الرياضية

من اكتشاف المواهب إلى منصات التتويج العالمية.. ألعاب القوى العُمانية ترسم طريقها نحو أولمبياد 2032

28 أغسطس 2026
28 أغسطس 2026
مراكز إعداد الرياضيين.. مشروع وطني لصناعة أبطال عُمان

يواصل الاتحاد العُماني لألعاب القوى تنفيذ مشروع مراكز إعداد الرياضيين، بوصفه أحد أبرز مشروعاته الاستراتيجية الرامية إلى بناء قاعدة وطنية واسعة من المواهب، وتهيئة أجيال قادرة على تمثيل سلطنة عُمان ورفع علمها في المحافل الإقليمية والقارية والدولية، حيث لم تعد صناعة البطل الرياضي رهينة الصدفة أو نتاج استعدادات موسمية تسبق البطولات، بل أصبحت مسارًا طويل الأمد يقوم على الاكتشاف المبكر، والتأهيل العلمي، والمتابعة الفنية المتواصلة.

ويستند المشروع إلى شبكة تضم خمسة مراكز رئيسة وستة مراكز فرعية موزعة على عدد من محافظات سلطنة عُمان، بما يعزز العدالة الجغرافية في اكتشاف المواهب، ويوفر فرصًا متكافئة للشباب والفتيات، بعيدًا عن التركّز في محافظة مسقط، كما يعتمد على منظومة علمية متكاملة تشمل الاختبارات البدنية والفنية، والتدرج المنهجي بين الفئات العمرية، وتأهيل المدربين الوطنيين، والاستفادة من الخبرات التدريبية الدولية، إلى جانب التعاون مع المدارس والأندية الرياضية لرفد المنتخبات الوطنية بأفضل العناصر الواعدة.

مشروع وطني متكامل

وفي هذا الحوار، يسلط العميد المتقاعد سعيد بن محمد الحجري، رئيس مجلس إدارة الاتحاد العُماني لألعاب القوى، الضوء على رؤية المشروع وأهدافه، وآليات اكتشاف المواهب وصقلها، ودور المدربين والأسرة والمؤسسات الوطنية في إنجاحه، إلى جانب أبرز التحديات والخطط المستقبلية المرتبطة بأولمبياد بريزبن 2032 ومستهدفات الميداليات لعام 2036، كما يؤكد أن مراكز الإعداد ليست مجرد مواقع للتدريب، وإنما مشروع وطني متكامل لصناعة الأبطال، وترسيخ ثقافة الإنجاز، وبناء مستقبل مستدام لألعاب القوى العُمانية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040».

وتابع: عندما أطلقنا مشروع مراكز إعداد الرياضيين في الاتحاد العُماني لألعاب القوى، كنا ننطلق من قناعة راسخة، وهي أن «البطل لا يُصنع في لحظة، بل يُبنى عبر سنوات من الإعداد الممنهج»، ولطالما كان اكتشاف المواهب في سلطنة عُمان يعتمد على الصدفة أو على مسابقات موسمية محدودة، وهذا نمط لم يعد يليق بطموحاتنا كاتحاد يريد أن يرى العلم العُماني يُرفع على منصات التتويج العالمية.

وتتلخص رؤيتنا الاستراتيجية، بسيطةً في جوهرها وعميقةً في أثرها، وهي أن ننتقل من «الاستجابة الموسمية» -أي تجميع الرياضيين قبل أسابيع من البطولة- إلى الإعداد التراكمي طويل المدى، عبر شبكة من خمسة مراكز رئيسة وستة مراكز فرعية تمتد لتغطي محافظات سلطنة عُمان، بحيث لا تبقى الفرصة حكرًا على العاصمة، بل تصل إلى كل شاب وشابة يملكان الاستعداد والشغف، أينما كانا.

وقال الحجري: أما الأهداف التي نسعى إليها، فتتلخص في خمس نقاط جوهرية، وهي توسيع قاعدة الاكتشاف لتشمل جميع الولايات، وتوحيد المعايير الفنية بين المحافظات، وبناء تدرج عمري مؤسسي واضح بين فئات الناشئين والشباب والمتقدمين، والاستفادة من الخبرات التدريبية الأجنبية من كينيا ونيجيريا ضمن خطة توطين تدريجي، وأخيرًا ترسيخ الاستدامة المؤسسية بحيث لا يرتبط عمل هذه المراكز بأشخاص أو مبادرات مؤقتة. وأؤكد أن هذه المراكز ليست مشروعًا هامشيًا، بل هي العمود الفقري لكل ما نطمح إليه، فأي حديث عن ميداليات آسيوية أو عالمية أو أولمبية يبقى بلا أساس ما لم تكن هناك قاعدة تغذية مستمرة. نحن نبني اليوم على مسار زمني واضح يمتد نحو أولمبياد بريزبن 2032 ومستهدفاتنا في الميداليات لعام 2036، وهذا يتطلب دورة إعداد تمتد بين ثماني واثنتي عشرة سنة، وينسجم هذا المشروع تمامًا مع رؤية «عُمان 2040»، فهو استثمار مباشر في الإنسان العُماني، ويحقق التوازن التنموي بين المحافظات، ويسهم في صناعة هوية وطنية رياضية تُعرّف بعُمان في المحافل الدولية.

