الاقتصادية

الاقتصاد الأزرق.. كيف تسهم البحار العمانية في دعم التنمية المستدامة؟

31 أغسطس 2026
31 أغسطس 2026

تمتد سواحل سلطنة عُمان على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، مما يمنح الاقتصاد العُماني مقومات تتجاوز الاستفادة التقليدية من الثروة السمكية إلى منظومة أوسع تشمل الموانئ والخدمات البحرية واللوجستيات والسياحة والاستزراع السمكي والصناعات المرتبطة بالبحر. ومع تنامي أهمية موقع سلطنة عُمان في حركة التجارة والملاحة الدولية، تتسع الفرص أمام القطاع البحري ليكون أحد محركات التنويع الاقتصادي ورافدًا للنمو المستدام.

وتسعى سلطنة عُمان لتوسيع الاستفادة الاقتصادية من الموارد البحرية وتطوير القطاع، حيث أطلقت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات "بوابة عُمان البحرية" كنافذة رقمية موحدة للخدمات البحرية والموانئ، بما يعزز كفاءة الإجراءات ويدعم التحول الرقمي، حيث تعمل البوابة على تقديم أكثر من 90 خدمة رقمية متكاملة.

وأكد خبراء ومختصون في القطاع البحري، في استطلاع صحفي أجرته "عُمان"، أن الاستفادة من الإمكانات البحرية تتطلب بناء منظومة متكاملة تجمع بين الثروة السمكية والاستزراع السمكي والسياحة البحرية والموانئ والخدمات والصناعات البحرية واللوجستيات، بما يسهم في تعزيز التنويع الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة الصادرات.

Image

بوابة عُمان البحرية

وقال أيمن بن راشد بن سالم المعمري، مدير التشريعات البحرية بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إن الوزارة دشنت خلال العام الجاري بوابة عُمان البحرية كنافذة إلكترونية موحدة تُقدم أكثر من 90 خدمة تشمل الشؤون البحرية والموانئ.

وأوضح المعمري أن المنصة تهدف إلى تسريع الإجراءات، وتحسين تجربة المستفيدين، والحد من المعاملات الورقية واليدوية، كما زُوّدت بلوحة مؤشرات متكاملة تتيح متابعة أداء النظام بشكل لحظي، مما يُسهم في تعزيز الرقابة، ورفع كفاءة العمليات، وإدارتها بسلاسة ووضوح، تجسيدًا لتوجه وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات نحو التحول الرقمي.

ولفت المعمري إلى أن المنصة تقدم عددًا من الخدمات تشمل تسجيل السفن والوحدات البحرية، وتقديم خدمات شؤون البحارة، وتراخيص الأرصفة والمرافئ وعقود الامتياز، وشهادات السفن وتراخيص الأنشطة، وخدمات أمن الموانئ، وخدمات الملاحة البحرية.

وأشار إلى أن الوزارة أضافت 21 خدمة إلكترونية جديدة إلى حزمة المرحلة الأولى التي شملت 13 خدمة، ليرتفع بذلك إجمالي الخدمات المتاحة للمستفيدين إلى 34 خدمة رقمية متكاملة، مشيرًا إلى أنه تم ربط "بوابة عُمان البحرية" بـ"البوابة الموحدة للخدمات الحكومية"، حيث تهدف هذه الخطوة إلى تسهيل رحلة المستفيد عبر تمكينه من الوصول إلى كافة الخدمات وإنجاز معاملاته من نافذة رقمية واحدة، إذ تتكامل المنصة مع عدد من الجهات، من أبرزها شرطة عُمان السلطانية، ومنصة عُمان للأعمال، وعدد من الوزارات والهيئات الحكومية، إضافة إلى القطاع الخاص.

السفن العابرة

وبيّن المعمري أنه تأكيدًا للمكانة الاستراتيجية لسلطنة عُمان كمركز لوجستي عالمي، يشرف على أبرز الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية، فإنه يتيح "قطاع خدمات السفن العابرة" آفاقًا استثمارية واسعة، إذ تتعدد هذه الفرص لتغطي مختلف احتياجات السفن وطواقمها خلال فترات العبور أو التوقف المؤقت.

وأوضح أن الفرص الاستثمارية المتاحة لرواد الأعمال والشركات المحلية والعالمية تتنوع لتشمل مختلف المتطلبات الفنية واللوجستية للسفن، ومن أبرزها التموين والتزويد البحري، من خلال توفير المواد الغذائية والاستهلاكية، والمستلزمات الطبية، وأدوات السلامة، بما يضمن استمرارية رحلات السفن بكفاءة.

وتشمل الفرص كذلك إدارة قطع الغيار والخدمات اللوجستية، عبر إنشاء مستودعات متطورة وقريبة من الموانئ لتخزين قطع غيار السفن وشحنها بسرعة عند الطلب.

كما تبرز الصيانة والخدمات الفنية والهندسية من خلال تقديم خدمات الإصلاح السريع للأعطال المفاجئة أو الصيانة الدورية للمحركات والأنظمة الكهربائية والهياكل، إضافة إلى صيانة الأنظمة الإلكترونية وأنظمة الملاحة بدقة عالية.

