«أولادنا» نافذة أولى على الأدب!
(1)
أعكف منذ سنوات طويلة على مشروع طموح لتوثيق نشاطنا الثقافي والإبداعي والأدبي والفني الحديث والمعاصر (منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين)، وأقصد هنا ما أمكنني الوصول إليه من نوادر الإصدارات والكتب والسلاسل؛ ومن نشاط الجمعيات العلمية ولجان النشر الأهلية التي برزت ونشطت نشاطا كبيرا في النصف الأول من القرن العشرين.
وقد نتج عن هذه الحركة المزدهرة آلاف العناوين والكتب والإصدارات القيمة دون مبالغة؛ كانت هناك رغبة محمومة وفي مسارين متوازيين معا للبحث عن النهوض وقيم التحضر والتمدن واللحاق بركب الأمم المتقدمة؛ هذان المساران يمكن أن نلخصهما فيما يلي:
أولا: حركة نشطة في اكتشاف واستعادة تراثنا القديم (العربي والإسلامي) بالبحث عن مخطوطاته ومصادره الأصلية أولا، وتحقيقها وإخراجها في طبعات دقيقة مستوفية لشرائط التحقيق وإخراج النصوص، وثانيا بروز حركة علمية نشطة لإعادة تقويم هذا التراث ودرسه وفحصه واستعادة قيمه الإنسانية والحضارية الكبرى.
ثانيا: المسار الثاني؛ الموازي، حركة نشطة محمومة في التعرف على ثقافة الغرب وتقدمه العلمي والمعرفي؛ بإجادة اللغات الأجنبية، وإرسال البعثات، ونشاط حركة الترجمة.
كان حاصل ضرب هذين المسارين عظيما وهائلا ومعجزا، وقد شهدت الفترة من الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين، حصادا هائلا من الكتاب والسلاسل والإنتاج الرائع الأصيل، نستعيده الآن ونسعد باستعادته ونكتشف قيمته وأصالته على كل المستويات: من أول اختيار الموضوعات، والعمل على تحريرها وتبسيطها ومراعاة الفئة العمرية الموجه لها هذا الكتاب أو ذاك، الإخراج الفني والراحة البصرية والبهجة الفنية، والرسومات والغلاف.. إلخ تلك العناصر التي ميزت كتب وإنتاجات هذه الفترة وأعطتها أو وسمتها بطابعها الخاص، ومنحتها هوية نستطيع أن نقدم لها تاريخا أو ما يشبه التاريخ بعد أن راكمت أعدادا متصلة أو كتبا في إطار سلسلة ما، لها ضوابط تحريرية صارمة، ولها سياسة تنفيذية التزمت بها طوال سنوات إخراجها أو إصدارها لهذه السلسلة أو تلك.
(2)
من بين أبرز سلاسل الكتب الموجهة للناشئة واليافعين في أربعينيات القرن الماضي، وظلت السلسلة الجماهيرية الأولى الموجهة لهذه الشريحة العمرية (من سن 10 سنوات وحتى 16: 18 سنة) طوال نصف القرن التالية تقريبا، وهي سلسلة «أولادنا» الشهيرة التي كانت تصدر عن دار المعارف المصرية، وقت أن كانت الدار الأولى المتربعة على عرش النشر العربي بغزارة إنتاجها، وجودة أعمالها، وأناقة إخراجها، فضلا على ارتباطها بأعظم وأشهر الأعلام في مصر والعالم العربي خلال العقود الأربعة التي توسطت القرن العشرين (1930-1970).
جاء في ديباجة تعريف محررها ما يلي "سلسلة أولادنا" : "مجموعة من القصص الحية الرشيقة المفيدة تغذي روح الطالب وتجلو له في جميع مراحل النمو عناصر المتعة والثقافة وسمو النفس. المجموعة التي تحبِّب الكتاب الصالح إلى الطالب فيقبل عليه صغيرا ويتعلق به كبيرا ويكون له نعم الزاد في سفرة الحياة. بإشراف الأستاذ محمد فريد أبو حديد بِكْ، صدر منها:
«عمرون شاه»، «مملكة السحر»، «كريم الدين البغدادي»، «آلة الزمان»، «الأمير والفقيرة»، «كتاب الأدغال»، «بينوكيو»، «نبوءة المنجم»، «روبن هود» ...»، وكانت النسخة تباع آنذاك -وقت نشر هذا الإعلان- باثني عشر قرشًا؛ وهو مبلغ ليس قليلا بمقاييس ذلك الوقت على أية حال!
يشرف على السلسلة الرائد النهضوي والتربوي المعروف محمد فريد أبو حديد أحد أبرز رجالات النهضة الفكرية والثقافية؛ كان من كبار رجال التربية والتعليم في مصر، وكان عضوا بارزا في لجنة التأليف والترجمة والنشر (1914-1954) التي لعبت أجل الأدوار وأرقاها في نشر الثقافة العربية والإسلامية، تأليفا وترجمة.
