مسؤولون: تكامل الجهود الأمنية والاجتماعية للحد من التسول وتعزيز الصورة الحضارية لظفار
أكد عدد من المسؤولين أنه مع تزايد الحركة السياحية في محافظة ظفار خلال موسم الخريف تبرز ظاهرة التسول كإحدى الممارسات السلبية التي تتطلب تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية للحد منها، باعتبارها سلوكا غير حضاري يسيء للمظهر العام والمكانة السياحية للمحافظة.
وأوضحوا أن التحقيقات في قضايا التسول تكشف عن جرائم ومخالفات أخرى، منها جرائم الإتجار بالبشر واستغلال الأطفال والنساء وذوي الإعاقة، مؤكدين أهمية الشراكة والتنسيق بين الجهات الحكومية والأمنية والقضائية والاجتماعية لتعزيز الأمن والنظام العام، والمحافظة على الصورة الحضارية للمحافظة، ودعم مفهوم التكافل الاجتماعي المسؤول.
واستطلعت "عمان" آراء المسؤولين لمعرفة توجهات الجهات الحكومية المعنية في التعامل مع ظاهرة التسول، والجهود المبذولة للوقاية منها والحد من انتشارها، والإجراءات المتخذة في مجال الضبط والتحقيق والإحالة، إلى جانب الحملات التوعوية التي تستهدف تعزيز وعي أفراد المجتمع وتشجيعهم على توجيه تبرعاتهم عبر القنوات الرسمية والموثوقة.
جريمة جزائية
أكد الدكتور راشد بن عبيد الكعبي مساعد المدعي العام، المتحدث الرسمي للادعاء العام أن الادعاء العام ينظر إلى ظاهرة التسول خلال موسم الخريف ومع كثافة الحركة السياحية، على أنها في المقام الأول جريمة جزائية معاقب عليها، وسلوك غير حضاري يسيء للمظهر العام والمكانة السياحية لسلطنة عُمان.
وأوضح أن الظاهرة تترتب عليها انعكاسات قانونية ومجتمعية، تتمثل الأولى في المساءلة الجزائية عن فعل التسول وما قد ترتبط به من أفعال أخرى مجرمة؛ بتحريك الدعوى العمومية ضد المخالفين وتطبيق العقوبات المقررة، أما بشأن الانعكاسات المجتمعية، فتتمثل في الإخلال بالأمن والنظام العام في الأماكن السياحية وإقلاق الراحة العامة، وتشويه الصورة الحضارية والسياحية، واستغلال عواطف أفراد المجتمع والزوار لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
وأشار الكعبي إلى أن التحقيقات في قضايا التسول تكشف عن جرائم ومخالفات من بينها جرائم الاتجار بالبشر حال ثبوت عنصر الاستغلال للأطفال أو النساء أو الأشخاص ذوي الإعاقة في التسول أو إكراههم على ذلك، وجرائم الاحتيال في حال ما إذا تم الاستعانة بمظاهر خارجية كاذبة لتدعيم الحالة المزعومة مثل الاستعانة بتقارير طبية مزيفة وما شابه ذلك.
وأضاف أن التحقيقات قد تكشف كذلك عن مخالفات لأحكام قانوني العمل وإقامة الأجانب، فضلا عن جرائم غسل الأموال.
وأكد أن الادعاء العام يتعامل مع قضايا التسول المحالة من الجهة المختصة من خلال مباشرة إجراءات التحقيق فيها مع المخالفين وحبسهم احتياطيا، ومن ثم إحالتهم إلى المحكمة المختصة، وتنفيذ العقوبات الصادرة بحقهم من عقوبات حبسية ومصادرة للأموال وإبعاد الأجانب من البلاد.
وبين الكعبي أن التنسيق والتعاون المشترك بين الادعاء العام وشرطة عُمان السلطانية ووزارة التنمية الاجتماعية والجهات ذات العلاقة يسهم في التصدي لظاهرة التسول في فترة الموسم السياحي، حيث تقوم شرطة عُمان السلطانية بالتعاون مع فرق مكافحة التسول بتسيير حملات تفتيشية لضبط المتسولين في الأماكن العامة والمواقع السياحية، وتولي الادعاء العام الجانب الجزائي بالتحقيق مع المخالفين وتنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم تحقيقا للردع.
ووجه الكعبي رسالة إلى المواطنين والزوار دعا فيها إلى التعامل مع الظاهرة بوعي وعدم التعاطف مع المتسولين لأنه يساهم في تشجيعهم على الاستمرار في ممارسة التسول.
وأكد على أهمية الإبلاغ الفوري عن حالات التسول عبر الخطوط الساخنة، موضحا أن البلاغات التي يقدمها أفراد المجتمع تسهم في مساعدة الجهات الأمنية والرقابية في الكشف عن حالات التسول وضبط مرتكبيها خاصة تلك التي يصعب رصدها ميدانيا، كما يسهم الإبلاغ الفوري في تحديد بؤر تواجد المتسولين وسرعة ضبطهم، مما يمنع تنامي ظاهرة التسول، ويحافظ على أمن واستقرار المنطقة خلال الموسم السياحي.
