حلقة نقاشية حول الغرفة وأدوارها وأهميتها
احتضنت قاعة المحاضرات بنادي صلالة الرياضي لقاءً حواريًا بعنوان «تجربة ريادية»، استضافت خلاله الدكتورة سهام بنت أحمد الحارثي، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان ورئيسة لجنة السياحة بالغرفة.
وشهدت الجلسة حوارًا معمقًا تناول أربعة محاور رئيسة: المؤسسية مقابل الفردية في إدارة الغرفة، وتمكين اللجان القطاعية وفروع المحافظات، والانتقال من ثقافة النشاط إلى ثقافة الأثر والشفافية، والحوكمة وترجمة المبادئ إلى برنامج عمل. واختُتمت بسؤال حول الأولوية التي ينبغي أن يبدأ بها مجلس الإدارة القادم.
بدأ الحوار بالمحور الأول حول أهمية الانتقال من نموذج يرتبط فيه نجاح المؤسسة بشخصية القيادة إلى نموذج مؤسسي قادر على المحافظة على الإنجازات وتطويرها بغض النظر عن تغير الأسماء والمواقع القيادية.
وطُرح تساؤل حول كيفية انتقال الغرفة من نظام يركز على شخوص القيادة إلى نموذج مؤسسي مستدام يضمن استمرارية الإنجاز، وما يتطلبه ذلك من بناء منظومة إدارية واضحة، وتوثيق الخبرات، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، ووضع خطط استراتيجية لا ترتبط بفترة زمنية أو قيادة بعينها.
وناقش المحور أيضًا المقومات الأساسية التي تحتاج إليها الغرفة اليوم لتكون «مؤسسة قوية» بكل أركانها ولجانها، بما يشمل تطوير الهياكل التنظيمية، وتعزيز كفاءة اللجان، وتفعيل الفروع، ورفع مستوى التنسيق، وبناء ثقافة مؤسسية قائمة على التخطيط والعمل الجماعي والنتائج. وأكد الحوار أن المؤسسة القوية لا تقاس بوجود مجلس إدارة أو لجان وهيكل إداري فحسب، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتراكم الخبرات، وتحويل المبادرات إلى برامج مستدامة، وامتلاك أدوات واضحة للمتابعة والتقييم.
وانتقل النقاش في المحور الثاني إلى تمكين اللجان القطاعية وفروع المحافظات، بوصفه أحد الملفات المهمة لتعزيز قدرة الغرفة على تمثيل القطاع الخاص بصورة أكثر فاعلية.
وركز السؤال الأول على الآليات المطلوبة لتمكين اللجان من لعب دور حقيقي في تحديد الأولويات وصياغة الحلول، بدلًا من اقتصار دورها على الجانب الاستشاري. وأكد الحوار أهمية منح اللجان مساحة أكبر للمساهمة في دراسة التحديات التي تواجه القطاعات الاقتصادية المختلفة، ورفع التوصيات المبنية على البيانات والخبرة، والمشاركة في اقتراح الحلول والسياسات والمبادرات. كما تناول المحور دور فروع الغرفة في المحافظات، وكيفية إشراكها كشريك حقيقي وفاعل في صناعة القرار الاقتصادي والتنموي، وليس مجرد جهة تتابع القرارات الصادرة من المركز.
وشددت المناقشات على أهمية أن تكون الفروع قريبة من واقع القطاع الخاص في محافظاتها، وأن تستثمر معرفتها بالفرص والتحديات المحلية في صياغة الأولويات، خاصة أن طبيعة النشاط الاقتصادي تختلف من محافظة إلى أخرى.
في المحور الثالث، انتقل النقاش إلى قدرة الفعاليات والمبادرات على إحداث أثر حقيقي وملموس. وطُرح سؤال حول كيفية ضمان تحول تقييم عمل الغرفة من التركيز على عدد الفعاليات والمؤتمرات إلى قياس الأثر الاقتصادي الحقيقي على القطاع الخاص.
