مواطنون: المجالس البلدية نحو دور أوسع في دعم التنمية المحلية وصنع القرار
تشهد المجالس البلدية في سلطنة عُمان مرحلة جديدة من النضج المؤسسي، متحولة من مفهوم رصد الطلبات الخدمية إلى شريك أساسي في صناعة الرؤى التنموية الشاملة، تدعم التنافسية المحلية، ومستندة إلى رؤية "عُمان 2040" والتوجهات نحو اللامركزية وتمكين المحافظات، ويستعرض عدد من المواطنين في هذا الاستطلاع أبرز الأدوار والنقلة النوعية التي أحدثتها المجالس البلدية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبلدي، ودورها المستقبلي في تعزيز جودة الحياة وتنمية المحافظات.
يفيد عبدالله بن سالم الجهوري، أمين سر المجلس البلدي لمحافظة مسقط أن المجالس البلدية تشهد اليوم مرحلة أكثر نضجًا في مسيرتها، ليس فقط من حيث اتساع نطاق الموضوعات التي تتناولها، فقد انتقل العمل بدرجة أكبر من التعامل مع الاحتياجات الخدمية اليومية إلى النظر في القضايا التنموية بصورة أكثر شمولًا، وربطها بأولويات المحافظة والتوجهات الوطنية لرؤية "عُمان 2040". وأوضح الجهوري أن هذا التحول جاء متزامنًا مع تعزيز اللامركزية وتمكين المحافظات، مما جعل المجلس منصة حقيقية للحوار والتخطيط والمشاركة المجتمعية وصناعة الأولويات المحلية، وليس فقط كجهة تستقبل المطالب الخدمية.
وحول أبرز الأدوار والصلاحيات الممنوحة للمجالس البلدية حاليًا مقارنة بالفترات الماضية، أشار الجهوري إلى أن اتساع الإطار الذي ينظر من خلاله المجلس إلى قضايا المحافظة أبرز ما يميز المرحلة الحالية، فقانون المجالس البلدية الحالي منح المجالس اختصاصات تتصل بدراسة مشروعات خطط التنمية، والمشروعات الإنمائية والخدمية، والمخططات العمرانية، واحتياجات المحافظة من المرافق والخدمات، ومتابعة تنفيذ المشروعات وإبداء الملاحظات بشأنها، إلى جانب مجالات اقتصادية واجتماعية وسياحية وبيئية أخرى، كما أن المجلس أصبح أكثر ارتباطًا بمنظومة التخطيط المحلي، وبما يتيح له أن يكون حلقة وصل فاعلة بين المجتمع والجهات الحكومية والتنفيذية، وأن يعكس احتياجات الولايات والمجتمع المحلي ضمن الأولويات التنموية.
أما فيما يتعلق بإضافة صلاحيات جديدة، أوضح أن تطوير دور المجالس البلدية لا يرتبط فقط بإضافة نصوص أو اختصاصات جديدة، وإنما كذلك بتفعيل الصلاحيات القائمة وتعزيز التكامل بينها وبين الأجهزة التنفيذية في المحافظات، وفي المرحلة المقبلة، سيكون من المهم مواصلة تطوير هذا الدور بما يتناسب مع متطلبات اللامركزية، وبما يعزز سرعة الاستجابة للاحتياجات المحلية، مع المحافظة على وضوح الأدوار والمسؤوليات بين المجلس والجهات التنفيذية.
تعزيز اللامركزية
كما بيّن الجهوري أن جوهر اللامركزية يكمن في تقريب القرار من الاحتياج المحلي الميداني، مما يسرع استجابة المحافظات وتحديد أولوياتها وفق خصوصيتها واستقلالها الإداري والمالي لتحقيق تنمية متوازنة.
أما بالنسبة للمجلس البلدي تحديدًا، فإن أثر ذلك يظهر في قدرته على رصد الاحتياجات المحلية، ودراستها، وترتيب أولوياتها، ورفع التوصيات بشأنها، ومتابعة ما يتم اتخاذه حيالها. وبالتالي فإن المجلس يمثل أحد المكونات المهمة في منظومة تسريع الاستجابة، مع التأكيد على أن سرعة التنفيذ الفعلية تعتمد على الجهة التنفيذية والاعتمادات والإجراءات المرتبطة بالمشروع، مشيرًا إلى أن المجلس البلدي لمحافظة مسقط يسهم في رسم خريطة المشاريع الخدمية والتطويرية في ولاياتها المختلفة، ومن خلال اللجان المختصة والجلسات والزيارات الميدانية، يتم تناول عدد كبير من الموضوعات المرتبطة بالبنية الأساسية، والطرق، والمرافق العامة، والتخطيط العمراني، والخدمات، والواجهات السياحية، وتحسين المشهد الحضري، وغيرها من القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطن والمقيم، ويسعى المجلس إلى وضع احتياجات الولايات ضمن رؤية متكاملة للمحافظة، تراعي الكثافة السكانية، والنمو العمراني، والخصوصية الاقتصادية والسياحية لكل ولاية، والتغيرات المستقبلية التي تشهدها محافظة مسقط.