جهود متكاملة
من جانبه، أوضح بدر اليحيائي، مدير عام المديرية العامة للتنمية الاجتماعية بمحافظة ظفار، أن المديرية تقوم بدور تكاملي مع الجهات ذات الصلة في مجال مكافحة ظاهرة التسول، يتمثل في الإشراف على عمليات الضبط الميداني التي أُسندت مؤخرًا عبر وزارة التنمية الاجتماعية إلى مؤسسة خدمات الأمن والسلامة، وذلك من خلال تكثيف الجهود الميدانية لفرق الرصد وتلقي البلاغات والفرق الميدانية، وكذلك تكثيف المنشورات التوجيهية عبر المنصات الرقمية والمحاضرات التوعوية الميدانية، بهدف الحد من تنامي هذه الظاهرة.
وحول دور الحملات والبرامج التوعوية في توجيه أفراد المجتمع أوضح أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت الأكثر تأثيرا وانتشاراً في وقتنا الراهن، عليه فإن الوزارة قامت بتقديم عدة حملات توعوية مؤخرا أهمها حملة "لا يغرونك" والتي لاقت تجاوبا جيدا عبر منصات وزارة التنمية الاجتماعية، وضّحت من خلالها خطورة التعاطي والتعاطف مع المتسولين، كما وجهت إلى الطرق الرسمية المعتمدة للتبرع، ونفذت على إثرها العديد من المحاضرات التوعوية للمجتمع.
وأضاف: أطلقت وزارة التنمية الاجتماعية منصة "جود" لتنظيم التبرعات وضمان وصولها إلى مستحقيها، فهي منصة رقمية تهدف إلى تعزيز العمل الخيري وتنظيم عملية جمع التبرعات وإيصالها إلى مستحقيها بأمان، وحوكمة وتحسين أداء الفرق التطوعية بمختلف الولايات.
وأوضح أن البحث والتحري عن الحالة يتم من قبل فرق مختصة، وتتيح المنصة للفرق التطوعية إطلاق حملات التبرع عبرها لجمع التبرعات، مما يحفز المتبرعين على الوثوق بالحالة بدلا من إعطاء المتسولين التبرعات نقديا تعاطفا معهم دون معرفة حقيقة الاحتياج الفعلي والغرض من التسول.
وحول التنسيق بين المديرية والجهات الأمنية والقضائية والجهات ذات العلاقة، أكد اليحيائي أن المديرية تضطلع بالدور الإشرافي في متابعة حالات التسول.
فقال: وفقًا للتعاون بين الوزارة ومؤسسة خدمات الأمن والسلامة تقوم المؤسسة بتقديم خدمة الضبط الميداني وتلقي البلاغات والإحالة بعد الضبط. أما العُمانيون، فتتم إحالتهم لوزارة التنمية الاجتماعية لدراسة أوضاعهم الاجتماعية إن تطلب الأمر وتوجيههم وفق الإجراءات المتبعة، كما يحال مخالفو قانون العمل وقانون الأحوال المدنية إلى كلٍ من مديرية العمل وشرطة عُمان السلطانية لاستكمال الإجراءات المتبعة في حقهم.
ووجه المدير العام رسالة للمواطنين والمقيمين وزوار محافظة ظفار، دعا فيها إلى تعزيز التكافل الاجتماعي المسؤول والحفاظ على الصورة الحضارية للمحافظة، وتجنب التعاطف غير المنظم في تشجيع ظاهرة التسول، فقال: إذا أردت فعل الخير والتبرع، فتحرَّ أولًا عن الحالة ومدى احتياجها الفعلي، وتجنب تقديم المال مباشرة للمتسولين أو للحالات غير الموثوقة لأن ذلك يعزز من انتشار ظاهرة التسول بشكل أكبر ويشجع المتسولين للاستمرار فيها، وبدلاً من ذلك يمكنك إيصال تبرعك عبر القنوات الرسمية والموثوقة، مثل منصة جود، أو من خلال الفرق التطوعية والجمعيات الخيرية المنتشرة في مختلف الولايات، والتي تعمل على التحقق من الحالات وتوجيه المساعدات إلى مستحقيها.
كما شدد اليحيائي على أهمية الإبلاغ عن الحالات التي تحتاج إلى مساعدة أو التي تثير الشبهة لدى الجهات المختصة، وتشجيع أفراد المجتمع على اتباع هذه الخطوات؛ فتنظيم التبرعات عبر القنوات الموثوقة يسهم في وصول التبرع إلى مستحقيه، ويحد في الوقت ذاته من انتشار ظاهرة التسول وتشجيعها.
أمن واستقرار المجتمع
ومن جانبه أكد المقدم محمد بن سلام الهشّامي مدير العلاقات والإعلام الأمني بشرطة عُمان السلطانية أن الشرطة تحرص على النهوض بمسؤولياتها الكاملة انطلاقاً من إيمانها التام بأن الأمن هو الركيزة الأساسية للنمو والازدهار والتقدم، لذلك سخرت جل إمكانياتها المادية والبشرية للحفاظ على نشر مظلة الأمن والأمان في ربوع الوطن، من خلال التصدي لكافة ظواهر الجريمة وكبح انتشارها في المجتمع، إضافة إلى توعية المواطنين والمقيمين بأهمية مسؤولياتهم الشخصية، للحد من انتشار الجرائم والوقاية منها، وكيفية التصرف الأمثل عند مواجهتها، وكل ذلك ساهم بلا شك في ضمان استتباب الأمن في ربوع هذه الأرض الطيبة ولله الفضل في ذلك.
