ملتقى "الممتلك الثقافي" بقلعة بهلا يبرز دور الشباب في صون التراث العالمي
انطلقت بقلعة بهلاء بمحافظة الداخلية أعمال ملتقى "الممتلك الثقافي" لحرف الفخار والنحاس والمعادن والصناعات الخشبية، الذي ينظمه فريق بهلاء التطوعي بالتعاون مع وزارة التراث والسياحة ووزارة التعليم ممثلة في اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وبمشاركة متطوعين محليين ودوليين من عدة دول.
ويأتي الملتقى ضمن مبادرات متطوعي التراث العالمي 2026 "العمل من أجل المستقبل" التي ينظمها مركز التراث العالمي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ويستمر حتى الثالث عشر من سبتمبر الجاري.
رعى حفل افتتاح الملتقى سعادة الشيخ محمود بن راشد السعدي، المكلّف بتسيير أعمال محافظ الداخلية.
ويشارك في الملتقى 30 متطوعًا من سلطنة عُمان وإيران وروسيا والهند؛ بهدف توفير مساحة للتفاعل وتبادل الخبرات والمعارف والتجارب في مجالات صون التراث الثقافي وإدارته، وتعزيز العمل المشترك بين المتطوعين من مختلف الثقافات.
ويتضمن برنامج الملتقى محاضرات وندوات وجلسات حوارية وحلقات تطبيقية وزيارات ميدانية تتناول عددًا من عناصر التراث العُماني والحرف والصناعات التقليدية، وفي مقدمتها صناعة الفخار والصناعات المعدنية والأخشاب التقليدية، إلى جانب التوثيق الرقمي للتراث والهوية البصرية المستوحاة من عناصر الموروث الثقافي.
كما يتناول البرنامج التراث العُماني ضمن منظومة التراث العالمي، وقضايا صون التراث الثقافي غير المادي وآفاق استدامته، ودور منظمة اليونسكو في حماية مواقع التراث العالمي، إلى جانب تجارب الشراكة في صون التراث العُماني واستدامته.
تجربة عالمية
وقال سلطان بن ناصر النبهاني رئيس فريق بهلا التطوعي: إن مبادرة "الممتلك الثقافي"، التي تركز على حرف الفخار والنحاس والمعادن والصناعات الخشبية، من المؤمل أن تحقق نتائج تسهم في خدمة موقع قلعة بهلا التراثي، الذي سُجل قبل نحو 40 عامًا بوصفه أول موقع عُماني يُدرج على قائمة التراث العالمي.
وأوضح أن المبادرة تمثل تجربة عالمية أولى لفريق بهلا التطوعي، مع الاستفادة من التجارب الدولية في مجال العمل التطوعي المرتبط بصون التراث.
وأضاف: إن المبادرة يتوقع أن تخرج بعد عشرة أيام من التقييم بقاعدة بيانات رقمية لعناصر التراث المحلي، ومعرض تراثي مجتمعي، وفيلم وثائقي قصير، وقصص رقمية عن التراث، ومبادرات شبابية للاستدامة، إلى جانب شبكة «سفراء تراث بهلا».
تمكين الشباب
من جانبه أوضح الدكتور يونس بن جميّل النعماني مدير شؤون التراث والثقافة باللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم، نائب رئيس الفريق المشرف على تنفيذ المبادرة، أن مبادرة "متطوعي التراث العالمي" تعد من البرامج التي أطلقتها منظمة اليونسكو بالتعاون مع اللجان الوطنية والمنظمات المحلية والدولية لتشجيع الشباب على حماية وصون مواقع التراث العالمي.
وأشار إلى أن المبادرة تسعى إلى تمكين الشباب وإشراكهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وبناء السلام، إلى جانب رفع الوعي بأهمية الحفاظ على المعارف التقليدية وتاريخ المجتمعات المحلية.