ترسيخ ثقافة الإنجاز واستدامة التفوق

رئيس مجلس إدارة الاتحاد العُماني لألعاب القوى، تحدث حول ترسيخ ثقافة الإنجاز بقوله: نحن في مجلس إدارة الاتحاد لا نريد أن نُقاس بنتيجة بطولة واحدة أو ببريق جيل واحد من الأبطال، بل نريد أن نبني ثقافة إنجاز تنتقل من جيل إلى جيل، ومراكز إعداد الرياضيين هي أداتنا الأساسية لتحقيق ذلك، لأنها تتعامل مع الرياضي منذ الفئات السنية المبكرة، حين تكون القيم والعادات التدريبية في طور التشكّل، لا حين تكون قد ترسّخت بالفعل، ومن خلال هذه المراكز، نغرس في الناشئ منذ يومه الأول مبدأ أن الإنجاز نتيجة عمل يومي متراكم، لا لحظة حظ عابرة، ونضمن استدامة التفوق الوطني عبر تصميم مؤسسي، لا عبر الاعتماد على أفراد، فحين يعتزل بطل، تكون هناك دفعة كاملة خلفه أُعدّت بنفس المعايير وتسير في المسار ذاته، ورسالتي للأسر والمجتمع، هي أن احتضان الموهبة الرياضية في سنواتها الأولى ليس ترفًا، بل استثمار حقيقي في مستقبل الابن أو الابنة، بدنيًا وسلوكيًا وأكاديميًا. نحن نطلب من الأسرة الثقة والصبر، فطريق البطولة طويل، وثماره لا تُقطف في الموسم الأول.

رفد استراتيجي لصناعة النجوم

واسترسل العميد المتقاعد سعيد بن محمد الحجري في حديثه بالقول: بكل وضوح، هذه المراكز ليست «صالات تدريب» بالمعنى التقليدي، بل هي مشروع وطني لصناعة الأبطال، لأن الفارق جوهري، وهو أن مركز التدريب يستقبل من يأتيه، بينما مركز الإعداد يبحث، ويكتشف، ويُقيّم علميًا، ثم يبني مسارًا فرديًا لكل رياضي وفق فعاليته وقدراته، ومنهجنا العلمي والفني يقوم على نظام فئات عمرية متدرج، تُبنى فيه القدرات البدنية الأساسية أولًا، ثم التخصص التدريجي في الفعالية، مع إشراف فني يجمع بين الخبرة الوطنية والخبرة الأجنبية المستقدمة من كينيا ونيجيريا في فعاليات القوة والتحمل، إلى جانب متابعة استشارية فنية متخصصة تضبط جودة الأداء عبر المراكز كافة. وحرصنا في مجلس إدارة الاتحاد العُماني على بناء قاعدة عريضة من الرياضيين، لا الاكتفاء بعدد محدود من «المواهب الاستثنائية»، لأن التجربة العالمية تؤكد أن كثرة القاعدة هي الضامن الحقيقي لظهور بطل استثنائي؛ فكلما اتسعت دائرة الاكتشاف، زادت احتمالية وجود مواهب نادرة داخلها.

التوزيع الجغرافي وآلية اختيار المراكز

الحجري أكد أن المراكز الرئيسة والفرعية تم توزيعها بناءً على معايير موضوعية، أبرزها الكثافة السكانية الشبابية في المحافظة، ووجود بنية أساسية رياضية يمكن البناء عليها أو تطويرها، والحراك الرياضي المدرسي والمجتمعي القائم فعليًا في المنطقة. وهدفنا لم يكن التوزيع الشكلي المتساوي، بل التوزيع الذي يخدم العدالة الفعلية في اكتشاف المواهب، وهذا التوزيع يهدف بالدرجة الأولى إلى إتاحة الفرصة لكل أبناء المحافظات دون استثناء، بحيث لا تبقى محافظة مسقط هي المستفيد الوحيد من الاستثمار الرياضي، بل يشعر الشاب في باقي المحافظات أن الفرصة بين يديه في محافظته، وللاتحاد خطة مستقبلية واضحة للتوسع، مرتبطة بمؤشرات الأداء الفعلية لكل مركز فرعي، فأي محافظة تُظهر مراكزها الحالية نتائج واعدة أو حراكًا متزايدًا، ستكون مرشحة لتوسعة إضافية أو مركز جديد، ضمن رؤية تراكمية تمتد حتى بريزبن 2032 وما بعدها.

