No Image
ترجمة

الجدار العازل السياسي في ألمانيا يتداعى

03 سبتمبر 2026
03 سبتمبر 2026
مايكل برونينغ

في الثامن من مايو عام 1654، ظهر عمدة مدينة ماغديبورغ أمام مجلس الإمبراطورية في ريغنسبورغ، ومعه نصفا كرة مجوفان من النحاس و30 حصانًا. لم يكن ثمة ما يربط بين نصفي الكرة المعدنيين، ومع ذلك عجزت الخيول عن فصلهما.

فقد كان الفراغ داخل الكرة، وضغط الغلاف الجوي المحيط بها، هما ما يبقيان نصفيها ملتصقين. ولم تنفصل الكرة إلى نصفين إلا عندما فُتح صمام، فاندفع الهواء إلى الداخل.

وثمة فراغ آخر في ماغديبورغ يستعد للامتلاء، عندما تتجه ولاية ساكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، وعاصمتها ماغديبورغ، إلى صناديق الاقتراع في السادس من سبتمبر. ومن المتوقع أن تهز النتيجة الجسم السياسي الألماني، وأن تقدم درسًا بالغ الأهمية للحركات الديمقراطية خارج ألمانيا: فمجرد توحيد الصفوف في مواجهة اليمين المتطرف يصبح تكتيكًا خطيرًا عندما يُساء اعتباره استراتيجية.

وفي استطلاعات حديثة، حصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف على ما يصل إلى 43% من التأييد، متقدمًا بفارق مريح على حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، الذي يقف عند 23%. وهذا يمنح «البديل من أجل ألمانيا» فرصة حقيقية لقيادة حكومة ولاية، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ ألمانيا بعد الحرب.

وقد تصبح الانتخابات لحظة فاصلة، تؤذن بنهاية «الجدار الناري» السياسي (Brandmauer) الذي أقامته الأحزاب الرئيسة في البلاد للحيلولة دون وصول اليمين المتطرف إلى السلطة.

أما حزب «البديل من أجل ألمانيا» في ساكسونيا-أنهالت، الذي يقوده أولريش زيغموند، رجل الأعمال الكاريزمي البالغ من العمر 35 عامًا، وصاحب واحدة من أكبر قواعد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي بين السياسيين على مستوى الولايات، فقد صنفته أجهزة الاستخبارات الداخلية في الولاية حزبًا متطرفًا. ومن المفارقات أن القواعد الدستورية التي صُممت لمنع أحزاب من هذا النوع من الوصول إلى السلطة قد تثبت أنها أداة أساسية في صعودها.

فعتبة الـ5% اللازمة لدخول البرلمانات الاتحادية وبرلمانات الولايات في ألمانيا، والتي تعود إلى تأسيس الجمهورية الاتحادية، وُضعت أصلًا لمنع التشرذم السياسي، في واحد من أهم الدروس المستخلصة من انهيار جمهورية فايمار.

غير أن هذه العتبة قد تؤدي الآن إلى إقصاء الاشتراكيين الديمقراطيين، والخضر، والليبراليين، وحزب «تحالف سارة فاغنكنيشت» اليساري القومي، إذ تدور نسب تأييدهم جميعًا حول هذا الحد الحاسم في ساكسونيا-أنهالت. وإذا أخفق عدد كافٍ منهم في تجاوزه، فقد يتمكن «البديل من أجل ألمانيا» من تحويل نحو خُمسي الأصوات إلى أغلبية مطلقة.

لكن حتى إذا نجحت هذه الأحزاب الصغيرة في دخول البرلمان، فقد لا يكون من الممكن منع تشكيل حكومة يقودها «البديل من أجل ألمانيا» في ساكسونيا-أنهالت إلا عبر حكومة أقلية، أو ائتلاف يفتقر إلى الانسجام الأيديولوجي يجمع بين «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» وحزب «اليسار» المناهض للرأسمالية.

ومن شأن ترتيب كهذا أن يغذي رواية اليمين المتطرف القائلة إن تحالفًا من قوى التيار السياسي السائد يتآمر لمنعه من الوصول إلى السلطة، كما أنه سيؤدي، على الأرجح، إلى حكومة لا يجمع أطرافها سوى معارضة خصم مشترك.

