No Image
الاقتصادية

أسباب القلق من الأزمة المالية التالية

11 سبتمبر 2026
11 سبتمبر 2026

ديفيد لوبين – المعهد الملكي للشئون الدولية   

ترجمة قاسم مكي

ما يثير القلق في الأزمة المالية الكبيرة التالية احتمال افتقارِنا الى قوة مهيمنة قادرة وراغبة في تثبيت استقرار النظام الاقتصادي العالمي.

ذلك بالتأكيد سيكون رأي المؤرخ الاقتصادي الراحل شارلس كندلبيرجر (1910-2003) والذي عزا طول وعمق الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي إلى فشل بريطانيا العظمى أو الولايات المتحدة في أداء دور القوة المهيمنة والمسئولة في الاقتصاد العالمي.

اعتقد كندلبيرجر أن بريطانيا العظمي الضعيفة اقتصاديا، وهي القوة المهيمنة فعليا ولكن المتدهورة وقتها، كانت عاجزة عن قيادة اقتصاد العالم. والولايات المتحدة، المحبذة للعزلة والقوة المهيمنة (المحتملة) والصاعدة حينها، غير راغبة في استلام زمام القيادة. وهذا هو معنى الفخ الذي يحمل اسمه.

هكذا افتقر العالم إلى نظام تجاري مفتوح وإلى أي تنسيق موثوق للسياسات الاقتصادية أو مُقرِض ملاذ أخير عالمي يُعتمد عليه. "وعندما اتجه كل بلد الى حماية مصلحته الوطنية الخاصة ضاعت المصلحة العامة للعالم وضاعت معها المصالح الخاصة للجميع." لكن فخ كندلبيرجر هذه الأيام يختلف قليلا عن الفخ الأصلي في تلك الفترة.

الخطورة الآن لا تنشأ من عدم استعداد القوة المهيمنة (المحتملة) والصاعدة في بكين للمساعدة في تثبيت النظام المالي العالمي ولكن من عدم رغبة القوة المهيمنة الحالية في واشنطن في القيام بذلك. ويمكن القول إن هذا فخُّ كندلبيرجر معكوسا. (أي الوضع انعكس الآن. ففي ثلاثينيات القرن الماضي والتي سقط أثناءها اقتصاد العالم في جُبِّ الكساد العظيم كانت بريطانيا المهيمنة عاجزة عن قيادته وأمريكا الصاعدة غير راغبة في ذلك والآن الصين الصاعدة راغبة في قيادة اقتصاد العالم ولكنها عاجزة وأمريكا المهيمنة قادرة وغير راغبة - المترجم).

أزمة 2008

هذا سيكون شيئا جديدا. فانعدام الرغبة الأمريكية لم يظهر يقينا في الطريقة التي أدارت بها الولايات المتحدة تداعيات أزمة بنك ليمان بروذرز في عام 2008.

حينها، تم توفير كميات ضخمة من السيولة الدولارية غبر شبكة التسهيلات الإقراضية المعززة بضمانات للبنوك العالمية وخصوصا في أوروبا والتي صارت تعتمد بقدر كبير جدا على التمويل بالدولار.

إضافة الى ذلك، قدم برنامج التيسير الكمي لبنك الاحتياطي الفيدرالي نفسه دعما مباشرا وضخما للنظام المالي العالمي. فأكثر من نصف مشتريات البنك من الأوراق المالية المدعومة بالرهونات العقارية بيعت له بواسطة الشركات الأجنبية. وكانت لدى 14 بنكا مركزيا أجنبيا إمكانية الحصول على مبالغ كبيرة من السيولة الدولارية من خطوط تبادل العملة التي وفرها بنك الاحتياطي الفيدرالي. وبحلول صيف 2010 أمَدَّها الفيدرالي بعشرة تريليون دولار بآجال سداد مختلفة.

بالطبع تصرفت الولايات المتحدة بناء على مصلحتها الذاتية الخاصة بها. فإذا لم يبادر الفيدرالي بتقديم هذه السيولة لاضطرت البنوك الأوروبية وإدارات الأصول العالمية لبيع محافظها الاستثمارية المقوّمة بالدولار بأسعار بخسة. لكن "فعالية" إدارة الولايات المتحدة للأزمة كانت تتجلي بوضوح.

كُوفئت صدقية الولايات المتحدة بتدفقات استثمارية كبيرة نحو سوق سنداتها باعتبارها "ملاذا آمنا." فقد اشترى الأجانب ما يقارب تريليون دولار من أوراق الخزانة الأمريكية خلال فترة الأثني عشر شهرا التي أعقبت أزمة بنك ليمان بروذرز.

الأزمة في عهد ترامب

إذا نشبت أزمة مالية في عهد ترامب سيحدث ذلك في ظروف مختلفة جدا. وستبرز حينها ثلاث مشاكل.

أولها، أن إدارة ترامب المعروفة بنهجها القائم على عقد الصفقات يمكن أن تكون انتقائية جدا في تحديد الجهة التي تقدم لها السيولة.

شهدنا هذه الانتقائية عمليا من قبل. ففي أكتوبر من العام الماضي قدمت الولايات المتحدة تسهيلات "مبادلة عملات" بقيمة 20 بليون دولار للبنك المركزي الأرجنتيني في مسعى منها لتثبيت سعر البيزو قبل الانتخابات النصفية والتي ربما كانت ستشكل خطورة على سلطة الرئيس خافيير ميلي.

