بسمارك في الوثائق العُمانية
أوتو فون بسمارك هو المستشار الألماني الذي كان له دور مهم في العلاقات بين سلطنة زنجبار وألمانيا. ولد بسمارك في 1 أبريل 1815م، وتوفي في 30 يوليو 1898م. وقام بدور كبير في توحيد الولايات الألمانية وتأسيس الإمبراطورية الألمانية، وأصبح أول مستشار لها منذ تأسيسها في عام 1871م، حتى عزله من قبل الإمبراطور ولهلم الثاني في 20 مارس 1890م، وذلك لتباين وجهات النظر بين الرجلين.
تولى بسمارك منصب المستشار الألماني خلال فترة حكم ثلاثة أباطرة: ولهلم الأول، وفريدريك الثالث، وولهلم الثاني. وكان لبسمارك الدور الأكبر في رسم السياسة الداخلية والخارجية لألمانيا خلال فترة زمنية طويلة امتدت لعشرين عامًا تقريبًا.
تعود جذور العلاقات التاريخية بين الألمان وزنجبار إلى عهد السلطان السيد سعيد بن سلطان، مؤسس الإمبراطورية العُمانية، واتخذت تلك العلاقات الجانب الرسمي في عهد السلطان ماجد بن سعيد (1856-1870م) من خلال توقيع معاهدة تجارية بين سلطان زنجبار والمدن الهانزية الحرة الألمانية: (لوبيك، بريمن، هامبورغ)، حول المصالح التجارية المشتركة بين الطرفين، والموقعة بتاريخ: 13 يونيو 1859م.
ومن خلال تتبع الأحداث التاريخية نرصد توتر العلاقات بين الجانبين في عهد السلطان برغش بسبب التوجه الاستعماري للألمان المتمثل في الشركة الألمانية الشرقية، والزج بالسيدة سالمة كأداة ضغط سياسي لإجبار السلطان برغش على توقيع اتفاقية مع الألمان بهندسة سياسية من المستشار بسمارك، وهو ما تم بالفعل في ظل تهديد السفن الحربية الألمانية.
وتوضح المراسلات المتبادلة بين الجانبين توجيه اعتراض شديد اللهجة من السلطان برغش موجه لبسمارك، مخاطبًا إياه «الوزير الأعظم»، وقد حملت تلك الوثيقة اعتراضه على مادة وردت في الإعلان الصادر من الإمبراطور الألماني ولهلم الأول (1871-1888م)، والذي ينص على ضم عدد من المناطق التابعة لسلطنة زنجبار تحت سلطة الألمان، موضحًا حجته في ذلك، وجاءت الرسالة مؤرخة في 11 مايو 1885م.
وفي عهد السلطان خليفة بن سعيد اتخذت العلاقات الألمانية مع سلطنة زنجبار بُعدين: البعد السياسي-الاقتصادي (الاستعماري)، ويظهر ذلك من خلال الشركة الألمانية الشرقية ومحاولتها التعدي على أملاك سلطنة زنجبار، والإساءة إلى السكان، وكان الرد على ذلك التعدي والتجاوز متمثلًا في ثورة الشيخ بشير بن سالم الحارثي وما ترتب عليها من حصار زنجبار وتوقيع عدد من الاتفاقيات حول تجارة السلاح والعبيد.
أما البعد الدبلوماسي بين الجانبين، الذي أداره المستشار بسمارك، الذي كان حاضرًا في تلك المراسلات، فيظهر في تبادل السفراء والوفود والهدايا. فقد ظهر اسم بسمارك كثيرًا في تلك المراسلات المتبادلة؛ كونه كان مهندس السياسة الألمانية آنذاك، ومما توثقه المراسلات رسالة من السلطان خليفة إلى بسمارك، وزير خارجية ألمانيا، يشكره على الموافقة على تعيين ألبات أسولد كقنصل لسلطان زنجبار في هامبورج بألمانيا، مؤرخة في: 24 أغسطس 1888م. ورسالة أخرى من السلطان خليفة إلى القنصل الجنرال ألبات أسولد يعلمه فيها بموافقة بسمارك، وزير خارجية ألمانيا، على تعيينه كقنصل لسلطان زنجبار في ألمانيا ومباشرة أعماله في المنصب.