وقد تغذى صعود «البديل من أجل ألمانيا» على مزيج من المخاوف الواسعة بشأن الهجرة وما يرتبط بها من قضايا أمنية، وارتفاع تكاليف الطاقة، ورد الفعل العكسي تجاه قضايا ثقافية تقدمية يُنظر إليها على هذا النحو، من قضايا النوع الاجتماعي إلى اللغة. وفي ساكسونيا-أنهالت، لا يوارب برنامج الحزب في التعبير عن مواقفه.

فهو يحذر من «شيخوخة الشعب الألماني وانقراضه»، ويدعو إلى حظر علم قوس قزح في مباني المدارس، وفرض وقف مؤقت على التوسع في طاقة الرياح، وإنشاء دوريات تطوعية من المواطنين. ويكثر زيغموند من الحديث عن «إعادة الهجرة»، كما جعل إلغاء البث العام إحدى قضاياه الرئيسية. وهو يرى أن التعليم الإلزامي يمثل مشكلة، في حين يعتبر روسيا فلاديمير بوتين شريكًا محتملًا.

وقد لا تكون ساكسونيا-أنهالت سوى البداية. فمع تأييد يدور حاليًا حول 28%، أصبح «البديل من أجل ألمانيا» أقوى الأحزاب في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. كما ترتفع أعداد أعضائه بسرعة، ويقول ما يقرب من نصف الألمان الآن إنهم لا يخشون الحزب. وبعد أسبوعين فقط من التصويت في ساكسونيا-أنهالت، يُتوقع أن يتصدر «البديل من أجل ألمانيا» انتخابات ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، وأن يحقق نتيجة قوية في برلين.

وبالنسبة إلى الأحزاب الألمانية الرئيسية، فإن استبعاد ما يصل إلى ثلث الناخبين ليس حلًا قابلًا للاستمرار. لكن التهويل ليس حلًا أيضًا. فقد تصدرت مؤخرًا غلاف مجلة «دير شبيغل»، الأسبوعية الأكثر نفوذًا في ألمانيا، صورة لزيغموند على هيئة صورة جنائية، تحت عنوان: «أخطر رجل في ألمانيا». ويبدو أن زيغموند، الذي أسعده ذلك على ما يبدو، أخذ يوزع نسخًا موقعة من الغلاف، محولًا إياه إلى أداة دعائية في حملته الانتخابية.

وقبل نحو 400 عام، أظهرت تجربة نصفي كرة ماغديبورغ القوة الهائلة التي يمكن أن يولدها الفراغ. ويعمل «الجدار الناري» وفق مبدأ مشابه، إذ يسعى إلى احتواء قوة معارضة عبر إبقائها خارج الحكومة. لكن الإقصاء لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحكم الفعال، والفراغات سرعان ما تُملأ حين تُفتح الصمامات.

وينطبق الأمر نفسه على دول أوروبية أخرى. ففي فرنسا، توحدت الأحزاب الرئيسية للحيلولة دون تقدم اليمين المتطرف في الانتخابات التشريعية عام 2024، لكنها أخفقت في تشكيل حكومة مستقرة. وفي بلجيكا، لم ينجح «الطوق الصحي» السياسي في وقف نمو حزب «فلامس بيلانغ» القومي. أما في هولندا والسويد، فإن سنوات من نبذ اليمين المتطرف لم تمنع قاعدته الانتخابية من الاتساع.

إن ما تحتاج إليه الديمقراطية الليبرالية الآن ليس جدرانًا أشد صلابة في مواجهة المتمردين السياسيين، وإنما دولة تفي بوعودها الأساسية: سياسة للهجرة لا تتسم بقسوة استعراضية، ولا تقوم في الوقت نفسه على التمني؛ وسياسة للطاقة تدعم الإنتاج الصناعي بدلًا من تقويضه؛ وإصلاحات تولّد زخمًا اقتصاديًا بدل أن تخنقه بالقيود التنظيمية.

في عام 1654، أظهر نصفا كرة نحاسيان و30 حصانًا للأمراء المجتمعين في الإمبراطورية الرومانية المقدسة قوة الضغط الجوي. وفي هذا الشهر، قد تكشف ماغديبورغ مرة أخرى عن قوة الضغط الجوي. ولم يعد السؤال ما إذا كان الفراغ سيُملأ، وإنما ما إذا كان سيُملأ بالغضب والاستياء، أم بالكفاءة والاستجابة والنزاهة.