عمان اليوم

"الرفق بالحيوان" في سلطنة عُمان.. حلول عملية للرعاية والحد من التحديات الميدانية

15 أغسطس 2026
15 أغسطس 2026
140 حالة إنقاذ وبرامج للتعقيم ومحطات إطعام وخط ساخن للبلاغات

تتعامل الجمعية العُمانية للرفق بالحيوان مع قضايا متعددة تتصل بالحيوانات السائبة والمصابة والمتخلى عنها، من خلال مسارات تجمع بين الإنقاذ والرعاية البيطرية والتعقيم والتطعيم والتبني المسؤول، إلى جانب التوعية بأهمية الاقتناء الواعي والتعامل الإنساني مع الحيوانات.

Image

وتعمل الجمعية في الوقت نفسه على تطوير أدوات أكثر تنظيمًا للاستجابة، تشمل خطًا ساخنًا لتلقي البلاغات ومحطات إطعام منظمة وبرامج لمتابعة الحيوانات ووضع الشرائح الإلكترونية، بما يسهم في الانتقال من معالجة الحالات الفردية إلى حلول أكثر استدامة تراعي صحة الحيوان وسلامة المجتمع والبيئة.

Image

وقالت السيدة سلسبيل بنت بدر البوسعيدي رئيسة مجلس إدارة الجمعية العُمانية للرفق بالحيوان، في حديثها لـ «عُمان»: إن واقع الرفق بالحيوان في سلطنة عُمان يشهد تطورًا إيجابيًا، مع تنامي مستوى الوعي المجتمعي وزيادة الإقبال على العمل التطوعي ورغبة عدد من الجهات في التعاون لإيجاد حلول مستدامة، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مواصلة تصحيح بعض المفاهيم المرتبطة بالحيوانات، وترسيخ ثقافة التعايش معها، وتعزيز الاقتناء المسؤول.

وأوضحت أن الجمعية حرصت خلال عامها الأول على بناء شراكات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وإطلاق مبادرات وبرامج توعوية، إلى جانب العمل على مشاريع تتصل بالإدارة الإنسانية للحيوانات السائبة وبرامج الإنقاذ والرعاية.

قضايا ميدانية

وأشارت البوسعيدي إلى أن الجمعية ترصد عددًا من القضايا التي تحتاج إلى اهتمام مجتمعي ومؤسسي، من بينها بعض المعتقدات الخاطئة التي تؤثر في طريقة التعامل مع الحيوانات، سواء نتيجة الخوف غير المبرر منها أو سوء فهم دورها في المنظومة البيئية.

وبيّنت أن التخلي عن الحيوانات الأليفة نتيجة عدم إدراك المسؤولية المترتبة على اقتنائها يمثل أحد أبرز التحديات، إلى جانب أوضاع الحيوانات خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة وشح مصادر المياه، والحالات المصابة أو التي تحتاج إلى تدخل ورعاية.

ولفتت إلى أن نظرة المجتمع تجاه الحيوانات السائبة شهدت تطورًا خلال السنوات الأخيرة، مع زيادة المشاركة في المبادرات التطوعية والإبلاغ عن الحالات المحتاجة إلى الرعاية، موضحة أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في نشر المعرفة وتسليط الضوء على قضايا الرفق بالحيوان.

وذكرت أن الجمعية تعمل كذلك على تصحيح الاعتقاد بأن جميع الحيوانات السائبة تشكل خطرًا على الإنسان، إلى جانب توضيح الفرق بين الحيوانات المستأنسة والحيوانات التي تعيش بطبيعتها في البيئة المحيطة، مشيرة إلى أن الحيوانات الأليفة تعتمد على الإنسان في توفير احتياجاتها الأساسية، ومن ثم فإن التخلي عنها قد يعرضها للمعاناة ويترتب عليه آثار في المجتمع والبيئة.

وأضافت: إن نشر ثقافة الاقتناء الواعي والتبني المسؤول يمثل جانبًا أساسيًا من عمل الجمعية، إلى جانب توعية أفراد المجتمع بالطرق الصحيحة للتعامل مع الحيوانات وتقديم المساعدة لها عند الحاجة.