وعن سؤال كيف أسهم إشراك أصحاب الاختصاص والشباب في لجان المجلس في رفع جودة المقترحات والدراسات المرفوعة، قال الجهوري: إن إشراك أصحاب الاختصاص والشباب يمثل أحد أهم عناصر تطوير العمل البلدي، لأنه يضيف إلى النقاش المعرفة التخصصية والخبرة العملية والرؤية المستقبلية، فالعديد من المواضيع التي يتعامل معها المجلس، سواء في مجالات التخطيط العمراني، والنقل، والبيئة، والاقتصاد، والسياحة، والتحول الرقمي، والاستدامة؛ بحاجة إلى الاستناد إلى البيانات والدراسات والخبرة المتخصصة.
أما الشباب، فإن مشاركتهم تضيف بعدًا آخر، يتمثل في فهم احتياجات الأجيال الجديدة وتطلعاتها، خصوصًا في مجالات التقنية، وريادة الأعمال، وجودة الحياة، والفضاءات العامة، والأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية، ويعد إشراك الشباب استثمارًا في جودة القرار المحلي وفي بناء جيل يمتلك الخبرة والقدرة على المشاركة في إدارة التنمية مستقبلًا.
الأولويات التنموية
ويؤكد أمين سر المجلس البلدي لمحافظة مسقط أهمية رفع كفاءة العمل المؤسسي للمجالس، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وربط التوصيات والموضوعات التي تناقشها المجالس بمؤشرات واضحة لقياس الأثر، وأهمية الانتقال إلى العمل القائم على البيانات والدراسات، بحيث تكون الأولويات التنموية مبنية على قراءة دقيقة للاحتياجات الحالية والتوقعات المستقبلية، وليس فقط على المطالب الآنية.
الدور الاجتماعي
وتقول سارية بنت سعيد الغنيمي، عضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية: لم تعد المجالس البلدية في سلطنة عُمان تؤدي دورًا خدميًا محدودًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة الحوكمة المحلية والمشاركة المجتمعية والتخطيط التنموي؛ إذ منحها قانون المجالس البلدية اختصاص إبداء الرأي في خطط التنمية والمشروعات الإنمائية واحتياجات المحافظة من المرافق والخدمات والمشروعات ذات الأولوية، كما عزز نظام المحافظات توجه الإدارة المحلية نحو ربط التنمية بخصوصية كل محافظة.
وحول الدور الاجتماعي للمجالس البلدية في صياغة رؤية اجتماعية متكاملة للمحافظة، أوضحت الغنيمي أن استقبال المطالب اليومية من المواطنين يعمل على قراءة احتياجات المجتمع واستشراف أولوياته، فالطريق أو الحديقة أو المرفق الترفيهي أو تعديل بعض المؤسسات من أجل المجتمع، هو في الحقيقة عنصر في بناء بيئة اجتماعية أكثر جودة.
منبر اجتماعي
وترى الغنيمي أن المجلس البلدي يعد منبرًا لصوت المجتمع، حيث أحدثت التعديلات التشريعية نقلة في طبيعة اختصاصات المجالس؛ فأصبحت تبدي الرأي في المشاريع الإنمائية، واحتياجات المرافق والخدمات، والمهرجانات والفعاليات الثقافية والترفيهية والسياحية، وهذه التغييرات أحدثت نقلة نوعية في استقطاب السياح في المناطق السياحية مثل ولاية نزوى، والجبل الأخضر، والأشخرة، وجزيرة مصيرة، وصور، وعبري، وصحار، وغيرها من الولايات والمناطق التي أصبحت مزارًا سياحيًا واقتصاديًا وترفيهيًا لأبناء المجتمع، كما أسهمت هذه المشاريع والمهرجانات في زيادة دخل الأسر المنتجة والشركات الصغيرة والمتوسطة التي وجدت المكان المناسب لعرض المنتجات، وأسهمت في تنويع الدخل الاقتصادي للمنطقة، وهذا يجعل المجلس مساحة مؤسسية يلتقي فيها الصوت المجتمعي مع القرار التنموي، وإن كان دوره استشاريًا في إبداء الرأي وليس جهة تنفيذ مستقلة.