اكتشاف المواهب للمنتخبات الوطنية

عملية اكتشاف المواهب داخل المراكز لم تعد تعتمد على الملاحظة العابرة، بل أصبحت تُبنى على اختبارات وبرامج تقييم علمية معتمدة تقيس القدرات البدنية الأساسية كالسرعة والقوة الانفجارية والمرونة والتحمل، بما يتيح تحديد الفعالية الأنسب لكل ناشئ منذ البداية بدلًا من الاجتهاد الشخصي للمدرب. بهذه الكلمات أكد الحجري أن الاتحاد العُماني لألعاب القوى يواصل الاهتمام بشكل كبير بالمواهب، حيث يقوم هذا العمل على تعاون وثيق مع وزارة التعليم، باعتبار المدرسة أوسع قاعدة احتكاك يومي بالنشء، إلى جانب تنسيق مستمر مع الأندية الرياضية التي تُشكّل حلقة الوصل الأولى بين الموهبة والاتحاد، وقد أصبحت هذه المراكز اليوم الرافد الرئيس للمنتخبات الوطنية في مختلف الفئات العمرية، وباتت لدينا خريطة طريق واضحة ومسار محدد، وهو «من الاكتشاف في المركز الفرعي، إلى الصقل في المركز الرئيسي، إلى الترشيح لمعسكرات المنتخبات الوطنية»، فالمشاركة في البطولات الخليجية والعربية والآسيوية، وصولًا إلى المحافل الأولمبية.

قصص النجاح والثمار الأولية

رئيس مجلس إدارة الاتحاد العُماني لألعاب القوى، أوضح أنه منذ انطلاق المشروع، بدأ الاتحاد في تلمس نتائج ملموسة على مستوى اكتشاف مواهب جديدة لم تكن مرصودة سابقًا ضمن أي قاعدة بيانات وطنية، وعلى مستوى تحسّن الأرقام الفنية للاعبين الذين انضموا إلى برامج الإعداد المنظم، مقارنة بمسارهم السابق قبل المراكز، وأفضّل ألا أُحمّل مرحلة مبكرة من عمر المشروع أكثر مما تحتمل من أسماء وقصص فردية، لأن هذا مشروع طويل النفس نقيس نتائجه الحقيقية عبر دورات أولمبية كاملة، لا عبر موسم أو موسمين، لكنني أستطيع القول إن عددًا من الوجوه التي دخلت معسكرات الاختيار للمنتخب الوطني ولبطولات آسيوية مؤخرًا، هي أسماء بدأت مسارها داخل هذه المراكز.

وأضاف: أما مقياس النجاح لدينا، فهو مركّب، بحيث إننا نتابع عدد المشاركين كمؤشر على اتساع القاعدة، لكن المعيار الحاسم لدينا هو جودة المخرجات «عدد الرياضيين الذين ينتقلون فعليًا إلى المنتخبات الوطنية»، وتحسّن أرقامهم القياسية، واستمراريتهم في اللعبة طوال فترة تواجدهم في الرياضة.

الجانب التربوي والقيمي

وحول الجانب التربوي، قال: لا نعدّ رياضيًا فحسب، بل نعدّ إنسانًا، وهذا مبدأ نكرره باستمرار داخل المراكز، لأن القيمة الحقيقية للرياضة تتجاوز الميدالية إلى الشخصية التي تُبنى في الطريق إليها، ونحرص على أن يتعلم كل ناشئ الانضباط في الحضور والالتزام بالتوقيت، وتحمّل المسؤولية تجاه أدائه وزملائه، والانضباط الغذائي والسلوكي كجزء من هويته كرياضي لا كقيد مفروض عليه، ويصاحب العمل الفني داخل المراكز برامج توعوية تتناول مخاطر المنشطات، وأهمية الصحة النفسية للاعب، وثقافة الروح الرياضية في الفوز والخسارة على حد سواء، إلى جانب برامج توعوية أسرية تشرح للأهل طبيعة هذه المرحلة وكيفية دعم أبنائهم دون ضغط، وبهذا الأسلوب، نغرس ثقافة الاحتراف منذ الصغر، بحيث يكبر الرياضي وقد أصبح الانضباط جزءًا من طبعه، لا سلوكًا مؤقتًا يمارسه فقط قبل البطولات.

