No Image
الاقتصادية

هل يفشل سكوت بيسنت في خفض عوائد السندات الأمريكية؟

28 أغسطس 2026
28 أغسطس 2026

كثيرا ما يقول وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إنه يريد أن يكون "كبير بائعي السندات" في أمريكا. وبالنسبة له سيكون هبوط عوائد السندات مؤشرا على النجاح. لكن قد يرفع "المحاسب" حاجبيه من الدهشة عندما يصادف بائعا يضخِّم أرقامَ مبيعاته بشراء بضاعته هو بنفسه.

في يوم 19 أغسطس طرح بيسنت خططا لوزارة الخزانة بإعادة شراء سندات حكومية طويلة الأجل بعشرات بلايين الدولارات. تراجعت العوائد لبرهة وجيزة قبل أن ترتفع مرة أخرى. السؤال: هل تقتصر هذه الحيلة من جانب بيسنت على الفشل في خفض العائد أم تخاطر أيضا بإفساد سند الخزانة؟

في هذا العام ارتفعت عوائد السندات الحكومية حول العالم. وهو ما يعني أن أسعارها هبطت. فقد ارتفعت بنسبة 0.6% على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات و0.4% على السندات الألمانية و0.8% على سندات الحكومة اليابانية.

يعود هذا الى عوامل قليلة. فارتفاع التضخم لم يكن قد قُضِي عليه تماما بعد صعوده في مرحلة ما بعد الجائحة عندما دخلت أمريكا وإسرائيل في الحرب مع إيران مما أدّى إلى ارتفاع أسعار النفط. كما زاد الاقتراضُ الخاص للتوسع في انشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من تكلفة رأس المال لكل مقترض بما في ذلك الحكومات.

ما هو أكثر مدعاة للقلق أن أسواق السندات بدأت تأخذ في حسبانها تبعات إفراط العالم الغني في الاستدانة. فعجز موازنة أمريكا بلغ 6% من الناتج المحلي الإجمالي. وهو الأعلى على الإطلاق خارج فترات الركود ووقت الحرب. وفي 19 أغسطس ذكرت وزارة الخزانة أن الدين الفيدرالي تجاوز 40 تريليون دولار (حوالي 130% من الناتج المحلي الإجمالي).

كما يتوقع مكتب الموازنة بالكونجرس وهو غير حزبي تزايد كل من العجوزات والدين. ويبدو هدف بيسنت بخفض العجوزات الى 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028 غير واقعي.

الاقتصادات الكبيرة الأخرى وخصوصا اقتصاد فرنسا واليابان في وضع بائس أيضا. وما هو أسوأ أن أكثر من نصف العجز يتكوّن الآن من مدفوعات الفائدة على الاقتراض في الماضي. وذلك يخاطر بتشكًّل حلقة شريرة من العوائد المرتفعة والعجوزات المتزايدة التي تقود بدورها الى المزيد من ارتفاع العوائد.

هذا لا يربك ويحرج سكوت بيسنت فقط. بل هو أيضا مشكلة لإدارة ترامب. فالانتخابات النصفية على مبعدة عشر أسابيع. وتيسير تكاليف المعيشة موضوع الساعة. لكن سعر البنزين وسعر فائدة قروض الرهونات العقارية لمدة 30 عاما هما الأكثر أهمية للناخبين من بين هذه التكاليف. وكلاهما يتحركان في الاتجاه الخاطئ. فأولهما يساهم في ارتفاع العوائد والثاني نتيجته.

سياسة تدخلية في سوق السندات

بخطة إعادة شراء السندات يحاول بيسنت ترجيح كفة ميزان العرض والطلب على السندات. في العادة تعتبر وزارة الخزانة دورها قاصرا على الحفاظ على نظام وسيولة سوق السندات أثناء الأزمات وليس تحريك العوائد هنا وهناك في أوقات يلزم أن تكون أكثر هدوءا. لكن بيسنت الذي يبدو مثل متداول صناديق التحوط (وكان كذلك يوما ما) له نظرة مختلفة. فقد قال في مقابلة تلفزيونية بعد إعلان خطته "نحن نعتقد أن العوائد لا تعكس المؤشرات الأساسية" للاقتصاد.