كما تبادل الجانبان الوفود، فتوجه وفد مرسل من السلطان خليفة بن سعيد إلى برلين لمقابلة الإمبراطور الألماني ولهلم الثاني، وكانت هناك مراسلات لترتيب تلك الزيارة، حيث تلقى السلطان خليفة رسالة مؤرخة في 3 نوفمبر 1889م، من المستشار الألماني بسمارك، يشكره على الوفد المرسل من جلالته لمقابلة الإمبراطور ولهلم الثاني (1888-1918م)، ويبلغه رغبة الإمبراطور الألماني في استقرار الأوضاع في منطقة البر الأفريقي، طالبًا مساعدة سلطان زنجبار في تحقيق ذلك. كما يبلغه الموافقة على طلب جلالته في خفض ضريبة العشور التي تأخذها الشركة الألمانية.
وفي قضية انتهاك الشركة الألمانية الأفريقية لبنود الاتفاقية الموقعة مع سلطنة زنجبار وانتهاكاتها في الساحل، تناولت المراسلات الدبلوماسية بين الطرفين موضوع التهدئة بين السلطان خليفة بن سعيد والشركة الألمانية الأفريقية، فتلقى السلطان خليفة رسالة من الإمبراطور ولهلم الثاني، قيصر ألمانيا وملك بروسيا، يبلغه برفع موضوع شكاوى جلالته تجاه الشركة الألمانية الأفريقية إلى المستشار بسمارك، مع طمأنة جلالته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مُرْضٍ للطرفين بما يضمن علاقات الود والصداقة بين البلدين، مؤرخة في 15 أغسطس 1889م.
سبقتها رسالة من بسمارك، المستشار الألماني، إلى السلطان خليفة بن سعيد، يبلغه عن رفضه للفعل الذي قامت به الشركة برفع علمها إلى جانب علم جلالته، كما أوضح له أنه سينظر إلى الشكاوى المرفوعة ضد الشركة الألمانية الأفريقية بخصوص الضرائب بالرجوع إلى الاتفاقية المبرمة بين الطرفين، وأخيرًا أكد حرص الإمبراطور ولهلم على علاقات الود والصداقة بين البلدين.
كما برز بسمارك في مذكرات السيدة سالمة، التي تعد وثيقة عُمانية شاهدة على أحداث تاريخية مهمة في فترة الإمبريالية الغربية، حيث أشارت السيدة سالمة إلى دور المستشار الألماني بسمارك في عرقلة محاولاتها للصلح مع عائلتها في عام 1885م في عهد أخيها السلطان برغش، وسنة 1888م في عهد أخيها السلطان خليفة.
ويظهر الدور الخطير الذي مارسه بسمارك من حيث استخدامه السيدة سالمة كأداة ضغط لدفع السلطان برغش للتوقيع على إحدى الاتفاقيات التي تحفظ لألمانيا السيادة على المناطق الساحلية الشرق أفريقية. وبالفعل رضخ السلطان للمطالب الألمانية، كما أوضحنا ذلك آنفًا، لكنه رفض استقبال أخته السيدة سالمة.
وعندما أرادت السيدة سالمة السفر مرة أخرى إلى زنجبار في عام 1888م في عهد أخيها السلطان خليفة، تواصلت مع وزارة الخارجية الألمانية، ولم تجد أي تعاون معها، بل على العكس، تلقت من وزارة الخارجية إشعارًا بأن بسمارك يرفض ذهابها إلى زنجبار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل رفض كذلك ذهاب ابنها سعيد معها، حيث كان طالبًا في المدرسة العسكرية.
وبالرغم من ذلك الرفض الممنهج، ذهبت السيدة سالمة برفقة ابنتها روزالي إلى زنجبار مرة أخرى، لكن من دون أي غطاء سياسي من قبل حكومتها الألمانية التي تخلت عنها وهي المواطنة الألمانية! واتضح للسيدة سالمة لاحقًا أنها استُخدمت كدمية في لعبة المكائد السياسية. وكشفت في مذكراتها جانبًا مهمًا من السياسة الاستعمارية الألمانية في شرق أفريقيا؛ فقد أوردت إقرار فشلها على لسان بسمارك قائلًا: «إن إجراءاتنا في شرق أفريقيا كان ينقصها الكثير من مضاء العزيمة وبعد النظر».
