No Image
بريد القراء

العيش وسط ضجيج الشكوى!

14 أغسطس 2026
14 أغسطس 2026

العيش في سكون وهدوء هو غاية يسعى إليها الكثير من البشر في حياتهم اليومية؛ فهم يرون بأن السلام الداخلي والابتعاد عن ضجيج العالم هما أساس صفاء الروح ونقاء الفكر، وطريق الإنسان ليعرف نفسه بعيداً عن صخب الحياة اليومية وتشتتها، ويرون كذلك بأن الفوضى والضوضاء عدوّان للعقل والسكينة، وأن الهدوء النفسي والعاطفي واتباع النظام المعتدل في مواجهة الظروف هي أساس الحكمة وصفاء الروح من إرهاصات الآخرين، بينما تؤدي الفوضى إلى تشتت الفكر وهدر للطاقة الإنسانية في أمور لا تجلب إلا الوبال على أصحابها.

وفي هذا يتشارك بعض الفلاسفة في الرأي السابق، رغم أنهم يثيرون الكثير من الخلاف مع الآخرين، فهم يرون: "بأن من يريد أن يعيش حياة هادئة، لا بد أن يعيش وحيدًا ويُحكم إغلاق نوافذه جيدًا، لئلا يتسرّب إليه هواء المجتمع".

وأيّاً كان الاختلاف من حيث "المبدأ أو الجوهر" فإن الإجماع البشري يؤكد على أن الهدوء النفسي سبيل نحو استقرار النفس وشعورها بالسكينة والراحة، وهذا هو الهدف الأسمى الذي نرنو إلى تحقيقه في حياتنا الدنيا بعيداً عن ضوضاء الأصوات ونشاز الأفعال ونتائجها.

نعلم بأنه ليس كل البشر يجتمعون على فكر واحد، فقد لا يحلو للبعض أن تستقر أمور دنياه، أو يمارس حياته بهدوء، ولا يجد في الاستمتاع بما منحه الله من نعم كثيرة، وإنما يحاول أن يخالف الآخرين بعدم الكف عن البحث عن وسيلة فعّالة تجعله يتعمق في إحداث نوع من "الضجيج" للأشياء التي تحيط به، وله في ذلك غايتان وهما: إشغال نفسه بما يثيره من غبار، ثم يبحث عن آخرين يشاطرونه ذلك العبث والفوضى!

لماذا نحاول تجنب الانسجام مع بعض الناس رغم أنهم ليسوا عدائيين؟

أحياناً النفور من الغير ليس مرجعه كرهاً في شخصياتهم، ولكن نحن لا نتحمل كمية الأسئلة، والحوارات الطويلة، والبحث عن أشياء "لا ناقة لنا فيها ولا جمل".

البعض يحاول أن يفتح معنا مواضيع هامشية لا يمكن الخوض في سياقها لأنها ليست قضيتنا أو حياتنا، وإنما هي مجرد إشغال للذهن في أمور لا تجدي نفعاً، لهذا نحن ننظر لمثل هؤلاء الناس على أنهم "مزعجون وفوضويون" والواجب علينا تجنبهم قدر المستطاع حتى لا نصاب بالعدوى منهم.

علمياً، قدرة الناس على تحمل الضوضاء من الغير بلا عواقب صحية أو نفسية تتفاوت من شخص لآخر، لكن هذا الضجيج ليس تلوثاً سمعياً أو بصرياً أو أحداثاً عبثية، ولكن مبعثه محاولة البعض إشراكك في أمور لا تعنيك وتحميلك نتائج لست طرفاً في حدوثها!

البعض، من سفاسف الأمور، يبحث عن شخص أو مجموعة من الأشخاص يعرض عليهم شكواه، لا يبحث عن حلول لمشكلة ما، ولكن ليحدث نوعاً من "التصدع" في عقول الآخرين، يحول كل الأمور التي يعرضها إلى "صداع مزمن" يطالبك بفك الألغاز دون القبول بالحلول المقترحة!

من المفارقات العجيبة، إذا التقيت بأحد "المتمردين على الواقع" تجده ذلك الشخص "الشاكي الباكي"، أما إذا اتصل بك، فاعلم بأن المكالمة ستطول أكثر من المعقول، وحتمياً ستصاب بالملل والندم لأنك فتحت معه حوار الحديث!

مثل هؤلاء الناس يتكاثرون في بيئات عديدة لا يتحدثون إلا بلغة الشكوى ومن أقل الأشياء التي تحدث لهم، وكأن الأقدار هي من تترصد بهم دوناً عن غيرهم من البشر!

دعونا نسأل: لماذا يعشق البعض العيش وسط ضجيج الأحداث، وتضخيم الأمور ومنحها بطاقة عبور نحو عقول الآخرين؟

والجواب في نظري، كما كنت أتوقعه سلفاً، هذا النشاط غير العادي الذي يتلبس البعض يجعلهم أكثر شعوراً بالسعادة بما يحيط بهم، ويمنحهم بعضاً من الحيوية المفرطة، والرغبة في الاتصال المباشر بالآخرين من أقل الأشياء، فشكواهم تبعد عنهم وحشة الوحدة والفراغ، وبحسب النظرة السلوكية للبشر فإن "الضجيج الخارجي" عند بعض الناس عبارة عن غطاء يخفي صخب أفكارهم الداخلية العميقة، ومخاوفهم النفسية المظلمة، والعقد التي يحاولون فك عقالها من خلال القيام بحركات أو نشاط مصطنع يهدف إلى البحث عن الحياة المتجددة في أعماقهم المكتظة بالتناقضات، حتى وإن كانوا مصدر إزعاج للآخرين، فهذا ليس مهماً بالنسبة لهم، وقد لا يعنيهم التأثير السلبي الذي يحدثونه لدى الغير بقدر ما يشبع فضولهم ورغبتهم في الحضور في حياة الناس.

وسواء اتفقنا أو اختلفنا فإن الواقع يخبرنا بأن ضجيج البشر وتدخلاتهم وضوضاءهم تؤثر على التركيز وتشوش الأفكار وتوقف عجلة الطموح، وتقضي في أحيان كثيرة على شرايين السعادة التي نرنو إلى الوصول إليها، ولكن طالما أذهاننا وقلوبنا مشغولة في البحث عن الوجع فإننا لن نصل إلى ما نريد!