يحاول بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهو مركز النفوذ الآخر في سياسة الاقتصاد الكلي الأمريكية، تحريك عوائد السندات أحيانا عبر برامج مثل التيسير الكمي (شراء سندات بإيجاده احتياطيات مصرفية) أو عملية "التويست" في عام 2011 (ببيع سندات قصيرة الأجل وشراء سندات طويلة الأجل. وهي سياسة نقدية تماثل خطة بيسنت.)

لكن هدف الفيدرالي دائما اقتصادي وقصير الأجل كمكافحة الركود أو التضخم وليس دعم الوضع المالي للحكومة. وما يشكل مفارقة أن كيفن وارش، وهو الرئيس الجديد للبنك الفيدرالي الذي تم اختياره في عملية أدارها بيسنت، تنصّل عن التيسير الكمِّي قائلا إن واضعي السياسات يجب ألا يخلّفوا "بصمة ثقيلة" في الأسواق.

كان لإعلان بيسنت أثر فوري محدود فقط. فالعوائد عادت الى حيث كانت قبل أن يفعل ذلك. وإعادة شراء السندات لن تغير إجمالي الدين الحكومي الأمريكي. فهي ستُموَّل بإصدار سندات أقصر أجلا. والمبالغ التي سيتم جمعها صغيرة مقارنة بحجم اقتراض الولايات المتحدة.

الإشارة التي سترسلها خطة إعادة الشراء للأسواق هي الأكثر أهمية. وفحواها أن وزارة الخزانة على استعداد للمقاومة إذا استمرت العوائد في الارتفاع. لكن تحركات السوق التي تقودها التغيرات في أساسيات الاقتصاد تعجز الحكومات الأشد عزما عن السيطرة عليها في العادة. ويجب أن يكون سكوت بيسنت أكثر إدراكا لذلك من معظم الناس. فهو الذي ساهم في عام 1992 في فك ربط عملة بريطانيا (بآلية أسعار الصرف الأوروبية) عندما كان يعمل لصالح صندوق التحوط الذي يملكه جورج سوروس.

هنالك مفارقة أخرى وهي أن بيسنت انتقد جانيت يلين التي سبقته في المنصب "لتسييسها" سندات الخزانة والتدخل في عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي. ففي فترة يلين زادت الوزارة بقدر قليل حصة السندات الحكومية قصيرة الأجل. وحوّلت تلك الزيادة، مثلما هي الحال مع عمليات إعادة الشراء في خطة بيسنت، الاقتراضَ من الدين طويل الأجل الى الدين قصير الأجل.

وصفت وزارة الخزانة في عهد يلين ذلك بالإدارة "التكنوقراطية" للدين فيما انتقدها بيسنت واصفا إياها بإصدار الخزانة التدخلي (غير التكنوقراطي) بقصد إنعاش الاقتصاد قبل انتخابات عام 2024.

لكن بعد تولِّيه الوزارة، حافظ بيسنت في هدوء على نفس نمط الإصدار. وذهب الآن الى أبعد من ذلك بإعلانه الجهير عن قصده.

ربما تحتاج الولايات المتحدة في آخر الأمر الى إصدار المزيد من السندات قصيرة الأجل مع انحسار أهمية المؤسسات الكبيرة المشترية للسندات طويلة الأجل مثل أنظمة رواتب التقاعد محددة المزايا. لكن هذا ليس ما يخطط له بيسنت.

عمليات إعادة الشراء هي فقط أحدث مساعي الإدارة الأمريكية لمقاومة ارتفاع عوائد السندات. ففي يوليو أعد بيسنت آلية تدخله المشترك مع اليابان لتعزيز الين بطريقة قللت من تأثيره على سندات الخزانة وتمويله ذلك عبر بيع اليورو.

ويمكن أن يضمن فتحُ خط تبادل الدولار مع الإمارات، وهذه فكرة ذُكِر إنها قيد الدراسة، عدمَ حاجة صندوق ثروتها السيادية الى بيع سندات الخزانة ( وهو من كبار حائزيها) في أوقات الضائقة.