الإنقاذ والرعاية

وحول آلية التعامل مع البلاغات، أفادت البوسعيدي بأن الجمعية تتبع إجراءات تبدأ بتقييم الحالة والتحقق من المعلومات وتحديد مستوى التدخل المطلوب، سواء عبر فرق الجمعية ومتطوعيها أو بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وأوضحت أن الجمعية تعمل حاليًا على استكمال إنشاء خط ساخن لتلقي البلاغات، بما يسهم في تنظيم استقبال الحالات ومتابعتها، إلى جانب توعية أفراد المجتمع بكيفية التصرف عند العثور على حيوان مصاب أو معرض للخطر.

وبيّنت أن ليس كل حيوان يحتاج إلى الإنقاذ أو الإيواء؛ إذ يحدد تقييم الحالة ما إذا كان الحيوان بحاجة إلى تدخل عاجل أو علاج بيطري أو رعاية مؤقتة، أو يمكنه الاستمرار في بيئته دون أن يكون معرضًا للخطر.

وأضافت: هنالك حالات تستدعي التدخل، يتم توفير الرعاية البيطرية اللازمة، ثم نقل الحيوان إلى الرعاية المؤقتة حتى يتعافى، قبل الانتقال إلى التبني إذا كان من الحيوانات المستأنسة أو غير القادرة على الاعتماد على نفسها، وفق إجراءات تراعي اختيار الأسرة المناسبة وتحقيق استقرار الحيوان على المدى الطويل.

برنامج «TNVR»

وتطرقت رئيسة مجلس إدارة الجمعية إلى برنامج التطعيم والتعقيم ووضع الشريحة الإلكترونية ثم الإرجاع «TNVR»، موضحة أنه يُطبق على الحيوانات المجتمعية التي اعتادت العيش في بيئتها، ويهدف إلى الحد من تكاثرها وتحسين حالتها الصحية دون نقلها بصورة دائمة من بيئتها.

وأشارت إلى أن الجمعية بدأت تنفيذ المرحلة الأولى من البرنامج في أول منطقة مستهدفة، وتسعى إلى الوصول إلى نسبة تغطية تتراوح بين 70 و80 بالمائة من الحيوانات فيها، على أن يتم تقييم النتائج قبل التوسع التدريجي في مناطق أخرى.

محطات الإطعام

وحول مشروع محطات الإطعام، أوضحت البوسعيدي أن المشروع يهدف إلى تنظيم توفير الغذاء والمياه للحيوانات، وربط مواقع تجمعها ببرامج التطعيم والتعقيم ووضع الشرائح الإلكترونية والمتابعة.

وبيّنت أن هذه المحطات ستسهم في توفير بيانات تساعد الجمعية على تحديد أماكن تجمع الحيوانات واحتياجاتها، والاستفادة منها في التخطيط للبرامج المستقبلية، فضلًا عن الحد من الإطعام العشوائي وما قد ينتج عنه من مخلفات في الأماكن العامة.

وأشارت إلى أن المرحلة التجريبية الأولى للمشروع ستنفذ في منطقة شاطئ القرم، على أن يتم تقييم نتائجها قبل التوسع في تطبيقها بمناطق أخرى.

التعليم والتشريعات

وعن دور المؤسسات التعليمية، قالت السيدة سلسبيل البوسعيدي: إن المدارس والجامعات يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في غرس قيم الرحمة والرفق بالحيوان من خلال البرامج التعليمية والأنشطة الطلابية، والتعريف بالتشريعات ذات الصلة، وتشجيع المبادرات التطوعية.

وأضافت: إن مؤسسات التعليم العالي يمكن أن تسهم من خلال البحوث البيطرية والاجتماعية المتعلقة بالحيوانات المحلية وطبيعتها وأمراضها واتجاهات المجتمع نحوها، بما يوفر قاعدة علمية تساعد على تطوير حلول قائمة على الأدلة.

وفي الجانب التشريعي، أوضحت أن القوانين المعمول بها في سلطنة عُمان توفر إطارًا يمكن البناء عليه، مشيرة إلى أهمية مواصلة تطوير آليات المتابعة والتطبيق، وبناء القدرات الفنية للكوادر المختصة، ومراجعة بعض الجزاءات المرتبطة بالمخالفات.

