ذكريات البقاء والرحيل
في ستينيات القرن الماضي غنى الفنان الراحل طلال مداح أغنية الوداع الأخير في أغنيته المسماة «في سلم الطائرة»، التي كانت من الروائع الخالدة في مسيرة مداح، ومن الأغاني الجميلة التي عشقها الملايين من ذلك الجيل الذي لم يكن يسمع إلا لصوت الأرض، وغيره من الأصوات ذات الطرب الأصيل التي تنسجم فيها الكلمات والألحان مع إحساس المستمع، ولكن السؤال: كيف حافظت مثل هذه الأغاني على قيمتها، ولم تمت مع الزمن؟
الجيل القديم يحفظ ويردد شيئًا من أغنية مداح حينما يقول:
في سلم الطائرة بكيت غصبًا بكيت
على محبين قلبي عندما ودعوني
أشوف محبوب قلبي بين نخلة وبيت
يناظر الطائرة يبغى يحرك شجوني
يتفق «المستمع والناقد والعارف بالموسيقى» على أن هناك افتتاحًا جميلًا للأغنية الخالدة، فهناك خيال واسع يُستخرج من نتاج محصول بيئي واقعي، وهي حالة خاصة يثبت فيها وجه الاختلاف بين حقبتين «حنين الماضي وزحمة الحاضر»، في اللحن تمكنت الأجراس الموسيقية من إضافة الغطاء اللحني والأنغام الكلاسيكية الطربية في تمام الصورة التي أراد فيها صناع العمل الظهور بها.
نرى أن ثمة توافقًا حسيًا بين ثلاثية النجاح توحد فيها «الشاعر والملحن والمطرب»، فكان نتاجه إتمام عمل استثنائي جميل، نعشقه حين سماعه حتى وإن توالت السنوات ورحل أصحاب العمل، والأغنية تعد من الأعمال الخالدة الحسية التي لا تُنسى في وطننا العربي الكبير، وأيضًا ذكرى خالدة في نفوس عشاق مداح الفنان والإنسان.
من الجمل القريبة من القلب والأكثر تأثيرًا في النفس عند مفارقة أحد الأحبة: «عد لنا سالمًا»، قد يكون هذا هو الدعاء الضمني والأمل النفسي الذي تلفظه الأرواح والقلوب معًا قبل أن تذيعه الألسن في هيئة طلب وأمل بالعودة ثانية بـ«خير»، وهذا اللفظ يحمل دلالات إنسانية فضفاضة بالمشاعر والألم، كون الفراق من الأمور الموحشة التي تشيخ منها الأبدان، ولكن يبقى أن ثمة شعورًا آخر نتمناه، وهو أن لقاءً جديدًا سيأتي لاحقًا -بإذن الله-.
«تمني السلامة» هو الدعاء الأبدي الذي يجمعنا بمن سنفتقد حضورهم بعد الرحيل، وفي لحظات الفراق أو الوداع تختلط المشاعر الإنسانية بماء الوجع، وتمتلئ حجرات القلب بالحزن والكآبة، لكن اللسان يفيض على الدوام بالدعاء والرجاء إلى الله بأن يعود «الغائب» سالمًا إلى أهله حتى وإن طال أمد الغياب.
أحيانًا السفر يكون اختياريًا، وأحيانًا أخرى تكون الهجرة تحت بند تقوية الإنسان وتكوين الذات وطلب الرزق، فالغربة ليست مجرد حالة عابرة ينغمس فيها الإنسان وينسى المكان الذي خرج منه أو عالمه الذي ينتمي إليه، لكن الغربة في نظري هي قطعة من عذاب نفسي تنشطر خلالها الأرواح وتشتاق فيها الأنفس للعودة إلى الأماكن القديمة.
أتذكر أيضًا أن فنان العرب محمد عبده غنى أغنية جميلة عن السفر تقول كلماتها:
ودعتك الله يا مسافر
وناوي الفراق
ما قدر الله يكون
من يوم نويت السفر
قلبي تقطع وضاق
يا خلي ماهو سوا
بالمقابل، من أكثر الجمل التي تحس بنوع من الاطمئنان النفسي عند سماعها من الآخرين قولهم: «دمتم سالمين»، لأن السلامة من الأشياء المهمة في تكملة مشوار الحياة، فالسلامة ليست في صحة البدن، ولكن السلامة في كل شيء يحيط بالإنسان ظاهرًا وباطنًا.
إن تمني السلامة للآخرين، هذا الأمر منبعه بئر السلام الداخلي الذي يعيشه الإنسان، فكلما كان هناك اتصال عاطفي ورحمة ومودة مع غيره، كان هناك أمان واستقرار تام وشوق لملاقاة من نفارقهم تحت مختلف الظروف، ودائمًا نتمنى السلامة للجميع والعودة غانمين.