إضافة الى ذلك، زادت المؤسستان اللتان ترعاهما الحكومة "فاني ماي وفريدي ماك" في العام الماضي مشترياتهما من الأوراق المالية المعززة بالرهونات العقارية وذلك في مسعى واضح لخفض أسعار فائدة قروض الرهونات. حثهما على ذلك رئيسهما المصادم بيل بولتي والرئيس ترامب.

كما يوضح دعم عملة البيزو الأرجنتينية خلال انتخابات عسيرة خاضها الرئيس خافيير ميلي مدى استعداد بيسنت لاستخدام القوة المالية الأمريكية لأغراض سياسية.

قد لا يكون لتحركات بيسنت أثر كبير في الأجل الطويل. لكنها ربما تكفي لخفض عوائد السندات قليلا، على الأقل حتى الانتخابات النصفية. وهذا تسييس سافر لسوق سندات الخزانة لا مثيل له في التاريخ القريب. لكن لسوء حظ بيسنت لدى السوق وسائل تحييد لذلك. فالدولار تراجع بعد إعلان عمليات إعادة شراء السندات وسعر الذهب ارتفع. وكلاهما مؤشران لتزايد شكوك المستثمرين بشأن الأصول الأمريكية.

يرحب بعض أنصار ماغا من أمثال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بضعف قيمة الدولار لجعل الصادرات أرخص وتعزيز الصناعة التحويلية. لكن الأثر الفوري لذلك سيكون ارتفاع معدل التضخم عبر غلاء الواردات. وبيسنت ليس من أنصار ضعف الدولار. لذلك من المستبعد أن يكون إضعاف العملة الأمريكية جزءا من خطته.

سكوت بيسنت ضد كيفن وارش

في نهاية المطاف، انخفاض العوائد وضعف الدولار يساويان معا تحفيزا اقتصاديا شبيها بخفض سعر الفائدة. وذلك ما لا يحتاجه اقتصاد أمريكا مهما كانت الحسابات السياسية.

فالأسواق على العكس من ذلك تتوقع أن يرفع البنك الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه القادم في سبتمبر. وكيفن وارش مُصِرّ على القول بإنه "لن يتردد" في إعادة معدل التضخم الى هدف البنك الذي تخطاه على مدار خمس سنوات وهو 2%.

إصرار وارش على أن يكون غامضا بشأن ما يفكر فيه في الشهور القليلة الأولى من توليه رئاسة البنك ربما رفع عوائد السندات قليلا. ويمكن أن يقود تيسير وزارة الخزانة وتشديد البنك الفيدرالي إلى "جرِّ حبلٍ" غريب للسياسة النقدية.

أبدى ترامب منذ فترة طويلة تذمره من ارتفاع أسعار الفائدة. وربما قدّر بيسنت أن سعيه لخفض عوائد السندات بالتصريحات والكلام قد يوضح لرئيسه إنه يحاول حتى إذا أحبطت الأسواق جهوده. لكن كلما ذهب بعيدا في ذلك كلما أضاف المزيد الي الضغوط التي يواجهها كيفن وارش.

قد تعكس تدخلات بيسنت تجربتَه السابقة كأحد مضاربي الاقتصاد الكلي وأيضا آراءَ ترامب الغريبة عن الاقتصاد والأجواءَ السياسية للانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. لكنها أكثر من مجرد شطحات ترامبية. فالعبث بالأسواق يكون أكثر إغراء مع تفاقم أزمة الديون. مثال على ذلك تدخل اليابان في سعر الين وسوق سنداتها الحكومية.

إذا استبعدنا احتمال تحلِّي الساسة الأمريكيين بقدر كاف من الشجاعة لخفض عجز الموازنة أو تحقُّق مكاسب إنتاجية ضخمة وغير متوقعة بفضل الذكاء الاصطناعي، ستحتاج أمريكا الى إصدار المزيد من سندات الخزانة وبشكل مستمر لتمويل دينها المتزايد.

وسيكون ذلك أكثر صعوبة إذا كف المستثمرون عن اعتبار سوق السندات سوقا مستقرة ومحايدة سياسيا. فمع كل تلاعب بها قد يجد بيسنت ومن يخلفونه في الوزارة "من الباعة" مزيدا من الصعوبة في "تسويق بضاعتهم."