مسؤولية الكلمة في الفضاء الرقمي.. ضوابط تحكم النشر وتحديات تفرضها سرعة تداول المحتوى
أكد مختصون في القانون والإعلام والشؤون الدينية أن مسؤولية الفرد عن الكلمة في الفضاء الرقمي أصبحت أكثر اتساعًا مع سرعة تداول المحتوى وسهولة إعادة نشره، موضحين أن المستخدم لا يتحمل مسؤولية ما يكتبه فحسب، إذ تمتد مسؤوليته كذلك إلى ما ينقله أو يشاركه مع الآخرين متى ترتبت عليه آثار قانونية أو مجتمعية أو أخلاقية. وأشاروا في استطلاع أجرته "عُمان" إلى أن التعامل المسؤول مع المحتوى الرقمي يبدأ من التثبت من مصدره وصحته، والتمييز بين الرأي والواقعة، والنظر في أثر ما يُنشر قبل تداوله، خاصة مع تنامي المحتوى المضلل وسهولة وصوله إلى جمهور واسع خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي هذا السياق قالت فاطمة بنت خميس المقبالي، محامية استئناف: إن الأصل في إبداء الرأي والنقد في ذاته ليس جريمة، إلا أن المسؤولية الجزائية تقوم عندما يتجاوز المحتوى حدود التعبير المشروع ويدخل في نطاق فعل جرّمه القانون، مثل السب أو القذف أو الاعتداء على الخصوصية أو نشر الشائعات والمعلومات المضللة.
حدود المسؤولية
وبيّنت أن المادة (49) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات تجرّم استخدام موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي أو وسيلة تقنية المعلومات في سب الغير علنًا بطريقة تمس شرفه وكرامته أو تقلل من قدره أو تسيء إليه، أو قذفه علنًا بواقعة من شأنها أن تجعله محلًا للازدراء.
وأضافت: إن العقوبة المقررة لذلك هي السجن من ثلاثة أشهر إلى سنة، والغرامة من ألف إلى خمسة آلاف ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتضاعف العقوبة إذا وقع السب أو القذف على موظف عام بسبب وظيفته أو انتمائه إليها.
ولفتت إلى أن المادة (36) تحمي حرمة الحياة الخاصة والعائلية، وتشمل صور التجريم فيها نشر الأخبار أو الصور أو التسجيلات أو التعليقات أو البيانات والمعلومات، ولو كانت صحيحة وحقيقية، متى كان القصد من نشرها الإضرار بالشخص.
ونوهت إلى أن صحة المعلومة لا تعني بالضرورة أن نشرها مشروع، فقد تكون صحيحة ومع ذلك يشكل نشرها اعتداءً على الخصوصية إذا توافرت الشروط التي حددها القانون.
وأكدت المحامية فاطمة المقبالي أن المسؤولية قد تمتد إلى إعادة نشر محتوى لم ينشئه المستخدم بنفسه، موضحة أن القانون استخدم في عدد من نصوصه تعبير "إعادة نشر"، ولم يقصر التجريم على فعل النشر الأول.
وأشارت إلى أن المادة (20) تعاقب من يستخدم موقعًا إلكترونيًا أو نظامًا معلوماتيًا أو وسيلة تقنية المعلومات في إنتاج أو تهيئة أو تخزين أو بث أو إرسال أو نشر أو إعادة نشر محتوى ينطوي على الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة، وكذلك الشائعات أو المعلومات المضللة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وذكرت أن العقوبة الأصلية في هذه الحالات هي السجن من شهر إلى ثلاث سنوات، والغرامة من ألف إلى ثلاثة آلاف ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتشتد العقوبة في الحالات التي حددها النص. وبيّنت أن هناك فروقًا بين صور المحتوى المتداول، فالمعلومة الخاطئة أو المضللة ترتبط بعدم صحة المعلومات أو تضليلها، بينما تتمثل الشائعة في معلومة أو خبر يتم تداوله دون تحقق، وقد تتحول إلى فعل مجرّم متى انطبقت عليها الحالات التي حددها القانون.