وبيّن أن اختيار سلطنة عُمان ضمن المبادرات الفائزة على مستوى منظمة اليونسكو جاء في ظل منافسة بين الدول الأعضاء، معربًا عن أمله في أن تحقق المبادرة الأهداف المرسومة لها بدعم ومساندة الجهات المشاركة.
رفع مستوى الوعي
وقال أيوب بن نغموش البوسعيدي مدير عام الآثار المكلف بوزارة التراث والسياحة: إن مشاركة الوزارة في مبادرات "متطوعي التراث العالمي 2026 ـ العمل من أجل المستقبل" تسهم في رفع مستوى الوعي لدى الشباب والمتطوعين والجهات المعنية بأهمية حماية التراث العالمي، وإبراز جهود سلطنة عُمان في هذا المجال، وترسيخ الحرف بوصفها ممتلكًا ثقافيًا ينبغي المحافظة عليه من الاندثار.
وأضاف: إن المشروعات المشاركة تنفذ في مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي أو القائمة التمهيدية، بما يتيح بناء شراكات مع المجتمع المحلي والجهات ذات العلاقة ودعم استدامة مخرجاتها.
وأشار إلى أن مشاركة سلطنة عُمان في المبادرة، بوصفها ثاني دولة في المنطقة العربية بعد المملكة المغربية، تمثل نموذجًا للشراكة بين وزارة التراث والسياحة ومؤسسات المجتمع المحلي، انسجامًا مع المبادئ التوجيهية لاتفاقية التراث العالمي، وبما يدعم المشاركة المجتمعية في حماية وإدارة المواقع ذات القيمة العالمية الاستثنائية.
وأكد أن المبادرات المختارة ستحصل على دعم مالي لتمكينها من تنفيذ مشروعاتها، إلى جانب حصول الجهة المنظمة والمتطوعين على اعتراف رسمي من مركز التراث العالمي، والترويج للمبادرات الناجحة عبر الموقع الرسمي لمنظمة اليونسكو وعرضها ضمن المؤتمرات الدولية.
صناع الفخار
ويخصص الملتقى يومًا لحرفة صناعة الفخار تحت عنوان "الفخار العُماني.. ذاكرة الطين وهوية المكان"، يتناول تاريخ الحرفة وتطورها واستخداماتها وأهميتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلى جانب جلسة حوارية مع أحد الحرفيين حول تجربته والتحديات التي تواجه الحرفة وسبل نقل مهاراتها بين الأجيال.
كما يتضمن البرنامج عرضًا حيًا لمراحل إعداد الطين والتجفيف والحرق، وحلقة تطبيقية لتشكيل القطع الفخارية بمشاركة المتطوعين وإشراف أحد الحرفيين، إلى جانب حوار شبابي يناقش مستقبل الحرفة وسبل الحفاظ عليها وتطويرها وتسويقها بصورة مستدامة.
التوثيق الرقمي
وتقام ضمن فعاليات الملتقى زيارة للمشاركين إلى متحف عُمان عبر الزمان في فعالية بعنوان "ذاكرة عُمان عبر الزمان.. من المشاهدة إلى التوثيق الرقمي"، تتضمن التعريف بدور المتحف في حفظ الذاكرة التاريخية والثقافية، وجولة في قاعاته للتعرف على أبرز المحطات التاريخية والحضارية في سلطنة عُمان.
كما ينفذ المشاركون مختبرًا للتوثيق الرقمي لعناصر التراث، يتضمن إعداد بطاقات تعريف رقمية، وأفكارا لأفلام توعوية قصيرة وقصصا تراثية مصورة وأرشيفا للذاكرة الشفوية وخرائط رقمية للعناصر التراثية، إلى جانب التعرف على تقنيات الواقع الافتراضي وسبل استخدام المنصات الرقمية في نشر المعرفة التراثية بصورة مسؤولة.