كما لفتت إلى أهمية إيجاد إطار قانوني وتنظيمي لمنشآت معتمدة لإيواء الحيوانات التي تحتاج إلى الرعاية أو يتم التحفظ عليها، بما يضمن توفير بيئة مناسبة لرعايتها وتأهيلها.

وبيّنت أن الرفق بالحيوان ينسجم في مجالات الاستدامة البيئية وجودة الحياة والمسؤولية المجتمعية، إلى جانب ارتباطه بمفهوم «الصحة الواحدة» القائم على الترابط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.

المرحلة المقبلة

وعن خطط الجمعية، ذكرت البوسعيدي أن العمل يتركز خلال المرحلة المقبلة على تطوير منظومة مركزية لإدارة عمليات الإنقاذ والرعاية المؤقتة والتبني، وتوسيع نطاق برنامج «TNVR» ومحطات الإطعام المنظمة، وبناء شراكات استراتيجية مع الجهات المختصة لتطوير آليات موحدة ومستدامة للتعامل مع الحيوانات السائبة في مختلف محافظات سلطنة عُمان.

وأضافت: إن الجمعية تعمل كذلك على إعداد حزم تعليمية وتوعوية للمدارس والجامعات، وتوسيع قاعدة المتطوعين واستقطاب خبرات في مجالات الإدارة والمالية والقانون والإعلام والتسويق وإدارة المشاريع وتنظيم الفعاليات والدعم اللوجستي والرعاية البيطرية.

وأكدت أن الرفق بالحيوان مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ من السلوك اليومي، سواء في رعاية الحيوانات الأليفة أو توفير المياه للحيوانات الموجودة في الأحياء أو الإبلاغ عن حالات الإصابة والإساءة، معربة عن تطلع الجمعية إلى أن تصبح هذه الممارسات جزءًا من الثقافة اليومية للمجتمع.

أثر تربوي

من جانبها، دعت ندى بنت جعفر آل موسى نائبة رئيس الجمعية العُمانية للرفق بالحيوان، الراغبين في اقتناء الحيوانات الأليفة إلى إعطاء الأولوية للتبني عبر الجمعية أو فرق الإنقاذ، وتجنب الشراء من المصادر غير المصرح بها، موضحة أن ذلك يسهم في الحد من دعم الممارسات التجارية غير الأخلاقية المرتبطة بتكاثر الحيوانات وبيعها لأغراض ربحية.

وبيّنت أن التبني يتيح في كثير من الحالات الحصول على حيوان خضع للتطعيم والتعقيم والفحص الصحي، في حين قد لا يكون مصدر الحيوان المشترى من جهات غير معروفة واضحًا، كما قد تكون البيئة التي تكاثر فيها غير مناسبة صحيًا.

وأشارت آل موسى إلى أن اقتناء الحيوان الأليف داخل الأسرة لا يقتصر على الجانب الترفيهي؛ إذ من الممكن أن يسهم في تعليم الأطفال المسؤولية والالتزام من خلال رعاية كائن حي والاهتمام باحتياجاته اليومية، إلى جانب ما يضيفه الحيوان من جوانب إيجابية إلى الحياة الأسرية.

تجربة شخصية

واستعرضت ندى آل موسى تجربتها الشخصية التي بدأت معها منذ عام 2011، عندما انتقلت إلى منزل جديد ولاحظت وجود كلبة محلية هزيلة وتعاني من العرج بالقرب من المنزل، فبدأت بتوفير الطعام لها قبل أن تقرر رعايتها داخل المنزل.

وأوضحت أنها أخذت الكلبة إلى إحدى العيادات البيطرية لإجراء عملية تعقيم لها، تجنبًا لإنجاب صغار قد ينتهي بهم الحال في الشارع، وأطلقت عليها اسم «كارما»، مشيرة إلى أن الخطة كانت إبقاءها في المنزل بضعة أيام بعد العملية، ثم إعادتها إلى الخارج.