وأكدت المناقشات أن نجاح أي مؤسسة لا ينبغي أن يُقاس بعدد الفعاليات أو الاجتماعات فقط، بل بما تنتجه تلك الأنشطة من نتائج، وما تحدثه من تغيير في بيئة الأعمال، وما توفره من فرص للقطاع الخاص ورواد الأعمال والمستثمرين. كما ناقش المحور أهمية وجود مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس تساعد على معرفة النتائج التي حققتها المبادرات والبرامج، وتوضح حجم الاستفادة منها، وتكشف الجوانب التي تحتاج إلى تطوير. وشدد الحوار على أن الشفافية لا تقتصر على إعلان المعلومات، بل تشمل توضيح الأهداف والنتائج ومؤشرات الأداء، وإتاحة صورة واضحة لأصحاب المصلحة حول ما تحقق وما لم يتحقق، والخطوات المقبلة.
وتناول المحور الرابع كيفية ترجمة المبادئ والمطالبات الرامية إلى تطوير الغرفة إلى برنامج عمل واضح وقابل للتنفيذ والقياس. وأكد الحوار أن أي رؤية لتطوير المؤسسة تحتاج إلى خطة عملية تتضمن أهدافًا محددة، وأولويات واضحة، ومراحل تنفيذ، ومؤشرات أداء، ومسؤوليات محددة، وآليات للمراجعة والتقييم، حتى لا تبقى الأفكار في إطار الطرح النظري. وتطرق النقاش أيضًا إلى متطلبات تكامل الغرفة مع منظومة الحوكمة والرقابة والشفافية للوصول إلى الغرفة المستقبلية القوية التي يطمح إليها القطاع الخاص. وأبرز أهمية ترسيخ ممارسات الحوكمة، وتعزيز وضوح الأدوار والصلاحيات، وتطوير آليات الرقابة والمتابعة، وربط المسؤولية بالنتائج، بما يعزز الثقة ويرفع كفاءة الأداء المؤسسي.
واختُتمت الجلسة بسؤال عام حمل دلالة واضحة حول مستقبل المؤسسة: إذا كان المستقبل يحتاج إلى غرفة أقوى لا إلى رئيس أقوى، فما الخطوة الأولى والفورية التي يجب أن يبدأ بها مجلس الإدارة القادم للوصول إلى هذا الهدف؟ وفتح السؤال المجال أمام طرح رؤية متكاملة حول الأولوية التي ينبغي أن تحظى باهتمام المجلس المقبل، سواء بإعادة بناء الهيكل المؤسسي، أو تحديد الأولويات، أو تفعيل اللجان والفروع، أو وضع مؤشرات أداء، أو تعزيز منظومة الحوكمة والشفافية.
وأكدت الجلسة أن بناء «غرفة أقوى» يتطلب أن تكون المؤسسة بمختلف مكوناتها قادرة على العمل بكفاءة واستقلالية مؤسسية، وأن تتجاوز قوة الأداء ارتباطها بشخصية رئيس المجلس أو أي قيادة فردية، لتصبح قوة الغرفة مستمدة من مجلسها ولجانها وفروعها وكفاءاتها ونظمها وبرامجها ووضوح أهدافها ومؤشرات نتائجها.
يأتي تنظيم لقاء «تجربة ريادية» ضمن توجه مبادرة «شبابنا ريادي» إلى توفير منصات شبابية للحوار والنقاش حول القضايا الاقتصادية والتنموية، وإتاحة الفرصة للشباب ورواد الأعمال والمهتمين للاستماع إلى التجارب والخبرات الوطنية ومناقشة التحديات بصورة مباشرة.
ويعكس اللقاء اهتمام المبادرة بطرح موضوعات تتجاوز التدريب التقليدي إلى الحوار حول تطوير المؤسسات وصناعة القرار والحوكمة والتمكين الاقتصادي، بما يعزز مشاركة الشباب في القضايا المرتبطة بمستقبل القطاع الخاص والتنمية الاقتصادية.
