هل تجاوز الغرب مشكلته مع الإسلام؟

05 سبتمبر 2026
05 سبتمبر 2026

بعد عدة أيام، يمر ربع قرن من الزمن على حادثة الحادي عشر من سبتمبر المأساوية التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء. وكأن تلك الحادثة بداية لمشكلة متجددة -بحلول الألفية الجديدة- مع الإسلام؛ إذ اتخذها فريق اليمين الغربي -الأوروبي والأمريكي- ذريعة لتجديد حربه على الإسلام وفق قواعده غير الأخلاقية التي صاغها عبر تفسيره لهجوم الحادي عشر من سبتمبر، وألصق فيها التهمة بكل جذورها وعناصرها بالإسلام؛ فأذاع فكرته بكل ما تحمله من أوهام و«دراما» مبالغ فيها، وسنأتي إلى مغزى هذا القول.

جاءت بعدها الحملات الصليبية بصورتها الحديثة -وفق تعبير مباشر من الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش» الابن- تتبنى فيه شعار الانتقام من الإسلام والمسلمين وفق مسوغات زائفة أُوهِمَ بها كثير من شعوب الغرب وأمريكا؛ فكانت أولها حرب أفغانستان واحتلالها، وأتبعت بحرب العراق واحتلاله، وما صاحب هذه الحروب من انتهاكات لا تليق بالإنسانية ومبادئها الأخلاقية.

وتبيّن لكل عاقل أن الهدف الرئيس مرتبط بسرقة مقدرات تلك البلدان وثرواتها الطبيعية من نفط ومعادن بجانب محاولة ضرب الإسلام وإضعافه على حساب تقوية الكيان الصهيوني وضمان استمراره وتوسعه. هذا ما يتجدد ويستمر في الحدوث ضد شعوب وأنظمة أخرى ليست -بالضرورة- مسلمة كما نراه مع أحداث فنزويلا الراهنة وسرقة نفطها.

عكفتُ مؤخرا -مع كل فرصة زمنية متاحة- على الاستماع -عبر تطبيق يبث إذاعات العالم- إلى بعض قنوات الإذاعة الأمريكية مثل «سي أن أن» و«فوكس نيوز»، ووجدتها -وخصوصا الأخيرة- أكثر تطرفا وذا نزعة عنصرية لم أعهد كثيرا من أنماطها الصهيونية من قبل مع قنوات إذاعية مثل «بي بي سي» البريطانية -التي اعتدت متابعتها منذ سنوات طويلة- رغم عدم خلوها من الممارسات الإعلامية المنحازة، ولكنها تظل أفضل حالا من نظيراتها الأمريكية. أيقظ المحتوى الإذاعي -خصوصا الأمريكي- في داخلي قضية الإسلام وتجدد معارك الغرب معه. ولا يخلو الأمر من جذور قديمة تعلل هذا الصراع وتجدده.

لكننا مع مستجدات هذا الصراع، نجد للتداخل الصهيوني ومصالحه بصمة واضحة مع كل مشكلة تطفو على سطح الأحداث العالمية، وتُسخّر لأجل بلورة هذه المشكلات وكسب رهان الانتصار على الإسلام كلُ الوسائل المتاحة بما فيها مثل هذه القنوات التلفزيونية والإذاعية التي تُملك -معظمها- من قبل أفراد ومجموعات صهيونية داعمة للكيان الصهيوني وكارهة لكل ما هو غير صهيوني بما فيها الإسلام؛ فتسعى بكل أساليب الخداع والكذب إلى تشويه صورة الإسلام والمسلمين، والتأثير عاطفيا على الشعوب الغربية والأمريكية ورأيهم العام واستمالتهم إلى الصف الصهيوني وزرع كره الإسلام في نفوسهم.

