"عمان" تزور وادي خيوت بمحافظة ظفار و تقترب من المناظر الخلابة والطبيعة الآسرة
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرًا عندما ترجلنا من مركبتنا في منطقة مطلة على وادي خيوت بمحافظة ظفار من جهته الغربية.
فبدأت الرحلة سيرًا على الأقدام، حاملين العصي التي أصبحت عونًا لنا في اجتياز المنحدرات الجبلية ومواجهة الانزلاقات التي تزداد خطورتها مع رطوبة الأرض خلال موسم الخريف.
ومنذ الخطوات الأولى، بدا واضحًا أن الوصول إلى قلب الوادي ليس نزهة عابرة، بل مغامرة تحتاج إلى قدر كبير من التحمل واللياقة، أشجار كثيفة تتشابك أغصانها، ونباتات خضراء تنتشر على امتداد المكان، ومسارات تتشعب بين صعود وهبوط، فيما تفرض وعورة التضاريس إيقاعها على الرحلة وتدفعنا إلى التمهل في كل خطوة.
ورافق "عُمان" في هذه الرحلة سهيل المعشني، الذي خاض للمرة الأولى تجربة المشي الجبلي "الهيكنج" والمغامرات في الأودية الجبلية، ليكتشف عن قرب طبيعة مختلفة من المغامرات التي تجمع بين المشقة ومتعة الاستكشاف.
استمرت الرحلة نحو أربع ساعات من المشي المتواصل، حرصنا خلالها على عبور مختلف أرجاء وادي خيوت، بحثًا عن المشاهد التي تختبئ في أعماقه، والتقاط صور حية توثق جمال المكان وتكشف جانبًا من المواقع السياحية البكر التي ما زالت تحتفظ بعذريتها الطبيعية في محافظة ظفار.
طريق شاق.. ومشهد يستحق العناء.
تقع عين خيوت في منطقة قيرون حيرتي بولاية صلالة في محافظة ظفار، على مسافة تقدر بنحو 20 كيلومترًا شمال مركز الولاية، ويمكن الوصول إلى المنطقة عبر الطريق المؤدي إلى عقبة (حمرير)، لكن الوصول إلى الوادي لا يخلو من التحدي؛ فالمسار يصبح أكثر صعوبة خلال موسم الخريف، عندما تتشبع التربة بالمياه ويتحول الطين إلى سطح زلق، بينما تتفتت أجزاء من الأرض بفعل الرطوبة، الأمر الذي يجعل الانزلاقات أمرًا واردًا ويستدعي الحذر الشديد أثناء المشي.
وفي ذلك اليوم، كانت الأجواء صحوة إلى غائمة، مما أضفى على المشهد مزيدًا من السحر، فقد منحنا صفاء الأجواء ورؤية المكان فرصة للتوقف بين حين وآخر، والتقاط صور تكشف تفاصيل الوادي؛ من الأشجار والنباتات إلى مجاري المياه والشلالات التي تتدفق بين الصخور.
وكلما تقدمنا في المسير، كانت ملامح الوادي تتكشف بصورة أكبر، وكأن الطبيعة كانت تزيح ستارًا تلو الآخر عن جمال أخفته بعيدًا عن أعين الزوار.
وبعد مسير طويل، وصلنا أخيرًا إلى بطن الوادي، وهناك كان المشهد مختلفًا تمامًا.
استقبلتنا المياه الجارية في صورة أشبه بالسواقي المتناثرة، لكنها ليست قنوات من صنع الإنسان، وإنما مجارٍ طبيعية تتدفق من عين خيوت، وتنساب في مسارات متعددة فوق أرض الوادي. مياه صافية تشق طريقها بين الصخور والنباتات، وتنتشر في مساحات واسعة دون حواف واضحة أو قاع محدد، في مشهد يلفت الأنظار ويمنح المكان خصوصيته.
وتتواصل هذه المجاري المائية على امتداد الوادي، لتزداد تجمعًا وكثافة كلما اقتربت من منطقة الشلال، حيث تتلاقى المياه وتشتد حركتها، قبل أن تنحدر في مشهد طبيعي يجمع بين قوة التدفق وروعة المكان.
هناك، لا يبدو صوت الماء مجرد خلفية للمشهد، بل يصبح جزءًا أساسيًا منه؛ خرير متواصل يمتزج بزقزقة العصافير وهديل الحمام، في إيقاع طبيعي هادئ يجعل الزائر يشعر وكأنه بعيد عن صخب الحياة اليومية.
ومع مرور الساعات، لم تكن مشقة الطريق هي الشعور الوحيد الذي رافقنا، بل كانت هناك متعة متجددة في اكتشاف كل زاوية جديدة من الوادي. فكل منعطف كان يقود إلى مشهد مختلف، وكل ارتفاع يكشف جانبًا جديدًا من الطبيعة، وكل مجرى مائي يفتح أمام العين تفاصيل لم تكن ظاهرة من بعيد. وبعد نحو أربع ساعات من المشي، أدركنا أن الرحلة لم تكن مجرد بحث عن صورة لشلال أو منظر طبيعي، وإنما تجربة كاملة أعادت تعريف علاقتنا بالمكان؛ تجربة تجعل الإنسان أكثر قربًا من البيئة، وأكثر تقديرًا لقيمتها، وأكثر رغبة في اكتشاف ما تخفيه من كنوز طبيعية.
ومن المشاهد اللافتة التي استوقفتنا عند وصولنا إلى منبع عين خيوت، وجود عدد من الأشجار المثمرة التي زرعها المواطنون في محيط العين، من بينها الليمون والجوافة والمانجو. ويعكس هذا المشهد وعيًا متزايدًا بأهمية الاستفادة من مياه العين في دعم الزراعة وإحياء المساحات الخضراء، بما يؤكد أن موارد المياه الطبيعية يمكن أن تشكل رافدًا مهمًا للحياة الزراعية متى ما أحسن استغلالها والمحافظة عليها.
ولم تخلُ جولتنا في محيط منبع عين خيوت من مشهد آخر يحمل دلالة على كرم أهل المنطقة، إذ لفت انتباهنا في أحد الكهوف الملاصقة للعين صندوقٌ وضع على أحد رفوف الكهف، ويضم بعض المستلزمات التي قد يحتاج إليها عابر السبيل، من أكياس الشاي والسكر، إلى إبريق وأكواب للشرب.
وتعد هذه العادة من المظاهر الجميلة المتوارثة في عدد من كهوف جبال محافظة ظفار والأماكن النائية التي يرتادها السياح وهواة رياضة الهيكنج والمغامرات، حيث يحرص البعض على ترك مستلزمات إعداد الشاي والمشروبات للزوار، في صورة تجسد قيم الكرم وحسن الضيافة، وتوفر لهم ما يحتاجونه أثناء رحلتهم، كما تخفف عنهم عناء حمل بعض الزاد خلال مساراتهم الجبلية.
وفي نهاية الرحلة، لم يكن الشعور بالتعب هو الغالب، بل كان هناك إحساس أعمق؛ أننا اقتربنا من الطبيعة أكثر، وفهمنا قيمتها أكثر، واكتشفنا أن في جبال محافظة ظفار أماكن لا تزال تنتظر من يوثق جمالها ويحافظ على طبيعتها.
وعندما غادرنا الوادي، بقي صوت الماء يتردد في الذاكرة، وكأن عين خيوت لم تكن تقول لنا وداعًا، بل كانت تترك لنا وعدًا بالعودة لاكتشاف ما لم تكشفه لنا الرحلة الأولى.