وأشار إلى أن ظاهرة التسول من الظواهر السلبية التي تسعى شرطة عُمان السلطانية للحد من انتشارها، حيث تتم متابعة ورصد المتسولين واستكمال الإجراءات القانونية تجاههم بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة العمل والادعاء العام، وتنفيذ حملات مستمرة لضبط المتسولين، إضافة إلى تكثيف الحملات في الأوقات التي تكثر فيها الظاهرة، مثل شهر رمضان والمواسم السياحية.
وحول ارتباط التسول بجرائم أخرى، أوضح الهشامي أن ظاهرة التسول تشكل هاجسًا يؤرق أمن واستقرار كل مجتمع، مما لها من آثار مختلفة ومتعددة، قد تصل إلى استخدام المبالغ المتحصل عليها عبر عمليات التسول لتنفيذ مخططات إجرامية تهز أمن واستقرار المجتمع بشكل عام، فضلا عن الجرائم الأخرى المرتبطة بالتسول، كالسرقة والاحتيال واستغلال الأطفال.
وفي ظل التطور التقني ظهر مصطلح التسول الإلكتروني، الذي يمكن مرتكبيه من جمع أموال طائلة بالمقارنة مع التسول العادي أو التقليدي، الذي يتم على الطرقات أو أمام المحال التجارية والمساجد بشكل عام.
وكانت هناك عدة بلاغات للاحتيال والابتزاز الإلكتروني التي تم رصدها يكون التسول فيها هو الوسيلة الأولى وحلقة التواصل مع الضحايا، إذ يتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي نشر رسائل بشكل عشوائي، تتضمن استجداء الناس واستعطافهم لطلب المساعدة المالية، ومن ثم يتم الإيقاع بالضحايا الذين يتجاوبون مع تلك الرسائل.
وأكد الهشامي أن شرطة عُمان السلطانية ممثلة في الإدارة العامة للتحريات والبحث الجنائي تنفذ العديد من الواجبات للتصدي لهذه الجريمة، سواء كانت في الأعمال الوقائية الملخصة في نشر الثقافة والوعي حول خطورة هذه الجريمة، وأهمية تكاتف الجهود حولها، أو حتى في أعمال الاستجابة والتحقيق.
وقال: فرق البحث والتحري المختصة في هذا الجانب تعمل على الاستجابة السريعة لجميع البلاغات الواردة والتعامل الأمثل معها، وفق منظومة عمل تتسم بالكفاءة والمهنية العالية، وقد أطلقت الإدارة العامة للتحريات والبحث الجنائي بالتعاون مع إدارة العلاقات والإعلام الأمني، العديد من النشرات والبيانات التحذيرية، تدعو أفراد المجتمع بعدم التواصل مع المتسولين، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، لما لهذا الأمر من تبعات سلبية على الفرد والمجتمع بشكل عام.
وأشار الهشامي إلى أن بعض المتسولين يلجؤون إلى أساليب احتيالية مثل استخدام وثائق زائفة للمساهمة في علاج حالة مرضية، أو فك كربة أسرة، أو المساهمة في بناء مسجد، وبالرغم من جهود التوعية المستمرة في هذا الجانب، إلا أن بعض الأشخاص تحملهم عبارات الاستجداء إلى العطف على المتسولين، والدفع لهم دون التثبت من صحة البيانات والشعارات التي يتم الترويج لها.
ودعا إلى التعامل مع ظاهرة التسول بوعي فقال: نظرا لما تمثله ظاهرة التسول من امتهان لكرامة الإنسان، وتعريضه للاستغلال من قبل الآخرين، فإنه من الواجب على المواطنين والمقيمين تجاهل نداءات المتسولين وعبارتهم العاطفية، ليعيدوا مراجعة حساباتهم، والبحث عن الطرق المشروعة لكسب المال.
وأكد الهشامي على ضرورة سرعة الإبلاغ عن المتسولين، والأماكن التي يتواجدون بها، وذلك لضبطهم والحد من تنامي خطورة هذه الظاهرة السلبية على المجتمع، والتقليل من آثارها، كما أن سرعة الإبلاغ تساعد جهات الاختصاص على دراسة كل حالة على حده، وبحث أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، تمهيداً لتقديم الحلول المناسبة لها.
كما ننصح أفراد المجتمع بأهمية دفع أموال التبرعات والصدقات إلى الهيئات والجمعيات الخيرية المعتمدة، وذلك لضمان وصول تلك الأموال لمستحقيها، وبلا شك فإن إتباع هذا النهج سيساهم بشكل مباشر في درء مظاهر وأشكال التسول، التي تتم تحت غطاء الإنسانية أو الأعمال الخيرية.