ليس في الأمر مبالغة، ولم يعد هناك مسوغ لنفترض اختلاطه بنظريات المؤامرة؛ فصار الأمر جليا أن كثيرا من صور الإسلام السيئة التي انتشرت مؤخرا وتحديدا منذ الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 مرتبطة بإخراج صهيوني، واستغل في مسرح أحداثه بعض الجهلة وضعاف النفوس ممن تلبسوا لباس الإسلام؛ فأغري قادتهم بالأموال، وشوهت مفاهيم الإسلام وتأويلاته لدى كثير من صغارهم. وأثبت في غير مصدر دور المخابرات الغربية ومؤسساتها العسكرية في تدريب هذه المجموعات -المتلبسة بلباس الإسلام والمتحركة باسمه- وتمويلها، ويكفي ما أنتجته هذه النشاطات السرية -في وقتها- من ظهور قوي لمجموعات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش»، وقبلها مجموعات متطرفة عاثت فسادا في دول عربية مثل مصر والجزائر.

يكفي أيضا ما نجده من تشويه للإسلام وتحميله ما لا يمكن أن يحتمله أهله؛ فتعالت مصطلحات ممنهجة هدفها زرع الرعب من الإسلام مثل «الإسلام السياسي» و«الراديكالية الإسلامية»، وربطت هذه المصطلحات بأسلوب خبيث ممنهج بالشريعة ومقاصدها البعيدة كل البعد عن خزعبلات الإرهاب وأتباعه؛ لتجد ضالتها في تطور صناعة المصطلحات التي أرادوها أن تكون لصيقة بالإسلام وأهله مثل «الإرهاب».

نجد لمثل هذه المصطلحات وارتباطاتها الدرامية والتعبئة العاطفية المضللة ترجمة لكثير من أشكال الكراهية والعنف ونتائجها السيئة ضد الإسلام والمسلمين، وأبسطها ما واجهه كثير من المسلمين -وبعضه مستمر إلى يومنا- من عنف في الدول الغربية وتمييز في المطارات وأماكن العمل.

كذلك حال بعض المسلمين في تلك الدول مثل أمريكا مع أي محاولة لخطو خطوات في النشاط السياسي؛ لتتعالى صيحات الكراهية والرفض، وتبرز منطلقات بحثهم الأولى فيما يتعلق بتاريخ علاقة هذا المسلم بالإسلام وممارساته مثل ما يروّجه الإعلام الأمريكي عن المرشح الأمريكي عبدالرحمن السيد بأنه -وفق منطقهم العنصري- ذو جذور إسلامية أصولية خطيرة، وزوجته محجبة، ولإثبات ذلك أقاموا الدنيا وأقعدوها على خبر أخذِه قرضا يتوافق مع المعايير الإسلامية، وكأن في حجاب زوجته وقرضه ذي المعايير الشرعية الإسلامية خطر على الأمة الأمريكية ونظامها المدني.

عودة إلى حادثة الحادي عشر من سبتمبر المؤسفة، وربطها بالإسلام بشكل مباشر؛ فإننا لا نستبعد أن تكون هذه الحادثة -مثل حوادث إرهابية أخرى- من صنيعة مؤسسات استخباراتية ذات مصلحة في حدوث مثل هذه الأحداث الإرهابية. وأول هذه المصالح إعادة رسم الصورة النمطية للإسلام والمسلمين وترسيخها في أذهان المجتمعات الغربية؛ فتستفيد كيانات مثل الكيان الإسرائيلي الذي استغل مشكلة اليهود -قديما- في الغرب ومظلوميتهم، وليحمل اسم اليهود وينطلق في مشروع الانتقام بأسلوب غربي استعماري متجدد، ويغري الفرد الغربي الكاره للإسلام إلى دعم هذا الكيان رغبة في التشفّي من أعدائه المسلمين والانتقام منهم.

لا أتصور أن الغرب ويمينه الصهيوني يمكن أن ينجح في مشروع تشويه الإسلام ومحاولة ضرب نموذجه المشرّف لولا المنطلقات التراثية الشاذة التي تحمل اسم الإسلام سواء في نصوص تراثية منحولة تمنح حق تكفير الآخر أو تدعو إلى تشدد ما أنزل الله به من سلطان.

