عمال غزة بين لقمة العيش وسجون الإحتلال
د.حكمت المصري
لم يكن أحمد عبد الكريم السيقلي يتخيل أن الطريق الذي بدأه بحثًا عن لقمة العيش سينتهي به أسيرًا، ليعود إلى قطاع غزة حاملاً مأساة أخرى؛ ستة من أبنائه استشهدوا خلال الحرب، بينهم رضيعة وثلاثة توائم، بينما بقي هو بعيدًا عنهم خلف قضبان الاحتلال.
عاد السيقلي إلى غزة قبل أيام، بعد احتجاز وترحيل من سجن عوفر، لكنه لم يعد إلى البيت الذي تركه، ولم يجد أبناءه الذين كان يتابع أخبارهم عبر الهاتف. عاد إلى قطاع أنهكته الحرب، بعدما كان يحلم بأن يعود إليهم ويحمل لهم ما اعتاد أن يحمله الآباء لأبنائهم.
كان السيقلي واحدًا من آلاف العمال الفلسطينيين من قطاع غزة الذين كانوا يعملون داخل الأراضي المحتلة عام 1948 قبل السابع من أكتوبر 2023.
ففي ذلك الوقت، كان نحو 18,500 عامل من غزة يحملون تصاريح للعمل داخل إسرائيل، وفق معطيات حقوقية فلسطينية ودولية. ومع اندلاع الحرب، أُلغيت التصاريح، ووجد آلاف العمال أنفسهم عالقين بعيدًا عن عائلاتهم، أو محتجزين في مراكز الاعتقال الإسرائيلية.
وتوثق شهادات عمال أفرج عنهم تعرض بعضهم للضرب والإهانة والتقييد والتعصيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنها وثقت حالات لعمال من غزة احتجزتهم السلطات الإسرائيلية لأسابيع، وتحدث أحدهم عن نقله إلى قاعدة عوفر وهو معصوب العينين ومقيد اليدين، وعن تعرضه للضرب والإذلال.
أسرى بلا أسماء.. وجثامين بلا قبور
وتتداخل قضية العمال مع ملف أوسع يتعلق بمعتقلي قطاع غزة الذين تعرضوا للاحتجاز في السجون والمعسكرات الإسرائيلية منذ بداية الحرب.
فبحسب مؤسسات الأسرى الفلسطينية، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال نحو 10,800 أسير حتى بداية يوليو2025وفي أغسطس 2025، أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير أن 77 أسيرًا ومعتقلًا على الأقل استشهدوا منذ بداية الحرب، من بين من أُعلن عنهم، بينما لا تزال عشرات الحالات من معتقلي غزة رهن الإخفاء القسري. كما أعلنت المؤسسات أن الاحتلال يواصل احتجاز جثامين عشرات الشهداء من الحركة الأسيرة.
قصة السيقلي تختصر جانبًا من هذه المأساة، لكنها لا تختصر وجعها.
كان يعمل في الداخل الفلسطيني منذ سنوات، ومع اندلاع الحرب كان موجودًا في منطقة صفد، قبل أن ينتقل إلى قلقيلية في الضفة الغربية. وفي 8 ديسمبر 2023، تلقى الخبر الذي غيّر حياته: أبناؤه الستة استشهدوا بعد قصف المنزل الذي نزحت إليه عائلته.
كان بينهم ابنه الأكبر، البالغ 16 عامًا، وثلاثة توائم في الثامنة من عمرهم، وطفلة رضيعة لم يتجاوز عمرها شهرين، يقول إنه لم يرها سوى مرة واحدة.
كان المنزل يؤوي نحو 100 إلى 120 نازحًا، ولم ينجُ من القصف سوى خمسة أشخاص، بينهم زوجته وابنته وثلاثة نازحين آخرين، بينما استشهد أطفاله الستة، إلى جانب شقيق زوجته ووالدتها.
يقول السيقلي: "كانوا آمنين، ولم تكن هناك أي مشكلة، استغربت لماذا حدثت هذه الضربة، وما ذنب هؤلاء الأطفال؟" لم يكن قادرًا على استيعاب الخبر. نُقل إلى المستشفى، وتلقى العلاج والمحاليل، بينما كانت المسافة بينه وبين عائلته تتحول إلى مسافة من الفقد لا يمكن قطعها.
يقول: "كان لديهم أحلام كبيرة، وهذا ما كسر ظهري، وللأمانة ما زالت الصدمة كبيرة حتى هذه اللحظة." يضيف السيقلي إن قوات الاحتلال اعتقلته بينما كان يعمل مع آخرين في ورشة صغيرة، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال المكان فجرًا، وتجبرهم على الانبطاح وتقيّد أيديهم وأرجلهم وتعصب أعينهم.
بحسب روايته، بقيوا يومين في هذه الظروف، وتعرضوا للضرب، قبل نقلهم إلى موقع عوفر ثم إلى السجن، حيث عاشوا ظروف احتجاز قاسية.
وبعد ترحيله إلى غزة، كان عليه أن يبدأ رحلة جديدة، لكن هذه المرة بحثًا عن شيء مختلف: قبور أطفاله.
عند وصوله إلى كرم أبو سالم، رأى للمرة الأولى حجم الدمار الذي خلفته الحرب.
مرّ باتجاه رفح، وكانت المدينة، كما يقول، مدمرة إلى حد لم يكن يتوقعه.
اليوم، يقيم السيقلي في خيمة بمنطقة المواصي في خان يونس، بينما بيته في الشجاعية، وأطفاله في قبور غزة.
يقول: "أولادي مدفونين في غزة، وإن شاء الله أزورهم وأقرأ عليهم الفاتحة." لقمة العيش التي قادت إلى المجهول وراء كل عامل اعتُقل حكاية أسرة كانت تنتظر راتبه، ووراء كل اسم غائب أم تنتظر اتصالًا، وزوجة تنتظر خبرًا، وأطفال ينتظرون عودة أبيهم.
وفي غزة، لا تنتظر العائلات الأرقام بقدر ما تنتظر أسماء أما أحمد السيقلي، فقد عاد بالفعل، لكنه عاد إلى غزة من دون أبنائه الستة؛ يحمل ذكرياتهم، ويبحث عن قبورهم، ويحاول أن يستعيد حقًا بسيطًا من حقوق الأبوة: أن يقرأ الفاتحة على أطفاله.