وفي وقت سابق من هذا العام كان هنالك نقاش حول خط تبادل عملات مقترح للبنك المركزي الإماراتي. وهو احتمال غير مألوف نظرا الى وفرة السيولة الدولارية لدى البنك رغم حرب إيران.

المشكلة الثانية هي القدرة المتزايدة للسوق على مساءلة وضعية الملاذ الأمن لسندات الخزانة الأمريكية. ففي الأسابيع القليلة الماضية كشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت مرتين عن عدم استعداده لترك السوق كي يقرر ما يجب أن يكون عليه سعر الدين الأمريكي (أسعار سندات الخزانة وعوائدها.)

المرة الأولى تمثلت في مسعاه لدعم الين الياباني بطريقة كان من الواضح إنها تستهدف ثَنْي اليابان عن بيع أية كمية من سندات الخزانة الأمريكية التي تملكها. وهو ما كان يعني عمليا توجيه اليابان بدلا عن ذلك الى استخدام سنداتها الدولارية كضمانة لاقتراض الأموال التي تحتاجها لتمويل تدخلها في سوق الصرف الأجنبي.

وكان دافع إعلان بيسنت مؤخرا بمضاعفة الولايات المتحدة عمليات إعادة شراء ديونها (سندات الخزانة) أيضا الخوف من أن سوق السندات إذا تركت لأدواتها الخاصة بها قد تفرض على واشنطن أسعار فائدة على الدين العام الأمريكي تربك الإدارة الأمريكية.

مثل هذه التدخلات في السوق لا تتّسق اطلاقا مع آلية الاكتشاف الكامل لسعر السند والتي يجب أن تكون السِّمِة المميزة لصدقية سوق السندات الأمريكية.

ارتفاع الدولار

المشكلة الثالثة ذات الصلة تتعلق بالمستوى المرتفع لقيمة الدولار. لقد شهدت السنوات الخمس عشرة الأخيرة تدفقات رأسمالية ضخمة نحو الولايات المتحدة لأسباب بعضها جيد (الريادة الأمريكية للتقنية العالمية) وبعضها سيئ (عجوزات الموازنة الأمريكية غير المعقولة).

ارتفع حجم سندات الخزانة الأمريكية المملوكة بواسطة الأجانب خلال تلك الفترة من حوالي 12 تريليون دولار الى 37 تريليون دولار. نتيجة لكل هذه التدفقات الرأسمالية كان الدولار بعد حساب التضخم وبناء على حجم التبادل التجاري قريبا من المستوى المرتفع الذي بلغه في أي وقت من الأوقات خلال فترة الثلاثين سنة الماضية.

ما يعنيه كل ذلك أن الأزمة المالية حين تنشب في الولايات المتحدة سترتبط في الغالب بخروج الرساميل بدلا من دخولها إليها مع ما يترتب عن ذلك من احتمال ضعف الدولار بقدر كبير أمام العملات الأخرى. وسيكون هذا الوضع مختلفا تماما عن فترة ما بعد أزمة عام 2008 عندما تعززت قيمة الدولار.

قد يناسب ذلك الرئيس ترامب والذي كثيرا ما عبر عن تفضيله سعر صرفٍ ضعيف. فالدولار القوي في نظره حسبما ذكر في يوليو 2025 "يعني أنك لا تستطيع بيع الجرارات. ولا تستطيع بيع الشاحنات. ولا تستطيع بيع أي شيء."

من الممكن جدا أن تعزز أجواء الأزمة وجهة النظر هذه. فتماما كما أوجدت بريطانيا "حساب موازنة الصرف" في عام 1932 للحفاظ على رخص الجنيه الاسترليني (مقابل العملات الأخرى) بعد تخليها عن معيار الذهب في سبتمبر 1931، من المتصوَّر أن تكون إدارة ترامب أكثر اهتماما بإبقاء الدولار ضعيفا وليس تعزيز دوره كمرساة للاستقرار العالمي

صعود الصين

وماذا بشأن الصين وهي القوة المهيمنة (المحتملة) والصاعدة؟ تشير أحدث مقترحات بكين للحوكمة الدولية والتي نشرت في يونيو الى استعداد متعاظم من جانبها لتشكيل النظام العالمي.

قد تكون الصين راغبة في ذلك. لكنها تظل عاجزة عن تولي مهمة بسط الاستقرار المالي. فالرينمينبي لا يزال عملة غير مهمة نسبيا في النظام النقدي العالمي.

خلاصة الأمر إذن أن " فخ كندلبيرجر معكوسا" هو الخطر الذي يواجهه العالم في الأزمة المالية التالية. فالقوة المهيمنة بالفعل غير راغبة في إدارة الأزمة بمسئولية والقوة الصاعدة غير قادرة على ذلك.

لا ينبغي لأحد أن يودّ تسريع الأزمة المالية التالية بالنظر الاختلال الاقتصادي والإفقار الذي حتما سيرتبط به. لكن احتمال "فخ كندلبيرجر المعكوس" يجب أن يجعلنا كلنا أكثر خشية من تلك الأزمة.

ديفيد لوبين زميل أول أبحاث في برنامج الاقتصاد والتمويل الدوليين بالمعهد الملكي للشئون الدولية (شاتام هاوس)