وأضافت: إن السب يقوم على استخدام عبارات أو ألفاظ تمس شرف الشخص أو كرامته أو تقلل من قدره، في حين يقوم القذف على إسناد واقعة إلى شخص على نحو يجعله محلًا للازدراء، أما التشهير فقد يتحقق من خلال صور مختلفة من نشر المحتوى أو تعديله بقصد الإساءة. ونبهت إلى أن حذف المنشور بعد نشره لا يؤدي تلقائيًا إلى زوال المسؤولية الجزائية، إذ إن المحتوى قد يكون جرى تصويره أو حفظه أو إعادة نشره أو توثيقه قبل حذفه.
وحذرت من سلوكيات قد يعتقد بعض المستخدمين أنها عادية، مثل إعادة نشر منشور مسيء، أو مشاركة شائعة مع إضافة عبارات من قبيل "لست متأكدًا" أو "وصلني"، مؤكدة أن مثل هذه العبارات لا تعفي صاحبها تلقائيًا من المسؤولية متى توافرت عناصر الجريمة. وأضافت: أن نشر صور أو مقاطع خاصة بالآخرين، أو تعديل صورة أو فيديو بقصد الإساءة، أو استخدام ألفاظ مهينة في التعليقات، قد يضع المستخدم كذلك تحت طائلة المسؤولية بحسب طبيعة الفعل وظروفه.
ودعت إلى توجيه النقد إلى الفعل أو القرار بدل استهداف كرامة الأشخاص أو حياتهم الخاصة، والتأكد من صحة المعلومات، وعدم إسناد اتهامات أو أفعال مشينة إلى الآخرين دون أساس، مشيرة إلى أن الوقائع التي تستوجب الإبلاغ ينبغي إحالتها إلى الجهات المختصة بدل تداولها على المنصات بصورة قد تمس حقوق الآخرين.
ثقافة "الفورية"
من جانبها، قالت الدكتورة موزه بنت عبدالله الرواحي، أستاذ الصحافة والنشر الإلكتروني بقسم الإعلام في جامعة السلطان قابوس: إن سلوك المستخدم عند مشاركة المحتوى يتأثر بعوامل نفسية واجتماعية وتقنية عديدة، من بينها العاطفة والفضول والرغبة في التفاعل والانسجام مع القناعات السابقة.
وأوضحت أن المستخدم لا يتخذ قرار المشاركة دائمًا بناءً على مدى صحة المعلومة، وإنما قد يكون اهتمامه منصبًا على مدى إثارتها أو أهميتها لمتابعيه أو قدرتها على جذب التفاعل.
وبيّنت أن كثافة المعلومات وسرعة تدفقها تدفع البعض إلى الاعتماد على مؤشرات سريعة للحكم على المصداقية، مثل شهرة الحساب أو عدد المشاركات أو وجود صورة أو مقطع فيديو، بدل العودة إلى المصدر الأصلي.
وأضافت: أن هذه البيئة أسهمت في ظهور ما يمكن وصفه بـ«ثقافة الفورية»، حيث ترتبط قيمة المحتوى في أحيان كثيرة بسرعة تداوله وقدرته على تحقيق التفاعل، في حين أن عملية التحقق تحتاج إلى وقت.
ولفتت إلى أن مؤشرات الإعجاب والمشاهدة والمشاركة تمنح المستخدم مكافأة اجتماعية فورية، وقد تدفعه إلى السعي لأن يكون أول من ينشر بدل أن يكون الأكثر دقة.
ونوهت إلى أن سهولة الضغط على زر إعادة النشر قد تجعل المستخدم يشعر بأنه مجرد ناقل للمحتوى وليس مسؤولًا عنه، إلا أن عملية إعادة النشر تمنح المحتوى جمهورًا جديدًا وقد تضيف إليه قدرًا من المصداقية أمام المتابعين.
وأشارت إلى أن المواد التي تستثير استجابة عاطفية قوية تعد من أكثر أنواع المحتوى قابلية للانتشار السريع، وخاصة الأخبار العاجلة والمعلومات المرتبطة بالأزمات والكوارث والصحة والشخصيات العامة والأحداث المثيرة للجدل.
