الركود منذ عام 2019، إذ لم يزد الناتج، في المتوسط، سوى بنحو 0.12% سنويًا خلال الفترة 2020-2025.
وخلال هذه السنوات، استحوذ المنتجون الصينيون على حصة متنامية من السوق العالمية للمنتجات الصناعية المتقدمة، مثل السيارات والآلات، وهي منتجات كانت في السابق تشكل محورًا أساسيًا في نموذج التصدير الألماني.
لكن آثار هذه الضغوط لا تتوزع بالتساوي بين المناطق. ولنأخذ ولاية بادن-فورتمبيرغ في جنوب غرب ألمانيا، موطن عمالقة صناعة السيارات مثل مرسيدس-بنز وبورشه، وكبار المورّدين مثل بوش، إلى جانب شبكة كثيفة من شركات الهندسة المتخصصة، وشركات «الميتلشتاند» الألمانية القادرة على المنافسة عالميًا، ومن بينها مجموعة «ترامبف» لتقنيات الليزر، وشركة «دور» الهندسية.
وعلى الرغم من أن بادن-فورتمبيرغ لا تزال واحدة من أهم المناطق الصناعية في أوروبا، فإن كثيرًا من القطاعات التي يقوم عليها اقتصادها باتت معرضة مباشرة لتصاعد المنافسة الصينية.
وتواجه ولاية راينلاند-بفالتس في غرب البلاد ضغوطًا مماثلة، فهي مركز لصناعات الكيماويات والأدوية، تجسدها شركات مثل «باسف» و«بورينغر إنغلهايم»، إلى جانب مورّدي قطاع السيارات ومصنّعي الآلات.
وفي وقت يعاني فيه الطلب المحلي من الضعف، وترتفع تكاليف الطاقة، وتشهد صناعة السيارات تحولات هيكلية، ويتباطأ نمو التجارة العالمية، لا تستطيع أي من الولايتين تحمّل الضغوط الإضافية الناجمة عن تنامي الهيمنة الصينية على الصناعات التي شكّلت، لعقود طويلة، العمود الفقري لاقتصاديهما.
وتختلف بادن-فورتمبيرغ وراينلاند-بفالتس اختلافًا كبيرًا عن ساكسونيا-أنهالت من الناحيتين الاقتصادية والديموغرافية.
غير أن ازدهار الولايات الثلاث يعتمد بدرجة كبيرة على صناعات تواجه منافسة صينية مباشرة.
ولعل من غير قبيل المصادفة، إذن، أن يكون حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد حقق أيضًا مكاسب انتخابية كبيرة في بادن-فورتمبيرغ، حيث ضاعف تقريبًا حصته من الأصوات لتصل إلى 18.8% في مارس، وفي راينلاند-بفالتس، حيث حصل بعد أسبوعين على 19.5% من الأصوات.
وليس من المستغرب أن يكون تأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» أعلى بين العمال الصناعيين منه بين عموم الناخبين؛ إذ بلغ 61% في ساكسونيا-أنهالت، و37% في بادن-فورتمبيرغ، و39% في راينلاند-بفالتس.
وفي المقابل، مُني الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، المنتمي إلى يسار الوسط، والذي ظل طويلًا حزب العمال الصناعيين في ألمانيا، بخسائر كبيرة.
ففي راينلاند-بفالتس، أُقصي الحزب من الحكم بعد 35 عامًا، بينما لم يتمكن في بادن-فورتمبيرغ من الاحتفاظ بتمثيله البرلماني إلا بفارق ضئيل.
وخلال معظم تاريخه، كان يُنظر إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا» بوصفه ظاهرة مرتبطة بشرق ألمانيا، وربما تسهم جذوره الشرقية في تفسير السبب الذي جعله يحقق أكبر اختراق انتخابي له في ساكسونيا-أنهالت.
غير أن تصاعد التأييد للحزب في غرب ألمانيا يعني أن هذه النتيجة ينبغي النظر إليها بوصفها تحذيرًا، لا حالة استثنائية.
فالأزمة الصناعية، التي تفاقمها «الصدمة الصينية» المتزايدة، تهيئ أرضًا خصبة للتطرف السياسي.
ولا يعني أي من ذلك أن الواردات الصينية تقود تلقائيًا إلى التصويت لحزب «البديل من أجل ألمانيا»؛ فالتراجع الاقتصادي ليس سوى عامل واحد من بين عوامل عديدة تشكل النتائج الانتخابية.
لكن هذا النمط لافت بدرجة يصعب تجاهلها، ولا سيما أن له سوابق في أماكن أخرى. فقد أظهرت أبحاث تجريبية وجود علاقة سببية بين «الصدمة الصينية» التي تعرضت لها الولايات المتحدة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وانتصار الرئيس دونالد ترامب في انتخابات عام 2016، بما يبرز الأهمية السياسية للاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن التجارة.
وفي ضوء هذه الخلفية، سيكون من الخطأ التعامل مع «الصدمة الصينية» باعتبارها مجرد قصة اقتصادية؛ فعلى مدى عقود، استند استقرار ألمانيا إلى صفقة ضمنية: أن توفر الصناعات التحويلية عالية القيمة وظائف جيدة، وعائدات تصدير قوية، وازدهارًا واسع النطاق، على أن تحول المؤسسات السياسية هذه المكاسب إلى تماسك اجتماعي.
غير أن المنافسة القادمة من الصين تهز هذه الصفقة من أساسها؛ فالخطر لا يقتصر على أن تفقد ألمانيا حصصًا سوقية في صناعات السيارات أو الكيماويات أو الآلات، بل يتمثل أيضًا في أن تفقد المناطق الأكثر تعرضًا لهذا التحول ثقتها بالنظام السياسي الذي حافظ، طوال فترة طويلة، على الاستقرار.
داليا مارين أستاذة الاقتصاد الدولي في كلية الإدارة بجامعة ميونخ التقنية، وزميل بحثي في مركز أبحاث السياسات الاقتصادية (CEPR).
خدمة بروجيكت سنديكيت