وأضافت: «كارما» بقيت معي بعد ذلك ولم تعد إلى الشارع، وعاشت في رعايتها ما يقارب 13 عامًا، مشيرة إلى أنها ماتت قبل عامين بسبب تقدمها في العمر، مؤكدة أن هذه التجربة شكّلت بالنسبة لها نموذجًا عمليًا لأثر الإنقاذ والرعاية في تغيير حياة الحيوان.

Image

140 حالة إنقاذ

بدورها، أوضحت بيداء بنت محمود الزدجالي عضوة مجلس إدارة الجمعية العُمانية للرفق بالحيوان، أن الجمعية أُشهرت في مايو 2025، فيما بدأ عملها الفعلي بنهاية العام نفسه بعد انعقاد أول جمعية عمومية؛ إذ انصب العمل في البداية على بناء الشراكات واستقطاب المتطوعين والتعاون مع العيادات البيطرية.

وكشفت أن فرق الجمعية تمكنت منذ بدء العمل الميداني من إنقاذ أكثر من 140 قطًا وكلبًا، إلى جانب حمار، وتنوعت الحالات بين حوادث الدهس والأمراض وحالات التخلي والإهمال، مشيرة إلى أن نطاق عمل الجمعية يشمل مختلف الحيوانات التي تحتاج إلى الرعاية أو الإنقاذ، ولا يقتصر على القطط والكلاب.

حرارة الصيف

ودعت الزدجالي أفراد المجتمع إلى توفير أوعية المياه بالقرب من المنازل، خصوصًا خلال أشهر الصيف، إلى جانب تخصيص مساحات مظللة وتقديم الغذاء المناسب للحيوانات الموجودة خارج المنازل.

ونوّهت إلى أن نقص المياه والتعرض المستمر للحرارة يرتبطان بمشكلات صحية لدى بعض القطط التي تعيش في الشوارع، مشيرة إلى أنها أنقذت شخصيًا 25 قطًا ولاحظت إصابة عدد منها بمشكلات في الكلى بعد تعرضها لفترات من الحرمان من الماء.

ولفتت عضوة مجلس إدارة الجمعية إلى أن حوادث الدهس تعد من أصعب الحالات التي تتعامل معها الجمعية بسبب أهمية سرعة تقديم المساعدة، داعية من يعثر على حيوان مصاب ولا يعرف الطريقة الصحيحة لنقله إلى التواصل مع الجمعية أو العيادات البيطرية، تجنبًا لأي تدخل قد يزيد إصابته.

وأضافت: إن حالات الإصابة والمرض يتم التعامل معها بالتنسيق مع العيادات البيطرية المتعاونة، فيما تُحال بلاغات الإساءة أو التعذيب إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

مسؤولية الاقتناء

وأكدت الزدجالي أن اقتناء الحيوان يرتب مسؤولية أخلاقية وقانونية على صاحبه، تشمل توفير الغذاء والرعاية والعلاج ومتابعة حالته الصحية، مشيرة إلى أن التخلي عنه بعد مرضه أو بسبب تكاليف علاجه قد يعرض مالكه للمساءلة القانونية.

ونبهت إلى أهمية اختيار الغذاء المناسب للحيوانات الأليفة، موضحة أن بعض الأطعمة المنزلية أو بقايا الطعام قد تحتوي على مكونات غير ملائمة للقطط والكلاب، وأن الاستشارة البيطرية تساعد على اختيار الغذاء المناسب وفق عمر الحيوان وحالته الصحية.

رعاية أثناء السفر

ونصحت الزدجالي أصحاب الحيوانات الراغبين في السفر بإيداعها في أماكن مرخصة، مثل العيادات البيطرية أو مرافق الإيواء المعتمدة، وتجنب تسليمها لأشخاص غير مرخصين يعرضون خدمات الرعاية عبر المنصات الإلكترونية.

وأوضحت أن المرافق المرخصة توفر بيئة مناسبة للحيوان من حيث النظافة والمتابعة الصحية والغذاء، كما تشترط بعض مرافق الإيواء حصول الحيوان على التطعيمات اللازمة قبل استقباله للحد من انتقال الأمراض.