بين موت القراءة وتعفن الدماغ

06 سبتمبر 2026
06 سبتمبر 2026

في أحد الاجتماعات التي تعنى بالتطوير أتذكر جملة قالها أحد المشاركين في إطار كلامه عن أولئك الذين يقاومون التغيير، حيث قال «إذا لم تتغير بإرادتك، فستجبرك الظروف على التغير».

أستعيد تلك العبارة وأفكر في القراءة، وأتساءل هل يجب علينا أن نتغير أم ستأتي الظروف وتجبرنا على التغير؟ وهذا ما يحصل في الحقيقة؛ إذ أصبح الكتاب والجريدة وكل شيء نريد معرفته متاحا آليا ورقميا على الشبكة العنكبوتية، وهذا بحد ذاته يتطلب منا أن نغير نمط قراءتنا وتعاطينا مع هذا التغير، وهل هذا له توابع وأضرار؟ أم يلزمنا الإبقاء على نمط القراءة كما تعودنا في السابق؟ ندري أو لا ندري أن القراءة باتت في حكم المؤكد بأنها لم تبق كما هي بصيغتها في السابق، إذ القراءة من كتاب ورقي ليست بالضرورة كالقراءة من كتاب آلي. وما الذي يتغير فينا ونحن نقرأ من الإنترنت؟ ما الذي يصيب نفسيتنا ودماغنا جراء ذلك التحول والتغيير؟

كنت أستمع إلى برنامج حواري يناقش حالة أصبح يطلق عليها (تعفن الدماغ)، وهي الحالة الناتجة عن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الرقمي، وخصوصا التنقل بين المقاطع السريعة.

استذكرت ذلك عندما أمضيت وقتا طويلا أقرأ على شاشة الحاسوب. خرجت منها مرهقا متعبا، مشوشا وأصابني الوهن، وكأني قطعت مسافة طويلة ركضا، أو كنت في جهاد مضن. كأني في جهاد النفس وهو أعظم أنواع الجهاد، كما قال لنا ذات مرة معلمنا في الإعدادية. الشعور الذي ينتابني أثناء قراءة كتاب، أو مذكرة، أو مقال، أو تصفح موقع أخباري على شبكة المعلومات (الإنترنت). حالة من اللايقين، وتنازعني رغبات كثيرة ومتداخلة، لا أستطيع تكملة القراءة وأجد صعوبة في الاستمرار، وكأن شيئا يحثني على أن أترك الكتاب والانتقال لكتاب آخر، أو موقع مختلف.

أتخيل شخصا يقف خلفي يحاول أن يأخذ مني الكتاب عنوة ويرميه بعيدا. يصيبنا الإرهاق والتعب والتشويش، وعدم القدرة على التركيز، وضعف القدرة على التفكير، وغشاوة على العين؟ أفكر، أهو تبلد أو تكلس أو تآكل الانتباه، ما الذي يصيبنا حقا؟ صراع قوي مع رغباتك ونفسك. وما زاد تلك المعضلة هو الازدياد المضطرد في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى بما فيها الصحف والمجلات والكتب، كلها بلمسة واحدة تجدها معك، وتلك معضلة أخرى وهي المتوفر المشاع والمتاح والسهل الذي لا يمنعك عنه شيء.

وما زاد الطين بلة هو ذلك الانفجار المتمثل في الذكاء الاصطناعي، وتلك الخوارزميات التي ما إن أردت شيئا أو تبحث عن شيء، تخرج لك بعض البيانات التي تطالبك بأن تملأ فراغاتها، لتفتح لك أرشفة شخصية لك، عن كل شيء، ما تحب، وما تكره، وأي الاذواق تفضلها، ووقت نومك، وأمراضك ومتى تكون سعيدا، وما الذي يحزنك؛ فسرعان ما يصيبنا الملل والتعب.

ليس تعكر مزاج، أو حالة نفسية، أو مللا، أو إقلاعا عن القراءة، لكن يبدو أن المسألة أكبر من كل ذلك؛ فمنظومة القراءة برمتها أصبحت متغيرة ومختلفة عما كانت؛ في أسلوبها ونمطها، وربما في تعريفها، أهي قراءة أم شكل آخر.

يناقش جيمس ماريوت فكرة تراجع الكتب والصحف أمام محتوى وسائل التواصل: ليس مجرد «تسطيح للعقول» بل هو خطر. ويرى أن فكرة « موت القراءة» هو موت نوع معين من القراءة؛ إذ لا يقول إن الناس أصبحوا أميين أو توقفوا تماما عن القراءة، بل العكس، حيث أصبح الناس يقرأون الرسائل والمنشورات والعناوين، والتحليلات طوال الوقت، ولكن في الوقت ذاته يقول بموت القراءة، والذي يقصده هو موت نوع معين من القراءة: الجلوس طويلا أمام نص متصل، وتتبع حجة معقدة من بدايتها، والاحتفاظ بالأفكار السابقة في الذهن ومقارنتها بما يأتي بعدها.

يرجع جيمس ماريوت في مقاله (موت القراءة يضع العالم في مكان خطير) الذي نشره في جريدة التايمز في 14 أغسطس 2026 ذلك إلى الهاتف الذكي، ويناقش فيه فكرة، لماذا أصبح بعض الناس غير قادرين على الجلوس مع كتاب أو مقال طويل حتى نهايته؟ ولا يستطيعون إكمال حتى عشر صفحات، ويجدونها صفحات مرهقة أو مخيفة. ويرى أن السبب في ذلك يعود إلى الهاتف الذكي وهو العامل الأكبر الذي يقود هذا التحول.