وفي الجانب البيئي، تتضمن الفرص الخدمات البيئية للهياكل، من خلال توفير تقنيات تنظيف هياكل السفن وإزالة العوالق البحرية، بما يسهم في تعزيز كفاءة الإبحار وخفض استهلاك الوقود.

وأشار إلى أن إدارة تبديل الأطقم البحرية تمثل كذلك أحد المجالات الاستثمارية، من خلال تسهيل عمليات نزول وصعود البحارة، بما يشمل تأمين تأشيرات الدخول، والنقل البري والبحري عبر قوارب الخدمة السريعة، والإقامة الفندقية المؤقتة، وحجوزات الطيران.

Image

رافد اقتصادي

وفي سياق متصل، قال المهندس عيسى بن حمد بن نصير الكيومي، مدير التدقيق الداخلي وضمان الجودة في الشركة العربية للخدمات البحرية والمساعدات الملاحية، إن الفرص الاستثمارية في القطاع البحري، فيما يتعلق بالشركة العربية للخدمات البحرية والمساعدات الملاحية، تتمثل في أن الكوادر العاملة في الشركة عُمانية بنسبة 100%، إلى جانب إدارة مجموعة من المنارات الرئيسية، التي تستخدم كمواقع سياحية في سلطنة عُمان، ومن أبرزها منارة رأس الحد.

وأوضح الكيومي أن هناك فرص عمل واعدة في القطاع البحري، مشيرًا إلى أن القطاع يستقطب سنويًا أعدادًا كبيرة من الكوادر العُمانية، حيث إن القطاع كان سابقًا به محدودية في عدد الكليات والجامعات المتخصصة، إلا أنه بعد إنشاء كلية عُمان البحرية أصبح للكادر العُماني دور بارز وحضور في مجال السلامة البحرية والمجال البحري بشكل عام.

وأوضح الكيومي أن التوترات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة أسهمت في زيادة الفرص الاقتصادية في القطاع البحري، كون موقع سلطنة عُمان خارج مضيق هرمز، مما أسهم في زيادة عدد السفن القادمة إلى موانئ سلطنة عُمان، موضحًا أن الموانئ العُمانية مؤهلة ومهيأة لاستقطاب السفن ذات الغاطس الكبير، حيث إن نسبة الزيادة في أعداد السفن الواردة في ظل هذه الأوضاع بلغت 80%، وهو ما يمثل دخلًا كبيرًا ورافدًا اقتصاديًا لميزانية الدولة.

Image

السياحة والاستزراع السمكي

من جهتها، أوضحت رائدة الأعمال المهندسة عائشة الريسية، مؤسسة شركة الريسية للمعاينة البحرية والهندسية والتجارة، أن السياحة البحرية لا تخلق وظائف للبحارة فقط، وإنما تفتح سلسلة واسعة من فرص العمل، تشمل قادة القوارب والمرشدين السياحيين، والغواصين والمدربين، وموظفي المراسي واليخوت، إلى جانب الصيانة والإصلاح البحري، والفنادق والمطاعم، والنقل والسياحة، وتنظيم الرحلات والفعاليات البحرية، والتسويق والحجز والخدمات الرقمية.

وأوضحت الريسية أن المراسي السياحية يمكن أن تتحول إلى مراكز اقتصادية متكاملة، وليس مجرد أماكن لوقوف اليخوت، مشيرة إلى أن مشروع قريات المقترح يمثل مثالًا واضحًا على هذا النموذج.

وفيما يتعلق بالاستزراع السمكي، أشارت الريسية إلى أنه يخلق وظائف مباشرة في المزارع، إضافة إلى وظائف غير مباشرة في مجالات الأعلاف والمعدات والنقل والمختبرات والتعبئة والتغليف والتبريد والتصنيع الغذائي والتسويق والتصدير.

وأكدت الريسية أن أهمية الاستزراع السمكي تكمن في أن كل مشروع ناجح يمكن أن يؤدي إلى إنشاء مجموعة من الأنشطة الاقتصادية المحيطة به، ومن أبرزها إنشاء مزارع للأسماك والروبيان والأحياء البحرية، مع التركيز على الإنتاج التجاري والتصدير.

وتابعت: كما تشمل الفرص تصنيع وتجهيز المنتجات البحرية، من خلال إنشاء مصانع للتجميد والتعليب والتغليف وإنتاج الأغذية البحرية ذات القيمة المضافة، بدلًا من تصدير الأسماك كمادة خام.

وأكدت الريسية أنه يمكن لسلطنة عُمان أن تجعل البحر محركًا للتنويع الاقتصادي من خلال بناء منظومة متكاملة تجمع بين الثروة السمكية، والاستزراع السمكي، والسياحة البحرية، والموانئ، والخدمات البحرية، والصناعات البحرية واللوجستيات، مشيرة إلى أن هذه المنظومة تسهم في زيادة الناتج المحلي، وخلق وظائف نوعية، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة الصادرات.

وقالت الريسية: "من وجهة نظري، من أكثر المجالات التي تستحق الدراسة حاليًا الخدمات البحرية المتخصصة، والسياحة البحرية، والاستزراع السمكي، وتصنيع المنتجات والمعدات البحرية، لأنها يمكن أن تتكامل معًا بدلًا من أن تعمل كقطاعات منفصلة".