العرب والعالم

أطفال غزة... يخوضون معركة من أجل البقاء داخل خيام مهترئة

12 أغسطس 2026
12 أغسطس 2026

بعد أشهر من الوهن والتعب، وضعت نهاد محمد ( 26) عامًا، طفلها الثالث "عبد الرحمن". لكن فرحة الولادة لم تكن كافية لتبدد القلق الذي يرافقها في خيمة النزوح بمنطقة جميل وادي في مواصي خان يونس، حيث تحولت الخيمة المهترئة إلى

مساحة شديدة الحرارة لا توفر لرضيعها الحماية الكافية من قيظ الصيف.

تقول نهاد: "هذه الولادة الثالثة، لكنها الأصعب. وضعت طفلي بعد أيام عصيبة عشتها بين النزوح والحرمان والجوع. كنت أتابع الحمل لدى طبيبة في إحدى النقاط الطبية القريبة، وكانت دائمًا توصيني بتناول الطعام المفيد، كاللحوم والبيض

والخضروات والفواكه، لكنني لم أكن أستطيع توفير هذه الأشياء".

وتضيف: "زوجي لا يعمل، والأوضاع الاقتصادية صعبة للغاية. وبعد الولادة أصيب طفلي بالاصفرار، ويحتاج إلى رضاعة طبيعية مكثفة، لكنني أشعر بوهن شديد ولا أستطيع توفير ما يحتاجه من حليب، لذلك اضطررت إلى استخدام الحليب الصناعي".

وتوضح نهاد أنها تخشى على طفلها من ارتفاع درجات الحرارة، فتضطر إلى التنقل به من مكان إلى آخر بحثًا عن الهواء والظل وإبعاده عن أشعة الشمس المباشرة.

وتقول: "لا أعلم إلى متى سيبقى حالنا هكذا، لا أفق للحل، تتشابه الأيام بصعوبتها".

-ولادات أقل ومخاطر أكبر-

قصة عبد الرحمن ليست حالة منفردة في قطاع غزة، حيث أصبحت الولادة مرتبطة بسلسلة من المخاطر تبدأ من حمل الأم ولا تنتهي عند وصول الطفل إلى الحياة.

وتظهر بيانات وزارة الصحة في غزة، التي نقلتها الأمم المتحدة، أن 17 ألف ولادة سُجلت خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2025، مقارنة بنحو 29 ألف ولادة خلال الفترة نفسها من عام 2022، بانخفاض يتجاوز 41%.

ومن بين الولادات المسجلة في النصف الأول من 2025، تعرض 2.600حمل للإجهاض، وُلد 1.600 طفل بوزن منخفض، و1,460 طفلًا قبل أوانهم، بينما احتاج 2,535 مولودًا إلى دخول وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة.

وتكشف الأرقام كذلك عن أثر سوء تغذية الأمهات على المواليد؛ إذ ارتفعت نسبة الأطفال منخفضي الوزن عند الولادة من نحو 5% قبل الحرب إلى 10% خلال النصف الأول من 2025، بينما بلغ متوسط الأطفال منخفضي الوزن نحو 460 طفلًا شهريًا.

كما ارتفع عدد الأطفال الذين توفوا في يومهم الأول من الحياة بنسبة 75%، من متوسط 27 طفلًا شهريًا عام 2022 إلى 47 طفلًا شهريًا خلال الفترة نفسها من 2025.

وتحذر المنظمات الدولية من أن سوء التغذية يبدأ تأثيره قبل الولادة، إذ أشارت تقديرات أممية إلى أن واحدًا من كل خمسة أطفال في غزة يولد قبل أوانه أو بوزن منخفض، في ظل تدهور تغذية النساء الحوامل والمرضعات وتراجع خدمات الرعاية

الصحية.

-الخيمة خطر إضافي -

وفي فصل الصيف، تضاف الحرارة إلى قائمة الأخطار التي يواجهها الأطفال النازحون. فالخيام المصنوعة من أغطية ومواد بسيطة تمتص الحرارة، ومع غياب وسائل التبريد وندرة المياه، قد تتجاوز درجات الحرارة داخلها 40 درجة مئوية، ما يعرض الأطفال، خصوصًا حديثي الولادة، للجفاف والإجهاد الحراري.

ويحذر الدكتور رائد البابا، اختصاصي طب الأطفال، من خطورة تعرض الأطفال لهذه الظروف القاسية، مؤكدًا أن حماية الأطفال من الحر الشديد أصبحت ضرورة ملحة، خصوصًا داخل خيام النزوح.

ويقول إن ارتفاع درجات الحرارة يضع أجساد الأطفال الصغيرة أمام خطر الجفاف، ويوصي بإبقائهم في أماكن جيدة التهوية قدر الإمكان، وإبعادهم عن أشعة الشمس المباشرة، والحرص على إرضاعهم بصورة متكررة.

ويشير البابا إلى أن المستشفيات تستقبل يوميًا أطفالًا يعانون من الجفاف وسوء التغذية، مؤكدًا أن الطفل الذي يعاني من سوء التغذية يكون أكثر هشاشة أمام فقدان السوائل وارتفاع درجات الحرارة.

- خط دفاع أول-

في ظروف النزوح، تمثل الرضاعة الطبيعية مصدرًا أساسيًا للغذاء والسوائل بالنسبة إلى حديثي الولادة، لكن الأمهات أنفسهن يواجهن صعوبة في توفير الغذاء الكافي الذي يساعدهن على الاستمرار في الرضاعة.

وتزداد المشكلة مع ارتفاع معدلات سوء التغذية. ففي يوليو 2025، جرى تحديد أكثر من 12 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد في غزة، وكان نحو ربعهم يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد.

كما أشارت تقديرات أممية إلى أن أكثر من 100 ألف طفل و37 ألف امرأة حامل ومرضع كانوا معرضين لخطر سوء التغذية الحاد حتى أبريل 2026.

ومع أزمة المياه، يتضاعف خطر الجفاف، في وقت يحصل فيه أكثر من نصف سكان غزة، وفق تقارير حديثة، على أقل من ستة لترات من المياه للفرد يوميًا.

-حياة في ظروف استثنائية-

تحت الخيمة، تحاول نهاد أن تفعل ما تستطيع. تحمل طفلها بعيدًا عن الشمس، تبحث عن نسمة هواء، وتحاول إرضاعه كلما استطاعت، بينما تراقب اصفرار وجهه وتخشى أن تزداد حالته سوءًا.

لم تكن تتخيل أن تكون الولادة الثالثة أكثر قسوة من سابقتيها، وأن يصبح السؤال بعد الولادة ليس عن سرير آمن، وإنما عن مكان يستطيع فيه رضيع صغير أن يلتقط أنفاسه بعيدًا عن حرارة الخيمة.

عبد الرحمن، الذي لم يمضِ على قدومه إلى الحياة سوى أيام، لا يعرف شيئًا عن الحرب أو النزوح أو الجوع. لكنه وُلد في قلبها، ليبدأ حياته بمعركة لا يملك القدرة على خوضها وحده.

أما أمه، فتواصل حمله من مكان إلى آخر، باحثة عن ظل ونسمة هواء وقطعة أمل، وتردد في داخلها السؤال نفسه: متى تنتهي هذه الأيام التي تتشابه في قسوتها؟