وأضافت أن الصور ومقاطع الفيديو تزيد من درجة الخطورة، نظرا إلى ميل الجمهور إلى منح المحتوى المرئي قدرًا مرتفعًا من المصداقية، في وقت أوجد فيه تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي والتزييف العميق تحديات إضافية تتعلق بالتحقق من مصدر الصورة أو الفيديو وسياقه وتاريخ نشره. وبيّنت أن المحتوى المضلل لا يكون بالضرورة مزيفًا بالكامل، فقد ينتج التضليل عن نشر صورة قديمة باعتبارها حديثة، أو اقتطاع تصريح من سياقه، أو إضافة عنوان لا يعكس مضمون الخبر.
وأكدت الدكتور موزه الرواحي أن الاستخدام المسؤول للمنصات يتطلب الانتقال من مجرد معرفة استخدام التكنولوجيا إلى امتلاك وعي بالمعلومات، من خلال التوقف قبل المشاركة، وفحص المصدر الأصلي، ومقارنة الخبر بأكثر من مصدر موثوق، والتحقق من تاريخ الصور والفيديوهات وسياقها. كما نوهت بأهمية التمييز بين الخبر والرأي والإعلان والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، وفهم الكيفية التي تعمل بها الخوارزميات، مشيرة إلى أن ما يظهر بصورة متكررة أمام المستخدم ليس بالضرورة الأكثر صحة أو أهمية.
واقترحت قاعدة عملية قبل النشر تقوم على "توقف، اقرأ، تحقق، قارن، ثم شارك"، مؤكدة أن المهارة الرقمية الحقيقية تتمثل في القدرة على اتخاذ قرار واعٍ بشأن ما يستحق التصديق وما يستحق المشاركة.
أثر الكلمة
بدوره أوضح محمد بن خميس الشعيبي- رئيس قسم الشؤون الإسلامية بدائرة الوعظ والإرشاد بالمديرية العامة للأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة مسقط- أن مسؤولية الفرد عن الكلمة في الفضاء الرقمي لا تختلف في جوهرها عن مسؤوليته عما يقوله بلسانه.
وأشار إلى أن التطور التقني جعل المنصات الرقمية وسيلة واسعة الانتشار تنتقل من خلالها الكلمة إلى أعداد كبيرة من الناس، وهو ما يضاعف مسؤولية الفرد عن أثر ما يكتبه أو ينقله.
وبيّن أن الفضاء الرقمي بما يوفره من سهولة في التواصل والوصول إلى المعرفة يمثل مساحة يمكن توظيفها فيما ينفع الإنسان والمجتمع، غير أن إساءة استخدامه قد تجعل الكلمة سببًا للشقاق والاختلاف وإثارة الفتن.
وأضاف أن الشريعة الإسلامية أرست ضوابط واضحة في التعامل مع الكلمة، تقوم على استشعار المسؤولية والتأني في القول والنشر والنظر في مآلات الأفعال قبل الإقدام عليها.
ونوه بأهمية التثبت من صحة المعلومات قبل تداولها، وعدم نقل كل ما يصل إلى الفرد دون تحقق، حتى لا يتحول المستخدم إلى طرف في نشر الشائعات والأراجيف.
وأكد الشعيبي أن مستخدم الفضاء الرقمي مطالب بإدراك أثر الكلمة التي ينشرها، وما يمكن أن تتركه في الأفراد والمجتمع، لافتًا إلى أن كلمة واحدة قد تسهم في نشر الود والتآلف، بينما قد تقود أخرى إلى خلاف أو فتنة أو مساءلة.
وأشار إلى أن بناء الوعي الرقمي يبدأ من الأسرة، من خلال تنشئة الأبناء على الأخلاق والقيم العُمانية الأصيلة، وغرس الرقابة الذاتية لديهم، ومتابعة ما يكتبونه وينشرونه في المراحل العمرية التي قد يتأثرون فيها بالمحتوى المتداول عبر المنصات.
ودعا إلى تحصين الناشئة بالوعي الذي يمكّنهم من التعامل مع المؤثرات الخارجية والمحتوى الرقمي المتدفق، مؤكدًا أن حرية الكتابة والنشر تقترن بمسؤولية أخلاقية ومجتمعية وقانونية، وأن إعادة نشر الكلمة لا تعفي صاحبها من مسؤولية النظر في صحتها وأثرها قبل تداولها.
