ثقافة

مهرجان مسقط للسينما بالذكاء الاصطناعي يفتح للحكاية العمانية أبواب العالم

31 أغسطس 2026
31 أغسطس 2026
كتب - فيصل بن سعيد العلوي

برؤية تتجاوز صناعة الفيلم إلى بناء منظومة للإبداع - 

في مشروع ثقافي يسعى إلى بناء منصة تجمع صناعة الأفلام بالتقنيات الإبداعية الحديثة أُعلن اليوم في فندق ماندارين عن إطلاق مهرجان مسقط للسينما بالذكاء الاصطناعي (MAIFF) أمام المبدعين العمانيين والإقليميين والدوليين ليفتح مسارات جديدة لإنتاج القصص والوصول بها إلى جمهور عالمي مع وضع الإنسان والقصة في مركز التجربة، وجاء ذلك خلال المؤتمر الصحفي الرسمي الذي قدم رؤية المشروع الذي تستهدف حدوده تجاوز المنافسة إلى بناء منظومة للإبداع والمعرفة، وتطوير المهارات التي تستفيد من الذكاء الاصطناعي في توسيع إمكانات صناعة الأفلام، وتربط بين الهوية الثقافية العمانية والتقنيات الإبداعية المتسارعة.

وفي كلمة لها قالت فاطمة البلوشية رئيسة قسم تجربة الفعاليات في «إيتكو عمان»: إن الرحلة التي قادت إلى المهرجان ترتبط برؤية أوسع تقوم على التجربة والطموح والأثر، وأن الانتقال إلى مهرجان مسقط للسينما بالذكاء الاصطناعي يأتي في سياق توجه لبناء اقتصاد للتجربة يرتبط بالثقافة والإبداع، وأن المهرجان يمثل أحد المشاريع التي تستهدف إنشاء منصة مستدامة تتصل بصناعة المحتوى والمعرفة ومختبرات المبدعين والمحتوى الرقمي والأعمال والثقافة بما يعزز حضور مسقط في المشهد الإبداعي العالمي.

ويقدم المهرجان نفسه كمساحة يلتقي فيها الذكاء الاصطناعي بفن سرد القصص؛ حيث يفتح المشاركة أمام المبدعين العمانيين والطلبة والمبدعين من المنطقة والعالم إلى جانب العاملين في قطاع صناعة الأفلام والاستوديوهات مع التركيز على الانتقال من مجرد استخدام التقنية إلى استكشاف ما يمكن أن تتيحه للمبدع من إمكانات جديدة في الكتابة والتصوير والإنتاج.

مواعيد المهرجان

وتنطلق المشاركات في الخامس من سبتمبر الجاري، فيما يشهد شهر أكتوبر مختبرات للمبدعين وحلقات عمل متخصصة، على أن تعرض أفضل خمسة أفلام جماهيريا في نوفمبر عبر فوكس سينما، وصولا إلى الحفل الختامي للمهرجان في 19 يناير من العام المقبل.

ويستهدف المهرجان خلال عامه الأول تدريب أكثر من ألف عماني على صناعة الأفلام باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة مشاركة ما بين 40 و60 مؤسسة عمانية صغيرة ومتوسطة في قرية المهرجان، إلى جانب الوصول الإعلامي إلى أكثر من 10 ملايين شخص في أكثر من 30 دولة، وتحقيق أثر اقتصادي مباشر يتجاوز مائة ألف ريال عماني خلال العام الأول.

قيمة الجوائز

وتبلغ قيمة الجوائز الرئيسية 20 ألف ريال عماني ، منها 10 آلاف لأفضل فيلم بالذكاء الاصطناعي، و5 آلاف لأفضل إخراج فني، و5 آلاف لأفضل ابتكار تقني، إلى جانب أكثر من 13 جائزة إضافية تغطي مجالات الإبداع والسرد القصصي والتقنية والذكاء الاصطناعي والمواهب الإقليمية والناشئة وفئات المهرجان الخاصة.

وشهد المؤتمر الكشف الرسمي عن هوية المهرجان، التي تستند إلى رموز مرتبطة بالبيئة والهوية العمانية، من بينها الصقر والسلحفاة والمها العربي والجمل، في محاولة لربط فكرة المستقبل والاستدامة والقدرة على عبور المسافات بالمسار الذي يرسمه المهرجان بين السينما التقليدية ومستقبل صناعة الأفلام بالذكاء الاصطناعي.

ويحظى المهرجان بشراكة عدد من الجهات منها وزارة الإعلام كشريك إعلامي استراتيجي رسمي وعدد من المؤسسات في المجالات الإعلامية والتقنية والإنتاج والعروض والبرامج، بما يدعم بناء منظومة متكاملة تمتد من إنتاج المحتوى وتطوير المبدعين إلى توزيعه والوصول به إلى الجمهور.