جودة الحياة
وحول أثر التخطيط البلدي الحديث على رفاهية الأسرة وصحتها النفسية والاجتماعية، قالت: تتجسد هذه الرؤية في مشاريع تنموية شهدتها المحافظات، مثل بوليفارد الداخلية والممشى الصحي بولاية إزكي والحدائق العامة، وواجهة هيماء ومحوت، وواجهات بركاء والمصنعة، والواجهة البحرية بالعيجة والأشخرة، ومركز الترفيه في بدية، وبوليفارد الرذاذ في ظفار، ففي الجانب الاجتماعي أحدثت هذه المشاريع تحولًا من توفير الخدمة إلى صناعة المكان؛ فهي توسع فرص التفاعل والترابط الأسري، والنشاط البدني، والترفيه، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزز ارتباط السكان بمحيطهم، وعليه فإن قيمة المجلس البلدي لا تقاس فقط بعدد المطالب التي يناقشها المجلس، سواء الواردة في المستندات الورقية أو المرفوعة من أبناء المجتمع، وإنما في قدرته على تحويل المعرفة المحلية إلى أولويات تنموية تسهم في رفع جودة الحياة، من خلال الاستماع إلى احتياجات المجتمع، ونقل صوت المواطن، والإسهام في توجيه المشاريع والخدمات بما يتواءم مع الأولويات الفعلية للمحافظات، ومن هنا، لا يقتصر دور المجلس البلدي على كونه جهة استشارية فقط، بل يمتد ليكون شريكًا فاعلًا في عملية التنمية، بما يسهم في تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة في المحافظات، الأمر الذي من شأنه أن يدعم الاقتصاد الوطني.
وحول الدور الذي تلعبه المجالس البلدية في مراعاة متطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن عند افتتاح المشاريع الخدمية، قالت حليمة بنت عوض المعني، عضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية، باحثة اجتماعية بمحافظة الداخلية: أصبح المجلس البلدي شريكًا حقيقيًا في قراءة الاحتياجات الفعلية لمجتمعه، وصياغة الأولويات التنموية بناءً على مبدأ الشفافية والمشاركة المجتمعية، حيث إن هذا القرب المؤسسي أتاح فرصة لتمثيل مختلف الشرائح المجتمعية، لا سيّما الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، مما عزز الثقة بين المواطن والمؤسسات الخدمية، وجعل القرار البلدي نابعًا من قلب الأحياء والقرى وليس معزولًا عنها، وذلك من خلال دمج متطلبات ذوي الإعاقة وكبار السن في مرحلتي الإقرار والافتتاح للمشاريع الخدمية عبر تقييم جاهزية المرافق العامة والخاصة لتلبية احتياجات الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، تحقيقًا للوصول الشامل والدمج المجتمعي، بما فيها الحدائق ومباني المؤسسات، ومن خلال تهيئتها لتكون مناسبةً لهم بإضافة السلالم والمنحدرات المناسبة والمسارات الملموسة.
التكافل الاجتماعي
وعن تكامل العمل البلدي مع الفرق الخيرية لتعزيز التكافل الاجتماعي، أوضحت أن المجالس البلدية في سلطنة عُمان شهدت تحولًا بنيويًا فارقًا على مدار دوراتها المتلاحقة؛ إذ لم تعد المجالس البلدية مجرد أجهزة خدمية يقتصر دورها على تلقي طلبات رصف الطرق وإنارة الشوارع فحسب، بل ارتقى عملها لتصبح صانعةً للرؤى الاجتماعية الشاملة على مستوى المحافظات، ويعكس هذا التحول نقلة نوعية من مفهوم «العمل البلدي التقليدي» إلى مفهوم «جودة الحياة»، حيث تتكامل التنمية العمرانية مع الاستقرار الاجتماعي، وتتحول الاحتياجات اليومية للمواطن إلى خطط تنموية تستحضر الأبعاد الإنسانية والنفسية والاجتماعية في كل مشروع، ومن هذا المنطلق تشكل الفرق الخيرية والتطوعية الذراع الاجتماعية الأكثر قربًا من الأسر المعسرة والمستحقة، وقد عملت المجالس البلدية على تحويل هذا الجهد الأهلي إلى عمل مؤسسي منظم؛ من خلال تسهيل تخصيص الأراضي لأنشطة الفرق الخيرية والتطوعية، وتسهيل استخراج تراخيص المبادرات المجتمعية، ومواءمة مشاريع التكافل مع الخطط البلدية لكل ولاية، وقد أسهم هذا التكامل بين العمل البلدي الرسمي والجهد التطوعي الأهلي في توجيه الدعم والمساعدات بدقة، ومضاعفة أثر المبادرات المجتمعية في تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي وتعزيز الثقة بين المواطن ومتخذي القرارات.