كذلك تتحمل بعض الدول العربية والإسلامية جزءا من المسؤولية في دعم صناعة معظم هذه المجموعات الإرهابية الذي عاثت فسادا في الدول العربية قبل الغربية. وتبين عبر عدد من الشهادات والمذكرات والتقارير المنشورة تواطؤ بعض هذه الأنظمة في هذه الصناعة القذرة بأساليب متعددة بدءا من توفير العناصر البشرية التي إما أن يكون بعضها ذا سوابق إجرامية وتقبع في السجون، وإما أن تكون من فئات صغار السن المغرر بها والمدفوعة عاطفيا إلى سوق «الجهاد».

علاوة على ذلك، ضخت بعض هذه الأنظمة الأموال والعتاد لتمويل هذه المجموعات دون وعي بالمسار القادم لهذه المجموعات التكفيرية وما تملكه من سلاح وخبرة. واتضح أن بعضها كان وباء ووبالا على المجتمعات العربية والإسلامية وفق منهجية صهيونية عمدت على الهندسة العكسية لهذه المجموعات الضارة.

لكننا، وبعد مرور ربع قرن منذ حادثة نيويورك، لم تعد كذبة «الإرهاب الإسلامي» تنطلي على كثير من الشعوب الغربية؛ فانجلت لكثير منهم حقائق جمّة، وأنهم وقعوا في فترة ما ضحايا «الإغواء الجمعي» عبر شتى وسائل المنظومة الصهيونية بدءا من إعلامها المضلل، والذي ما زال ينفث سمومه حتى يومنا.

نجد أيضا أن الهندسة العكسية تعمل في هذه الوسائل؛ فخرجت بواسطتها وتحديدا عبر الإعلام الرقمي الحديث كثير من الحقائق التي تثبت كذب الصهيونية ومن يتبعها من الحكومات الغربية، وبرأت الإسلام وغالبية منتسبيه من تهم الإرهاب؛ فأظهرت حقائق النظام العالمي وعبثه.

كذلك نجد اقتراب الفرد الغربي من فهم الإسلام وثقته بالمسلمين، ويكفي ما أثبته نجاح السياسيين المسلمين في أمريكا عبر توطيد علاقتهم بالناخب الأمريكي الباحث عن السياسي النزيه المهتم بقضاياه المجتمعية.

ولنا مثال في نجاح أمثال زهران ممداني عمدة نيويورك في إدارة مدينة نيويورك وقدرته المذهلة على التعامل مع جملة من مشكلاتها التي تحولت إلى «ترند» أسعد أفراد المجتمع «النيويوركي»، وأشعلوا وسائل التواصل الاجتماعي بالمشاهد المرئية لنجاح ممداني.

لا أتصور أننا مضطرون إلى بذل طاقات جبارة لتبرئة الإسلام من تهم الإرهاب المُلصقة به؛ فيكفي أن نترك الأمر للصهيونية وأفعالها الإجرامية وللأنظمة الإعلامية الرقمية أن تخبر العالم وشعوبه الحرة عن منبع الإرهاب الحقيقي وصانعيه، ولغزة وما يحدث فيها من ظلم خير دليل لمن ينشد الحقيقة.

بيد أننا لا ينبغي أن نغفل أن للإعلام سواء التقليدي أو الرقمي الحديث قدرة على صناعة التأثير، وهذا ما انتبهت إليه المجموعات الصهيونية مبكرا؛ فضخت جهدها وأموالها وخبرتها في هذا القطاع؛ لتشكيل صور نمطية تضمن اقتراب المجتمعات الغربية أفرادا ومؤسسات منها ومن مشروعها.

لعلنا -نحن المسلمين- أدركنا بعضا من هذا مؤخرا؛ فنلحظ جهودا إعلامية معظمها فردية أو مؤسسية صغيرة تقاوم الزيف الصهيوني، تحاول أن تعيد الصورة الحقيقية للإسلام.

لنكمل المسير؛ فباستطاعتنا أن ندحض السردية الزائفة عن الإسلام عبر ما نملكه من حقائق وأدوات إعلامية.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني