No Image
عمان اليوم

تأخر المواعيد الطبية يزيد معاناة المرضى.. ومطالب بمعالجة المشكلة من جذورها

31 أغسطس 2026
31 أغسطس 2026

تحقيق - عهود الجيلاني

متى يصبح انتظار المواعيد في المستشفيات عبئًا يؤثر على صحة المريض، وهل يمكن أن تسهم قوائم الانتظار الطويلة في تأخر التشخيص والحد من فرص العلاج المبكر، خاصة في التخصصات الدقيقة، ولماذا يجد بعض المرضى أنفسهم مضطرين إلى البحث عن بدائل أخرى كالعلاج في القطاع الخاص رغم كلفته العالية، بحثًا عن موعد أسرع؟ .. أسئلة كثيرة يثيرها مرضى في تحقيق أجرته "عُمان"، وطالب فيه مواطنون بمعالجة المشكلة من جذورها، مشيرين إلى أن الحصول على مواعيد في بعض العيادات قد يستغرق أشهرًا، الأمر الذي يضاعف من المعاناة الصحية والنفسية للمرضى ويفرض عليهم أعباء إضافية، في المقابل تؤكد وزارة الصحة أن تطوير منظومة المواعيد والإحالات يمثل أولوية مستمرة، وأنها تعمل على تقليص فترات الانتظار ورفع كفاءة الخدمات من خلال مؤشرات أداء دقيقة ومبادرات نوعية ومشاريع جديدة..

قال سلمان بن حمد الفارسي، عضو المجلس البلدي بولاية مصيرة: نشيد بالجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الصحة والكوادر الطبية والإدارية في مختلف المؤسسات الصحية وما تحقق من تطور ملحوظ في الخدمات خلال السنوات الماضية ، مشيرا أنه في الوقت نفسه أي منظومة خدمية تحتاج إلى تقييم مستمر والاستماع إلى ملاحظات المستفيدين لضمان تطويرها.

وأوضح: تعاني عدد من الحالات المرضية بولاية مصيرة من وجود تفاوت بين المدة الظاهرة في نظام المواعيد وفترة الانتظار الفعلية إذ قد يظهر الموعد خلال فترة قصيرة، بينما ينتظر بعض المرضى من أسبوع إلى ثلاثة أشهر بحسب طبيعة التخصص والظروف التشغيلية.

خصوصية المناطق

وأضاف: أن هذا التأخير قد يزيد من معاناة المريض أو يؤخر الوصول إلى التشخيص والعلاج المناسب، خاصة في الأمراض التي تتطلب تدخلًا تخصصيًا سريعًا، لافتًا إلى أن سكان الولايات البعيدة والجزر، مثل ولاية مصيرة، يواجهون تحديات إضافية تتعلق بالتنقل والسفر وتكاليفه، وهو ما يستدعي مراعاة هذه خصوصية هذه المناطق عند إدارة المواعيد والإحالات.

وأشار إلى أن بعض طلبات الإحالة إلى المستشفيات المرجعية لا تعتمد، ويكون الرد في كثير من الأحيان أن الخدمة متوفرة في مستشفى صور المرجعي، مقترحًا وجود تغذية راجعة أكثر تفصيلًا حول أسباب القرار والخطة العلاجية البديلة التي ستساعد على طمأنة المريض وتعزيز ثقته بالمنظومة الصحية.

وأضاف: يضطر بعض المرضى إلى مراجعة أقسام الطوارئ في المستشفيات المرجعية ليتبين بعد تقييمهم أنهم بحاجة فعلًا إلى رعاية تخصصية، وهو ما يدعو إلى مراجعة بعض آليات الفرز والإحالة بما يحقق أفضل مصلحة للمريض.

وقال الفارسي: إن الملاحظات الواردة لا يمكن تعميمها، إلا أن بعضها يشير إلى أن التشخيص الأولي لم يكن دقيقًا بالقدر الكافي، ما أدى إلى تأخر اكتشاف الحالة أو الحاجة إلى تقييم إضافي في مستشفى آخر، ولهذا فإن الاستثمار في دعم الكوادر الطبية وتوفير أدوات التشخيص وتعزيز الاستشارات بين المستشفيات يعد خطوة مهمة لتحسين جودة الرعاية.

ملاحظات المواطنين

كما اقترح الفارسي دراسة إمكانية التحويل المباشر للحالات التي تستوفي المعايير الطبية الواضحة وتحتاج إلى تدخل تخصصي متقدم، بما يقلل الوقت ويحد من احتمالية تدهور الحالة الصحية، مع الالتزام بالبروتوكولات الطبية المعتمدة.

وأشار إلى أنه بحسب الملاحظات الواردة من المواطنين، فإن تخصصات المخ والأعصاب والروماتيزم وأحيانًا العظام، تُعد من أكثر التخصصات التي يواجه فيها المرضى فترات انتظار طويلة. كما أن الإجازات أو محدودية عدد العيادات قد تؤدي إلى زيادة الضغط على الجداول وتأخير بعض المواعيد، مقترحًا الاستعانة بأطباء زائرين بشكل دوري في التخصصات التي تشهد طلبًا مرتفعًا، وتمكين المستشفيات والمراكز الصحية القريبة من إجراء الفحوصات المخبرية والمتابعات التي لا تتطلب مراجعة مستشفى مرجعي، وإعطاء الأولوية في المواعيد وفقًا للحالة الصحية والبعد الجغرافي والظروف الاجتماعية للمريض، بالإضافة إلى دراسة تطبيق العيادات المتنقلة المتكاملة لخدمة المناطق البعيدة والجزر، ومراجعة مسارات الإحالة للحالات الطارئة بما يضمن وصول المريض إلى الجهة الأنسب في أسرع وقت ممكن، وتعزيز التواصل مع المرضى بشأن أسباب قبول أو رفض الإحالات بصورة أكثر شفافية.

وأكد الفارسي أن تطوير الخدمات الصحية مسؤولية مشتركة، والنقد البنّاء يهدف إلى التحسين وليس التقليل من الجهود المبذولة، قائلاً: "نحن نقدر عمل جميع الكوادر الصحية، ونسعى إلى نقل صوت المواطنين واقتراح الحلول التي تسهم في تقديم خدمة أكثر كفاءة وعدالة، خاصة في الولايات ذات الخصوصية الجغرافية مثل ولاية مصيرة. وأؤمن بأن الاستثمار في سرعة الوصول إلى الخدمة ودقة التشخيص، ومرونة الإحالات، سيعود بالنفع على المريض والمنظومة الصحية بأكملها".

الأطفال أولا

من جانبه، عبّر مالك الرواحي عن استيائه من تأخر المواعيد الطبية، خاصة في عيادات العيون والأسنان، قائلًا: "إنها معاناة حقيقية، خاصة على الأطفال، فقد اضطر إلى الانتظار عدة أشهر للحصول على موعد لفحص طفلي في عيادة العيون، ما دفعني إلى مراجعة القطاع الخاص لحاجة الطفل إلى تدخل سريع".

وأوضح: أجريت الفحوصات في القطاع الخاص حتى تبين إصابة طفلي بقصر نظر، إلا أنه في الوقت ذاته لم تكن بالمستوى المطلوب في الجودة، حيث لم تكتشف المشكلة الصحية الأخرى والتي جرى تشخيصها لاحقًا في المجمع الصحي في الموعد المتأخر، ما يضع الشخص أمام حيرة بين اللجوء إلى المستشفى الخاص أو انتظار الموعد، معبرًا عن أمله في إيجاد حلول عملية لتقليل هذه المدة، سواء بزيادة الكوادر أو تحسين آليات تنظيم المواعيد وإعطاء الأولوية للأطفال في العلاج، خاصة أمراض العيون والأسنان.

تجارب متفاوتة

وقالت سميرة بنت محمد الريامي: إن مدة انتظار المواعيد في مستشفى البريمي تعد معقولة بشكل عام، إلا أن المواعيد تختلف باختلاف الطبيب أو العيادة المحول إليها المريض.

وأضافت: من أسرع العيادات في منح المواعيد أو تعديلها من تجربتي هي عيادة الجراحة في مستشفى خولة، في حين تعد عيادة العيون في مستشفى النهضة من أكثر العيادات المزدحمة، سواء للحصول على الموعد أو أثناء انتظار الدخول إلى الطبيب، رغم الالتزام بالموعد المحدد.

تأخر الخطة العلاجية

أما أمل الريامي، التي تعالج في عيادة العظام بمستشفى البريمي، فقالت إنها حصلت على موعد بعد خمسة أشهر رغم تحويلها من عيادة الكلى بسبب آلام شديدة، مشيرة إلى أن حالتها لم تُقيّم من قبل الطبيب قبل موعد المراجعة.

وأضافت: المفترض أن تخضع الحالات المحولة من المراكز الصحية إلى المستشفيات لتقييم طبي أولي من الطبيب المختص لتحديد درجة الاستعجال ومن ثم تحديد موعد يتناسب مع الحالة الصحية، بدلًا من إعطاء جميع المرضى مواعيد موحدة قد تكون بعيدة.

ولفتت الريامي إلى نقطة مهمة في تأخر مواعيد الأشعة في بعض الحالات، تجعلها تأتي بعد موعد الطبيب، في حين يجب أن تسبق المراجعة حتى يتمكن الطبيب من تشخيص المرض وتحديد الخطة العلاجية، الأمر الذي قد يطيل من رحلة العلاج لعدة أشهر، مشيرة إلى أن تأخر الموعد يتسبب في تدهور الحالة الصحية ويزيد من المعاناة والقلق النفسي، وفي بعض الحالات قد يؤثر على سرعة بدء العلاج أو متابعة تطورات الحالة، خصوصًا عندما تكون الحالة الصحية حساسة وتحتاج إلى تدخل مبكر. مشيرة إلى أنها لم تحصل على معلومات واضحة حول أسباب التأخير أو المدة المتوقعة للانتظار.

وعن الحلول التي يمكن أن تسهم في تقليل فترات انتظار المواعيد الطبية، اقترحت زيادة عدد الكوادر الطبية في التخصصات التي تشهد ضغطًا، وتوفير عيادات إضافية، وإعطاء الأولوية للحالات التي لا تحتمل التأخير، إضافة إلى تحسين نظام المواعيد والتواصل مع المرضى بشكل واضح وشفاف حول أسباب التأخير والمدة المتوقعة للانتظار.

خطط وزارة الصحة

ونقلت الجريدة تساؤلاتها إلى وزارة الصحة حول تقييم مسار الإحالة الطبية من مراكز الرعاية الأولية إلى المستشفيات المرجعية في الوقت الحالي، حيث قالت الدكتورة بدرية بنت محسن الراشدي، المديرة العامة للخدمات الصحية والبرامج بوزارة الصحة، إن سلطنة عمان تمتلك نظامًا متينًا للرعاية الصحية الأولية، ونظام الإحالة من الرعاية الأولية للرعاية التخصصية فعال؛ إذ بلغ إجمالي الزيارات الجديدة في العيادات الخارجية في مؤسسات وزارة الصحة للعام 2025م أكثر من 16 مليون زيارة، وبلغت الزيارات لمؤسسات الرعاية الصحية الأولية أكثر من 70%، وبلغ إجمالي التحويلات إلى المستشفيات المرجعية قرابة 1,3 مليون تحويل بنسبة 8% تقريبًا، وهي نسبة مقبولة دوليًا ومعمول بها.

متابعة التحديات

وأضافت: تتبنى وزارة الصحة سياسات رفع كفاءة المواعيد الطبية وتقريبها وتقليل مدة الانتظار في العيادات؛ إذ اعتمدت لوحة مؤشرات لمعرفة مدة الانتظار يطلع عليها المراجعون مباشرة في العيادات الطبية المختلفة (الطوارئ- العيادات التخصصية- عيادات الرعاية الصحية الأولية وغيرها)، ويطلع عليها متخذو القرار بديوان عام الوزارة، ومديرو العموم بالمديريات الصحية بالمحافظات، والمديرون التنفيذيون في المستشفيات؛ وذلك لمتابعة الإشكالات وتذليلها وحلها إن وجدت، إذ انخفض متوسط انتظار المواعيد للحالات الجديدة في العيادات الخارجية إلى خمسة أسابيع بنهاية العام 2025م.

وأوضحت الراشدي أن تأخر المواعيد من التحديات التي تواجه معظم الأنظمة الصحية عالميًا، وذلك لزيادة الطلب ومحدودية الإمكانات في البنية التحتية (صالات الانتظار، العيادات، غرف العمليات، التجهيزات الطبية، المستلزمات الطبية، الأنظمة الرقمية وغيرها)، ولشح الموارد البشرية (سنوات الدراسة الطويلة في المجالات الطبية، والحاجة إلى سنوات خبرة طويلة للقيام بالمهام الإكلينيكية المعقدة كالعمليات ذات الخطورة العالية)، ومحدودية الموارد المالية، كذلك نظام الجودة والمتابعة والتقييم بعد الإجراء الإكلينيكي، يحتاج إلى وقت وجهد مقارنة بالخدمات غير الطبية.

وأشارت إلى أن تخصصات العيون والعظام والأنف والأذن والحنجرة والأسنان من أكثر التخصصات التي تشهد ضغطًا، إلا أن الوزارة أطلقت بعض المبادرات الناجحة من بينها مبادرة "إبصار" لإجراء عمليات العيون لألف مريض في المستشفيات الخاصة ممن هم في قوائم الانتظار، كما أطلقت مبادرة مشتركة مع القطاع الخاص لإجراء عمليات تغيير الركبة للمرضى من ذوي الدخل المحدود وممن ينتظرون عملياتهم، وتكرم مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في عامي 2025 و2026 بمشروع تقديم العمليات والخدمات التشخيصية لفئة مستحقي الزكاة، والتي تعمل حاليًا عليها وزارة الصحة بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ومؤسسة أثر الوقفية.

التوسع في الخدمات

وأكدت أن الوزارة تواصل التوسع في البنية الأساسية الصحية بزيادة أعداد مؤسساتها الصحية وزيادة الخدمات المقدمة بها، فقد افتتحت عددًا من المشاريع منها: مستشفيات السويق، والمزيونة، وخصب، ومحوت، وجار العمل حاليًا لافتتاح مستشفى سمائل وعدد من المراكز الصحية في عدد من الولايات بمحافظات سلطنة عمان المختلفة، وأنشأت الوزارة عددًا من صالات الطوارئ ووحدات غسيل الكلى بمختلف المحافظات. ويعد مشروع المركز الوطني لصحة المرأة والطفل، والمركز الوطني لطب وجراحة العيون، والمركز الوطني للتأهيل، ومشروع الجينوم العماني، من المشاريع الكبيرة الواعدة لتحقيق أعلى مستويات الرعاية الصحية.

وأشارت إلى تأثير إلغاء المواعيد أو عدم حضور المرضى على قوائم الانتظار، فقالت: نسبة عدم حضور المرضى للمواعيد تتراوح بين 25 و30% رغم إرسال رسائل تذكيرية للمريض قبل موعد العيادة أو العملية بثلاثة أيام، ويكتب بالإشعار رقم هاتف التواصل بالمؤسسة في حال عدم القدرة على حضور الموعد، ويتصل بعضهم لتغيير الموعد، بينما لا يقوم الآخرون.

العيادات المسائية

أما عن الخطوات العملية التي تقلل بها الوزارة مدة الانتظار، ذكرت الدكتورة بدرية الراشدي، أن الوزارة فتحت عددًا من العيادات التخصصية في وقت المساء، مثل عيادات الأسنان، كذلك سهلت إجراء بعض العمليات، خصوصًا عمليات اليوم الواحد التي نفذت في العديد من المستشفيات مثل مستشفى خولة.

وعن توجه الوزارة إلى توسيع نطاق العيادات الافتراضية أو الاستشارات عن بعد، أوضحت: أنشأت الوزارة المركز الوطني للصحة الافتراضية، وينفذ به حاليًا مشروع فحص قاع العين لمرضى السكري، وهو مشروع نوعي أسهم في تخفيض مدة انتظار عيادة العيون من ما يقارب العام إلى أسابيع قليلة، ويعمل المركز حاليًا على مشروع الاستشارات عن بعد المتوقع أن يبدأ في العام 2027م.

وعن خطط تعزيز التكامل بين الرعاية الأولية والثانوية لتقليل العبء على المستشفيات المرجعية، قالت: تركز "رؤية عمان 2040"على تعزيز التكاملية داخل الوحدة (الوزارة)، وكذلك التكاملية مع القطاعات الصحية الأخرى (المدينة الطبية للأجهزة العسكرية والأمنية، والمدينة الطبية الجامعية، والقطاع الخاص)، وتوجد سبع برامج إستراتيجية في هذا المجال للعمل بها في الخطة الخمسية الحادية عشرة 2026-2030.

Image