غزة بين التمثيل والاختزال

08 سبتمبر 2026
08 سبتمبر 2026

منذ بداية الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي على غزة، تحوّل معتز عزايزة من مصوّر صحفي يوثّق الموت اليومي إلى شخصية عامة ذات حضور عالمي، ولم يعد ما يقوله يُقرأ بوصفه شهادة فرد عاش الحرب فحسب، بل بوصفه خطابا سياسيا وأخلاقيا عن غزة والفلسطينيين والحرب والمقاومة.

انتقل عزايزة من الدفاع عن حقه في تقديم روايته الخاصة إلى بناء نوع من الاستثناء الأخلاقي حول نفسه.

ففي ظهوره هذا الأسبوع في بودكاست «تقارب» مع أحمد البيقاوي، عاد إلى فترة الإبادة ليؤكد أنه كان في الشارع يصوّر ويعرّض نفسه للخطر، في مقابل آخرين «كانوا في بيوتهم»، حتى الشهداء منهم، ليتحول الاعتراض على مواقفه، في خطابه، إلى مسألة يمكن تفسيرها بالحسد أو الكراهية الشخصية. وليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها عزايزة حفيظة الفلسطينيين أولا وآخرين تاليا.

هنا تحديدا يبدأ السؤال: ليس لأن عليه أن يؤدي دور «البطل الفلسطيني» الذي ينتظره الجمهور، ولا لأن من عاش الحرب مطالب بأن يخرج منها حاملا خطابا سياسيا يرضي الآخرين، بل لأن التجربة الشخصية، مهما كانت قاسية واستثنائية، هل يمكن أن تتحول إلى حصانة تمنع مساءلة الأفكار التي تُطرح باسمها؟

هناك حرج أخلاقي مفهوم في نقد شخص عاش ما عاشه عزايزة. فمن السهل على من تابع الحرب عبر شاشة أن يتحدث عن الصمود والمقاومة والثبات، بينما كان آخرون يعيشون تحت القصف، ويخسرون بيوتهم وأصدقاءهم وأفراد عائلاتهم.

لا يحق لأحد أن يطالب فردا يعيش تحت القصف بأن يكون شجاعا بما يكفي، أو صامدا بما يكفي، أو مقاوما بما يكفي. لكن حين تتحول التجربة إلى خطاب سياسي عام، وحين تُقدَّم مواقف محددة عن غزة وحماس والمقاومة والفلسطينيين بوصفها تصحيحا لصورة زائفة صنعها الآخرون، يصبح هذا الخطاب قابلا للنقاش مثل أي خطاب آخر. أليس كذلك؟

أحد أكثر الدفاعات شيوعا عن عزايزة يقوم على القول إن الفلسطينيين، وخصوصا أهل غزة، حُشروا طويلا داخل صورة واحدة: المقاوم، الصامد، المستعد للموت، الذي لا يحق له أن ينهار أو يخاف أو يكره الحرب أو يريد فقط أن يعيش.

وهذه ملاحظة صحيحة في أصلها. الفلسطيني ليس رمزا، ولا ملصقا سياسيا، ولا مادة خاما يحتاجها الآخرون لتأكيد أفكارهم عن البطولة. من حقه أن يخاف، وأن يغضب، وأن يرفض الموت، وأن يكره جميع الأطراف التي يعتقد أنها ساهمت في وصول حياته إلى هذه النقطة.

لكن المشكلة أن نقد الاختزال يمكن أن يتحول هو نفسه إلى اختزال جديد.

حين يقال إن «غزة ليست حماس»، فإن العبارة صحيحة وبديهية: غزة مجتمع، فيها اختلافات سياسية وفكرية واجتماعية، ولا يمكن مساواة مليوني إنسان بتنظيم سياسي واحد. لكن هذه الحقيقة لا تعني تلقائيا أن الصوت الذي يرفض حماس أو المقاومة هو الصوت الأكثر أصالة، أو الأكثر تمثيلا للفلسطيني الذي «لم نسمعه من قبل». فهناك فلسطينيون عاشوا القصف نفسه، وفقدوا أهلهم وبيوتهم أيضا، وما زالوا يرون المقاومة جزءا من تجربتهم السياسية والتاريخية. وهناك من يختلف مع حماس من داخل تصور مؤيد للمقاومة، ومن يرفضها من موقع سياسي مختلف تماما، ومن لا يريد أن يُختزل في أي موقف أصلا.

إذا كنا نريد بالفعل الاعتراف بتعدد غزة، فعلينا أن نقبل هذا التعدد كله، لا أن نستبدل صورة الفلسطيني المقاوم بصورة أخرى للفلسطيني «الحقيقي» الذي اكتشف أن المقاومة هي المشكلة. وإلا فإننا لا نفكك الاختزال، بل نغير الشخص الذي نختاره ليمثل الجماعة.