جلسة حوارية

بعد ذلك أقيمت جلسة حوارية ناقشت التحولات التي تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي على صناعة الأفلام والمحتوى، من كلفة الإنتاج وسرعته إلى اتساع دائرة المبدعين ووصول القصص المحلية إلى جمهور عالمي، في حوار دار حول سؤال جوهري: ماذا يحدث للإبداع عندما تصبح أدوات صناعة الصورة متاحة للجميع؟ أدار الجلسة جمال العاصمي رئيس العلامة التجارية والإبداع في «مباشر»، وشارك فيها محفوظة البلوشية المستشارة الاستراتيجية للمهرجان، وهيثم البوصافي، ممثل XPAND وrmz.ai، وبيتر ساركيس مدير المبيعات في DMS والممثل الإعلامي لمنصة سناب شات في سلطنة عمان، وعلي الرئيسي الرئيس التنفيذي لـ«مباشر»، وشبيب المعمري المدير العام لـVisit Oman، وماجد العامري المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«ثواني».

وفي مستهل الحوار ارتبط الحديث بالسياق الذي تنطلق منه التجربة العمانية، وما تشهده سلطنة عمان من توسع في مشاريع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، إلى جانب ما توفره رؤية «عمان 2040» من دعم للتحول التقني وتكامل الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص، بما يهيئ البيئة المناسبة لظهور مبادرات تجمع التقنية بالإبداع وصناعة المحتوى، وأبرزت أن التحول الذي يحدثه الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بسرعة إنتاج الفيلم، وإنما بإعادة توزيع فرص صناعة المحتوى بعدما أصبحت الأدوات التي كانت تحتاج إلى موارد وفرق عمل وإمكانات إنتاجية كبيرة أقرب إلى متناول الأفراد بما يسمح للمبدع بتجريب عدد أكبر من الأفكار خلال وقت أقصر.

وفي هذا السياق طُرح الدور الذي يمكن أن تؤديه منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي في توسيع قدرة المبدعين؛ حيث جرى التأكيد على أن التكنولوجيا تمنح المبدع مساحة أكبر للتجريب، وتتيح له الانتقال بين أفكار متعددة بسرعة، فيما تظل الفكرة والرؤية الإبداعية والقدرة على رواية القصة مرتبطة بالإنسان.

وانتقل النقاش إلى السؤال المتعلق بزيادة حجم المحتوى مقابل زيادة قيمته مع الإشارة إلى أن سهولة إنتاج الأفلام قد تقود إلى وفرة كبيرة في المواد المرئية لكن القيمة الإبداعية لا يمكن اختزالها في قدرة الأداة على الإنتاج؛ إذ تظل مرتبطة بما يضيفه المبدع من رؤية وقصة وهوية.

وشدد النقاش كذلك على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفض كلفة الدخول إلى صناعة الأفلام؛ بحيث لا تصبح المعدات والإمكانات الإنتاجية العالية شرطا أوليا لخوض التجربة؛ إذ يمكن للهاتف والفكرة والصوت أن تشكل نقطة بداية لمشروع إبداعي قادر على الوصول إلى جمهور واسع.

وفي جانب آخر تناولت الجلسة قدرة المنصات الرقمية على نقل القصص المحلية إلى العالم، حيث أشار ممثل «سناب شات» إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي توفر للمحتوى المنتج في عمان والمنطقة إمكانية الوصول إلى جماهير واسعة مستفيدة من الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في دعم صناع المحتوى، وتحسين طريقة اكتشاف المواد وتقديمها للمستخدمين.

كما تطرق الحوار إلى استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المنصات الرقمية في مجالات مختلفة من تحسين التجربة للمستخدمين إلى تطوير أدوات تساعد المبدعين على إنتاج المحتوى بما يعكس تحول الذكاء الاصطناعي من أداة منفصلة إلى جزء متداخل مع دورة صناعة المحتوى وتوزيعه والوصول إليه، وفيما يتعلق بالمحتوى السياحي تناولت الجلسة التحول في سلوك الجمهور من البحث التقليدي عن المعلومات إلى البحث عن التجربة نفسها وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى قدرة المبدعين المحليين على تقديم صور وقصص أكثر قربا من المكان، وإيصالها إلى من يبحث عن تجربة سياحية مختلفة؛ حيث تم الإشارة إلى تجارب الاستفادة من المحتوى الذي ينتجه مصورون عمانيون مستقلون بما في ذلك تصوير المواقع الطبيعية، ثم إعادة استخدامه عبر المنصات للوصول إلى الجمهور، في نموذج يتيح للمصور الاستفادة من عمله ويمنح الجهة الناشرة محتوى أصيلا، ويسهم في الوقت نفسه في تقديم صورة أكثر اتساعا عن عمان.