الصناعات المعدنية والأخشاب
ويتضمن البرنامج يومًا للتعرف على حرفة الصفارين في سوق الصفارين ببهلا، من خلال التعريف بنشأة الحرفة وأدواتها ومنتجاتها ومكانتها في المجتمع العُماني، وزيارة محلات الحرفيين بسوق بهلا التراثي، والتعرف على مراحل العمل وتقنيات تشكيل المعادن التقليدية، إلى جانب محاضرة حول الترسبات الطينية والمعدنية في جبال عُمان.
كما يتناول الملتقى صناعة الأخشاب التقليدية وتاريخها وأهميتها في الصناعات الثقافية العُمانية، من خلال زيارات إلى حلقات تدريبية للحرفيين واستعراض مراحل تحويل الخشب من مادة خام إلى منتجات فنية، إلى جانب توثيق تاريخي لأبواب قلعة بهلا ومناقشة سبل الحفاظ على المهارات الحرفية الخشبية.
وفي محور "من التراث إلى الهوية"، يتعرف المشاركون على القراءة البصرية للتراث العُماني من خلال الألوان والنقوش والأشكال والرموز والخامات، إلى جانب تنفيذ حلقة تدريبية لتصميم الهوية البصرية للصناعات الثقافية وإنتاج نماذج مستوحاة من الحرف والعناصر التراثية العُمانية.
زيارات ميدانية
ويشمل البرنامج مجموعة من الزيارات الميدانية إلى المواقع التاريخية والأثرية في محافظة الداخلية، من بينها قلعة نزوى وسوق نزوى وحارة العقر وموقع سلوت الأثري وحصن جبرين ومتحف عُمان عبر الزمان وعدد من المصانع الحرفية ببهلا، بما يتيح للمشاركين التعرف على الموروث وتوثيقه والمساهمة في حمايته.
ويحظى موقع سلوت الأثري بمحور خاص ضمن البرنامج، يتعرف خلاله المشاركون على مكونات الموقع وتسلسله التاريخي وأبرز الحضارات والفترات التي شهدتها المنطقة، إلى جانب نشاط ميداني بعنوان "عين المتطوع على التراث" لرصد عناصر الموقع ومظاهر الحماية والتحديات، وجلسة حوارية حول المساهمة في حماية الموقع وتوثيق التجربة بعدسة المتطوعين.
تمكين المتطوعين
ويركز الملتقى على تمكين المتطوعين وإشراك الشباب في حماية التراث العالمي من خلال جلسات تدريبية وحوارية ومشروعات عملية تهدف إلى إعداد مبادرات تدعم مسؤولية المجتمع تجاه المواقع التراثية والحرف التقليدية، وإعداد المشاركين ليكونوا سفراء ومرشدين للتراث.
وتختتم فعاليات الملتقى في 12 سبتمبر الجاري بمعرض للحرف اليدوية والمنتجات الثقافية في قلعة بهلا، يستعرض حصيلة البرنامج والأنشطة والتجارب التي نفذها المشاركون والمتطوعون، إلى جانب عرض مخرجات المبادرة والفيلم التوثيقي وتكريم المشاركين.
يذكر أن مشاركة سلطنة عُمان للمرة الأولى في مبادرة "متطوعو التراث العالمي" تأتي في إطار حضورها في المبادرات الدولية المعنية بصون التراث العالمي وإشراك المجتمع والمتطوعين في المحافظة على المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي وإدارتها بما يصون قيمتها العالمية الاستثنائية ويحافظ عليها للأجيال القادمة.
وقد أُنشئت مبادرة "متطوعي التراث العالمي" عام 2008 في إطار برنامج تعليم التراث العالمي بمركز التراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو، بهدف نشر ثقافة العمل التطوعي في حماية التراث وإشراك الشباب والمؤسسات المجتمعية في الحفاظ على مواقع التراث العالمي والترويج لها، وشاركت فيها مؤسسات من عشرات الدول وآلاف المتطوعين على المستويين الوطني والدولي.