المشكلة ليست مجرد أننا نقضي وقتا كان يمكن أن نقضيه مع الكتب، وإنما أن الهاتف يدرّب الانتباه على نمط مختلف: إشعار، ثم مقطع، ثم صورة، ثم خبر قصير، ثم مقطع آخر. وفي المقابل، تحتاج القراءة العميقة إلى بقاء الذهن مع فكرة واحدة مدة طويلة، وربط ما يقرأه الإنسان الآن بما قرأه قبل صفحات.

ثم يذهب إلى فكرة أعمق: إن فقدان عادة القراءة لا يضعف التركيز فقط، وإنما قد يؤثر في التفكير النقدي والنقاش السياسي والديمقراطية.

وهل للإنترنت دور في تحديد ما الذي نقرأه، وكيف نقرأه؟ أو له دور في تراجع متعة القراءة، والقراءة المعمقة، والاستنتاجات العقلية، والأسئلة التي عادت ما يطرحها القارئ؟ أسئلة كثيرة ما فتئت تختمر في رأسي كلما شرعت في قراءة شيء على الشبكة.

وذكر نيكولاس كار في مقاله الذي نشره في جريدة (ذا أتلانتيك) عام 2008م بعنوان (هل يجعلنا جوجل أغبياء) أنه لاحظ أن الإنترنت لا يغيّر فقط ما نعرفه، بل يغيّر الطريقة التي تعمل بها عقولنا؛ الإنترنت يدرّبنا على نوع آخر ومختلف من القراءة، فنحن لا نسير عادة في النص من البداية إلى النهاية، نفتح صفحة، ثم رابطا، ثم نعود، ثم نقرأ عنوانا، ثم بريدا أو رسالة، ثم نبحث عن معلومة أخرى.

ويضيف «أي أننا أصبحنا بارعين في: «المسح - البحث - الانتقال - التقاط المعلومة - ثم المغادرة»؛ فالعقل الذي يتدرب طوال اليوم على الانتقال السريع يبدأ بطلب الإيقاع نفسه عندما نضع أمامه كتابا هادئا.

وقد شرح كار لاحقا أنه كان يشعر أثناء قراءة الكتاب بأن عقله يريد أن يفعل ما اعتاد فعله على الإنترنت: الانتقال إلى صفحة أخرى، وفحص البريد، والبحث والنقر على الروابط. ويضيف، نحن لا نفقد القراءة، بل «نوعا» من القراءة.

المفارقة أن الإنترنت حسب ما يقول كار جعلتنا نقرأ طوال اليوم: رسائل، أخبارا، منشورات، نتائج بحث وتعليقات. لكن النقطة المهمة في ذلك، هو ما يميز القراءة ضمنيا بين الحصول على المعلومات والتفكير فيها.

وحسب كار، عندما تقرأ كتابا بهدوء، لا نتلقى الكلمات فقط، بل يحدث شيء آخر في الفترات الهادئة بين الأفكار: تقارن بما تعرفه، تستنتج، تعترض، تتذكر شيئا قديما، وتكوّن فكرة ربما لم يذكرها الكاتب أصلا.

وذلك ما ذهبت إليه الباحثة في علم القراءة (ماريان وولف) وهي تشرح نقطة مهمة عن القراءة، تقول: «القراءة العميقة ليست قدرة تلقائية؛ الدماغ يبني لها دوائر ومهارات مع الممارسة. وهي تشمل الاستنتاج، والربط بالمعرفة السابقة، والتفكير النقدي والتأمل. وعندما يصبح النمط الغالب هو التصفح والمسح السريع للنصوص، يقل الوقت الذي نعطيه لهذه العمليات البطيئة».

شيء آخر يواجهنا في القراءة على الإنترنت، وقد تكون معضلة بالرغم من الفائدة العميقة، وهي تدفق المعلومات بشكل كبير وتراكم المعرفة، ووفرتها، حتى لو كانت مفيدة جدا، متوفرة بمجرد الضغط على زر الإدخال، دون عناء أو تعب، ولا يتطلب الانتقال من مكانك. ولكنه تنازع قوي بين الرغبات؛ مقاومة وصراع فكري ونفسي بين العقل والقلب، وبين الوقت والتركيز. حقيقة كلنا ندركها، وهي أن القراءة في زمن الإنترنت والذكاء الاصطناعي، تبدو مختلفة ومتغيرة، إذ ليس بالضرورة أن يكون الاختلاف هنا سيئا أو غير محمود، ولكن الاختلاف يكمن في متطلبات التعامل مع هذا النوع من القراءة. وبلا شك أن القراءة من كتاب ورقي له طقوسه ومتطلباته، والقراءة من كتاب آلي رقمي قد تتطلب مهارات وقدرات مختلفة غير تلك التي تعودنا عليها. والأهم من ذلك القدرة على الاستمرارية، والصبر، وكل ذلك يبقى في المستطاع، وأن التغيير والتبدل ليس بالأمر الصعب. كنا عندما نبحث عن معلومة أو نعد بحثا مثلا، علينا أن نرجع إلى العديد من الكتب والمراجع التي تعج بها الرفوف والأدراج، وعلينا أن نسأل العديد من الأشخاص، وقد تستغرق رحلة البحث تلك ساعات أو أياما، لكن الممتع فيها رغم مشقتها أنها تفتح لنا مجالات أخرى في التفكير والتأمل.

قد لا يختلف الأمر كثيرا الآن مع الرقمنة أو الأتمتة، كل ما علينا هو الإيمان بقدرتنا التي تبقى هي الركيزة الأساسية في تطويع تلك الآلة (الإنترنت) لصالحنا، والتحكم في عواطفنا ورغباتنا، والموازنة بينها وبين العقل.

د. بدر الشيدي قاص وكاتب عماني