ولم يغفل الحوار مسألة قيمة العمل الإبداعي في ظل انخفاض تكاليف الإنتاج؛ حيث طُرحت فكرة أن اقتصاد المحتوى قد يتجه بصورة أكبر إلى نموذج يعتمد على اتساع قاعدة الجمهور والوصول العالمي بدل ارتباط القيمة فقط بحجم الأموال التي تنفق على إنتاج العمل، مع الاستفادة من قدرة المنصات الرقمية على إيصال المحتوى إلى أعداد كبيرة من المستخدمين، كما فتح الحوار الباب أمام مشاركة شرائح أوسع في صناعة القصص بما في ذلك الأجيال الأكبر سنا، مع التأكيد على أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت أكثر بساطة، وأن المبدع لا يحتاج بالضرورة إلى معرفة تقنية متقدمة للبدء، إذ يمكنه استخدام صوته ولغته وأفكاره نقطة انطلاق للعمل.

وارتبط ذلك بفكرة أوسع حول المخزون القصصي العماني، إذ تناولت محفوظة البلوشية امتداد الحكاية العمانية إلى مناطق وتجارب تاريخية متعددة، من زنجبار والصين إلى قصص البحر والعلاقات الدولية معتبرة أن هذه الذاكرة تمنح المبدعين مادة واسعة يمكن تحويلها إلى أعمال تصل إلى جمهور الخليج وشمال إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

واختُتم البرنامج الرسمي للمؤتمر الصحفي بالإعلان عن الشركاء والمؤسسات المتعاونة مع مهرجان مسقط للسينما بالذكاء الاصطناعي، وتكريم الجهات الراعية والمشاركة في الحدث المؤمل إقامته في يناير من العام المقبل.

Image

فارس بن تركي: مع التكنولوجيا.. الإنسان يظل محور الإبداع - 

وفي كلمة له أكد صاحب السمو السيد الدكتور فارس بن تركي آل سعيد أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يفرض مسؤولية موازية على الإنسان في طريقة استخدامها وتوجيهها، مشددا على أن التكنولوجيا ينبغي أن تكون أداة في يد الإنسان لصناعة قيمة تمتد إلى الأجيال المقبلة لا قوة تتحكم في خياراته وإبداعه.

مشيرا إلى أن المخاوف المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على العمل والمجتمع والمبدعين أمر طبيعي، إلا أن النظر إلى تاريخ الإنسان في التعبير عن نفسه يكشف أن كل مرحلة تقنية جديدة أضافت وسيلة مختلفة لسرد القصص، فتاريخ الصورة والتعبير الإنساني، من الرسومات الأولى التي وثق بها الإنسان نفسه ومحيطه مرورا بالورق وأدوات الكتابة والتصوير وصولا إلى التقنيات الحديثة؛ حيث إن كل وسيلة جديدة كانت جزءا من مسيرة الإبداع الإنساني وقدرته على التعبير عن ذاته، و القوة الكبيرة التي تأتي مع التكنولوجيا تحمل معها مسؤولية كبيرة، فما يصنعه الإنسان بهذه الأدوات يجب أن يخدم الإنسانية ويضيف إليها قيمة يمكن أن تستفيد منها الأجيال القادمة.

وشدد سموه على ضرورة أن يبقى الإنسان هو من يقود التكنولوجيا، موضحا أن الذكاء الاصطناعي سيستمر في التطور وتغيير كثير من جوانب الحياة، وأن المطلوب هو توجيه هذا التطور نحو أثر إيجابي، مع استخدام الأدوات الجديدة بصورة مسؤولة.

وأشار إلى أن ما يميز التجربة التي تنطلق من مسقط هو ارتباطها بفكرة التواصل التي ظلت جزءا من تاريخ عمان وعلاقتها بالعالم، إلى جانب اهتمامها بالبيئة والإنسان والقصص، معتبرا أن هذه العناصر تمنح المشروع بعدا يتجاوز استخدام التقنية في صناعة الأفلام، وفي الوقت نفسه يؤكد أن تجربة الذكاء الاصطناعي لن تلغي الإنسانية أو توقف حضورها في صناعة الصورة، وإنما ستضيف أداة جديدة إلى مسيرة طويلة من تطور وسائل التعبير، فالإنسان سيظل حاضرا في صناعة القصص وأن ما يتغير هو الأدوات التي يستخدمها لروايتها.