أما محرر السلسلة، وأحد أبرز مؤلفيها أو منتجي نصوصها، فقد كان الشاعر السوري الكبير عادل الغضبان (1908-1972)، وهو أحد كبار المثقفين والشعراء العرب في القرن العشرين، تولى مسؤولية الإشراف التحريري على مطبوعات دار المعارف في فترة ازدهارها وتألقها (1941-1971)، وكان السبب الرئيسي فيما وصلت إليه من رفعة وسمو وتفوق. كما كان الغضبان رئيس تحرير مجلة (الكتاب) التي صدرت خلال الفترة (1945-1953) وكانت تمثل واحدة من جوقة المجلات الثقافية النهضوية الكبرى التي زينت القرن العشرين: مجلة (الرسالة) لصاحبها أحمد حسن الزيات، ومجلة (الثقافة) لصاحبها أحمد أمين، ومجلة (الكتاب) لرئيس تحريرها عادل الغضبان.
(3)
منذ الأعداد الأولى للسلسلة؛ حازت رواجا وانتشارا ونجاحا ساحقا، تؤكده أرقام توزيع تلك الفترة والأعداد المطبوعة منها في مصر وخارجها، وخلال عشر سنوات تقريبا أصبحت تتربع على عرش السلاسل الموجهة لليافعين وتبسط لهم الأعمال الأدبية الكبرى في التراث الإنساني والتراث العربي، ومن الرواية الحديثة، بلغة عربية رصينة، مضبوطة بالشكل، مزينة بالرسوم، فضلا على القدرة الأسلوبية الجمالية التي استطاعت أن تجذب آلاف القراء في كل مكان من العالم العربي.
لدينا في هذا الإطار شهادة دالة وشديدة الأهمية على أثر وقيمة هذه السلسلة "التأسيسية" الفريدة في تاريخنا الثقافي العربي، للكاتبة صافي ناز كاظم (ابنة أخت الكاتب والأديب النهضوي الكبير محمد فريد أبو حديد)، تقول صافي ناز كاظم في هذه الشهادة: "... أما صعودي الثقافي الأمتع، فقد بدأ بعد قراءتي روايتي «عمرون شاه» و«كريم الدين البغدادي» للروائي الكبير الرائد والتربوي محمد فريد أبو حديد (1/7/1893- 18/5/1967)، وهما أول روايتين مؤلفتين باللغة العربية للأطفال صدرتا ضمن سلسلة «أولادنا» عن دار المعارف المصرية، قرأتهما وعمري بين العاشرة والثانية عشرة في طبعتهما الأولى 1947 و1949، ذات الورق الخشن السميك واللوحات البديعة للرسام «ديك»، التي رسمها خصيصًا لدار المعارف المصرية، والتنسيق الجذاب.
واعتقدت وقتها أنني لن أجد في الحياة أمتع منهما؛ اللغة العربية الفصيحة السلسة، مغزولة بالأسلوب الشيق الذي يمزج الرقي بالبساطة، ويسهب في وصف الطبيعة الخلابة من شجر وماء وجبال وبشر ومخلوقات طيبة وأخرى غير ذلك، يصورها المؤلف بالكلمات ويرسمها الرسام بإتقان يتحدى خيالاتنا حتى إننا لا نعود نذكر القصة منفصلة عن لوحاتها، فعمرون شاه هو عمرون شاه كما رسمه «ديك» ولا نقبل له بتصور آخر، وكريم الدين البغدادي هو الذي رأيناه في الكتاب، والمركب والبحر والشجر والطائر الخرافي العملاق والحصى والساحر والمسحورين".
(4)
وفي الشهادة ذاتها (مقال لها منشور في جريدة "الشرق الأوسط" بعنوان طفولتي الثقافية" في 2010)؛ تضيف كاظم:
"أحيانًا، بعد مرحلة الطفولة، كنت أقابل في الحياة بشرًا فأقول في نفسي: هذا يشبه الساحر الشرير في قصة «عمرون شاه»، وهذه تشبه الرقيقة الجميلة «ميروت» في قصة «كريم الدين البغدادي»، وتلك تشبه زوجة والد سندريلا القاسية، وأخرى تشبه واحدة من ابنتيها الأنانيتين، كما رسمهما الرسام في قصص كتاب «مملكة السحر». فكنت أرى في الواقع ما يشبه الفن، وكان الفن هو ما أستدل به لفهم الواقع؛ إلى هذا الحد كان عمق تأثري بالأدب والفن الذي صاغه، بعناية ورعاية ووعي وحدب وحب وحنان، أدباء وفنانون تربويون مخلصون من أجل الأطفال في طفولتي".
ولم تكن هذه الشهادة الوحيدة التي عثرت عليها أثناء بحثي عن تاريخ هذه السلسلة العظيمة، وأثرها الكبير والعميق فيما لا يقل عن خمسة أو ستة أجيال على الأقل، برز منها كتّاب كبار وأسماء معروفة في مجالات الأدب والرواية والنقد.. إلخ.
لنستعرض شهادة أخرى عثرت عليها أثناء جمعي لحوارات الأديب الراحل جمال الغيطاني صاحب رواية «الزيني بركات»؛ وهو من أشهر كتاب وأدباء جيل الستينيات (الجيل الأدبي الأشهر في نصف القرن الأخير). يقول جمال الغيطاني: "... ثم عرفت القراءة من خلال مصدرين، مكتبة المدرسة التي تعلمت فيها، الجمالية الابتدائية، وأذكر أنني قرأت مجلات، مجلة «سندباد» كاملة التي كان يصدرها محمد سعيد العريان بأسلوبٍ عربي رصين. كما قرأت سلسلة «أولادنا» وأذكر مما قرأته فيها قصة «بينكيو»، و«جحا في جانبولاد»، وغيرهما"..
(وللحديث بقية..)