المدربون أساس المنظومة

سعيد الحجري تحدث حول المدرب الوطني بقوله: مهما بلغت جودة المرافق أو دقة الخطط الاستراتيجية، فإن المدرب هو من يحوّلها إلى واقع ملموس على أرض الملعب، لذا نضع اختيار المدربين في قلب أولوياتنا، ونعتمد معايير تجمع بين الكفاءة الفنية المعتمدة دوليًا، والقدرة على التعامل التربوي مع الفئات السنية المبكرة، لا الاقتصار على الخبرة التدريبية للمحترفين فقط، ونعمل على تطوير الكوادر الوطنية عبر برامج تأهيل وتدريب مستمر بالتعاون مع خبراء واستشاريين فنيين، إلى جانب الاستفادة المباشرة من وجود المدربين الأجانب من كينيا ونيجيريا كفرصة نقل معرفة حقيقية، لا مجرد استقدام مؤقت؛ فكل مدرب وطني يعمل إلى جانبهم يكتسب أدوات وأساليب تدريبية عالمية يصعب الوصول إليها بمعزل عن هذه الشراكة، ولا يخفى على الجميع أن الاستثمار في المدرب الوطني ليس أولوية ثانوية لدينا، بل هو استثمار موازٍ تمامًا للاستثمار في الرياضي نفسه؛ فبدون مدرب وطني مؤهل ومستدام، تبقى أي منظومة إعداد هشة ومعتمدة على عناصر مؤقتة.

أبرز التحديات

رئيس مجلس إدارة الاتحاد العُماني لألعاب القوى أكد أن كل عمل ناجح يواكبه تحديات، بقوله: لن أكون منصفًا إن قلت إن الطريق كان بلا تحديات، والتي من أبرزها تحدي البنية الأساسية والموارد في بعض المحافظات، حيث تحتاج بعض المراكز الفرعية إلى تطوير مرافقها لتواكب حجم الطموح، إلى جانب تحدٍ حقيقي في توفير الكوادر البشرية المؤهلة بالعدد الكافي لتغطية جميع المراكز بنفس الجودة، أما التحدي الأكثر حساسية، فهو استمرارية اللاعب خلال المراحل الدراسية، خصوصًا في مرحلتي الثانوية والجامعة، حيث تتزايد الضغوط الأكاديمية، وقد ينقطع الرياضي عن التدريب المنتظم. نتعامل مع هذا التحدي عبر تنسيق أوثق مع وزارة التعليم لمرونة الجداول، وتوعية الأسر بأهمية الموازنة بدلًا من التخيير الحاد بين الدراسة والرياضة، وأوجّه هنا نداءً واضحًا للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وهو أن الدعم المطلوب اليوم ليس فقط ماليًا، بل شراكة حقيقية في البنية التحتية، والرعاية طويلة الأمد بدلًا من الدعم الموسمي المرتبط ببطولة واحدة، لأن هذا مشروع وطني يستحق التزامًا بحجم طموحه.

مستقبل اللعبة

ختم العميد المتقاعد سعيد بن محمد الحجري، رئيس مجلس إدارة الاتحاد العُماني لألعاب القوى، حديثه بالقول: أولوياتنا للسنوات المقبلة تتمحور حول ثلاثة خطوط، وهي توسعة شبكة المراكز الفرعية، ورفع نسبة توطين الكوادر التدريبية، وربط كل ذلك بمسار واضح ومقاس نحو أولمبياد بريزبن 2032 وتحقيق الميداليات في أولمبياد 2036، وبلا شك أن توسعة قاعدة المشاركة النسائية حاضرة بقوة في خطتنا، ولا يمكن لأي استراتيجية أن تكون ناجحة وهي تتجاهل الفتاة، كما نعمل على توسعة الفئات السنية المشمولة بالبرامج، بحيث يبدأ الاكتشاف مبكرًا قدر الإمكان، وطموحنا في المشاركات الخليجية والعربية والآسيوية والعالمية يتصاعد تدريجيًا، ومتسقًا مع نضج المخرجات القادمة من مراكز الإعداد، لا سابقًا لها، ومستقبل ألعاب القوى العُمانية، في ظل هذا المشروع، أراه مستقبلًا واعدًا، بحيث نعمل على التحول تدريجيًا من اتحاد يبحث عن بطل بين الحين والآخر، إلى اتحاد ينتج الأبطال بشكل منظم ومستمر، ورسالتي لأولياء الأمور والشباب والمؤسسات الوطنية هي: «ابنكم الذي يتدرب اليوم في أحد مراكزنا قد يكون حامل علم سلطنة عُمان بعد غد على منصات التتويج العالمية»، حيث إننا نبني هذا الطريق بصبر وعلم ومنهجية، وندعو الجميع «الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة الحكومية، والقطاع الخاص، ووسائل الإعلام» للمشاركة في هذا المشروع الوطني، لأن صناعة البطل مسؤولية جماعية، لا مسؤولية الاتحاد العُماني لألعاب القوى وحده.