الموروث والهوية
وأكدت المعني الدور الاجتماعي للمجالس البلدية في ترسيخ الاعتزاز بالهوية الوطنية عبر إبراز الحرف التقليدية، والفنون الشعبية، والمأكولات العُمانية في الفعاليات المنظمة على مستوى الولايات، مشيرة إلى دورها الحيوي والمهم في ربط الأجيال الناشئة بتاريخ وموروث المجتمع المحلي في قالب معاصر يجمع بين الأصالة والترفيه، ومن جانب آخر تسهم المجالس البلدية في دعم الاقتصاد المحلي وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة من خلال إتاحة المنافذ التسويقية لهم خلال هذه الفعاليات، إذ تعد المهرجانات والفعاليات المجتمعية التي تشرف عليها وتدعمها المجالس البلدية أدوات أساسية لاستثمار الميزة النسبية والثقافية لكل محافظة.
الرؤية المستقبلية
وتتطلع المعني إلى مستقبل يرتكز فيه دور المجالس البلدية على الانتقال نحو «الابتكار الاجتماعي البلدي»، من خلال رؤية منصات رقمية تفاعلية تُشرك الشباب في اقتراح التصاميم والمشاريع، إضافة إلى إنشاء «مراكز أحياء متكاملة» في كل ولاية تضم أنشطة ثقافية، ورياضية، وأسرية، مشيرة إلى أن استدامة أثر المجالس البلدية في استقرار المجتمع العُماني وتماسكه مرهونة بقدرتها على التنبؤ بالمتغيرات الاجتماعية والتحولات الديموغرافية، وتقديم حلول بلدية مبتكرة تجعل من الإنسان محورًا للتنمية وأداتها وغايتها في ذات الوقت.
الأثر الاقتصادي
ويرى سعيد بن أحمد الشحري، نائب رئيس المجلس البلدي لمحافظة ظفار، قائلًا: إن الأثر الاقتصادي للمجالس البلدية كان ملموسًا ومتناميًا عبر تحديد أولويات التنمية واقتراح المشروعات ومتابعة تنفيذها، إذ يختلف حجم العمل بحكم اتساع المحافظة وتنوع أنشطتها ومواسمها الاستثمارية، وخاصة موسم الخريف الذي يتطلب استعدادًا مبكرًا وتكاملًا بين مختلف الجهات، ولقد أحدث قانون المجالس البلدية نقلة نوعية وجعله شريكًا في تنمية المحافظة من خلال إبداء الرأي في استثمار مواردها وخططها ومشروعاتها الاقتصادية والسياحية، مما أسهم في تحويل تنمية المحافظات من مفهوم نظري إلى مشروعات واقعية.
كما بيّن الشحري العائد الاقتصادي لبرنامج تنمية المحافظات، موضحًا بأن له خلال السنتين الماضيتين دورًا فعالًا في إيصال مطالب المجتمع وتحويل العديد منها إلى خطط ومشروعات تخدم المواطنين وتوفر فرصًا استثمارية وتجارية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والباحثين عن عمل، كما أكد دور المجلس البلدي لمحافظة ظفار في مساندة المستثمر الوطني من خلال الاستماع إلى مقترحاته وتوجيهه نحو المسار الصحيح والتنسيق مع الجهات المعنية ومتابعة التحديات التي تواجه مشروعه لتجنب التأخير أو التعثر المادي، كما أسهم المجلس في تهيئة بيئة استثمارية أكثر مرونة واستقرارًا بالمحافظة، بما يعزز ثقة المستثمر ويحفظ المال الوطني ويدعم اقتصاد محافظة ظفار بشكل عام.