صحيح أن تجربة الفلسطيني تمنحه معرفة لا يمكن لمن هو خارجها امتلاكها بالكامل. وصحيح أن ثمة أشكالا من التعالي في الخطاب العربي والدولي حول الفلسطينيين ينبغي نقدها بلا تردد. لكن الخبرة الشخصية لا تمنح صاحبها احتكارا للحقيقة السياسية. من عاش حدثا يعرف أشياء لا يعرفها من لم يعشه، لكنه لا يصبح، بسبب ذلك وحده، صاحب التفسير الوحيد لأسبابه ومعانيه ونتائجه.

بل إن التاريخ نفسه يعلمنا أن الأشخاص الذين يعيشون الحدث الواحد يخرجون منه باستنتاجات متناقضة تماما. الحروب والثورات والاستعمار لا تنتج وعيا سياسيا موحدا. التجربة ليست نظرية سياسية جاهزة، والألم لا يمنح صاحبه تلقائيا سلطة تفسير التاريخ.

ثم إن الاعتراض على مشاركة غير الفلسطينيين في هذا النقاش يتجاهل طبيعة القضية الفلسطينية نفسها. منذ النكبة، أعادت القضية تشكيل سياسات المنطقة، وحروبها وتحالفاتها ومجتمعاتها وخطابها الثقافي، وتداخل تاريخ الفلسطينيين مع تاريخ لبنان والأردن وسوريا ومصر والخليج وسواها.

هذا لا يعني بالطبع أن الجميع يمتلك الموقع نفسه في النقاش، أو أن تجربة من عاش الاحتلال والحصار والقصف مساوية لتجربة من شاهدها من الخارج. لكنها تعني شيئا أبسط: القرب من الألم يعطي شهادة لا يمكن استبدالها، لكنه لا يلغي حق الآخرين في التفكير في المعنى السياسي لهذه الشهادة.

المفارقة أن جزءا من الاحتفاء بعزايزة لا يتعلق فقط بما يقوله، بل بفكرة أنه كسر صورة الفلسطيني التي اعتادها الجمهور. إنه الفلسطيني الذي يرفض أن يكون بطلا، أو أن يقدم نفسه بوصفه مقاومة تمشي على قدمين، ولهذا يُقرأ أحيانا بوصفه صوتا أكثر «إنسانية» من الخطابات الفلسطينية الأخرى.

لكن لماذا تكون الإنسانية دائما في هذا الاتجاه؟ لماذا يصبح الفلسطيني الرافض للمقاومة فردا معقدا، بينما يصبح الفلسطيني المؤيد لها أسيرا للأيديولوجيا؟ لماذا يُنظر إلى الأول بوصفه إنسانا اكتشف الحقيقة من خلال الألم، بينما يعامل الآخر وكأنه لم يتعلم شيئا من الألم نفسه؟ هنا يظهر شكل آخر من أشكال الانتقائية. نحن لا ندافع دائما عن حق الفلسطيني في الاختلاف، بل أحيانا عن حق الفلسطيني في أن يقول الشيء الذي نريد نحن سماعه، ثم نسمي ذلك تحريرا لصوته.

لا ينبغي لمعتز عزايزة أن يكون بطلا، ولا متحدثا باسم المقاومة، ولا متحدثا باسم حماس، ولا حتى نموذجا سياسيا لأحد. من حقه أن يكون فردا يحمل غضبه وخوفه ورؤيته الخاصة لما عاشه.

لكن من حق الآخرين أيضا أن يقولوا إن بعض هذه الرؤية ضعيف، أو متناقض، أو مختزل، أو سياسيا غير مقنع، بل وغير أخلاقي، كما هي مواقفه الأخيرة.

فالاعتراف بإنسانية الضحية لا يعني تعليق الحكم الأخلاقي والسياسي أمام كل ما تقوله. وربما يكون الشكل الأكثر احتراما لها هو العكس تماما: أن نتعامل معه كإنسان كامل وفاعل.

السؤال إذا ليس: هل يحق لمعتز عزايزة أن يقول ما يريد؟ بالطبع يحق له. السؤال الأصعب هو: متى تحوّل حقه في الكلام إلى مطالبة الآخرين بالصمت؟

هل معتز يمثل غزة؟ بل: كيف صُنعت له سلطة التمثيل أصلا؟ الشهرة، والصورة، والانتشار العالمي، والمقابلات، وعدد المتابعين كلها قد تجعل صوت شخص واحد يبدو كأنه أكثر «حقيقة» من أصوات آخرين لم يمتلكوا الفرصة الإعلامية نفسها.

وهنا المفارقة: الذين يرفضون اختزال غزة في حماس قد يقعون في اختزال آخر، حين يتعاملون مع معتز باعتباره الوجه الذي كشف لهم «ما يريده الغزيون فعلا». كأن التعدد لا يُعترف به إلا إلى أن يظهر صوت ملائم سياسيا، ثم يُعاد تنصيبه ممثلا للجميع.