تحليل :غزة.. هل تُلقي سلاحها؟
رام الله - محمـد الرنتيسي
هل من باب المصادفة أن يتزامن رفض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وثيقة النقاط الـ15 لمجلس السلام في غزة، بينما كانت "قوة الإستقرار" تقف على تخوم غزة؟.. وفي حال أصرّ نتنياهو على عدم انسحاب جيشه من قطاع غزة، ومواصلة عدوانه، حتى "تطهير" غزة من السلاح، وفق قوله، هل ستلقي غزة سلاحها؟.
أسئلة معلّقة، تفرض نفسها في مناخ سياسي ضبابي، وعلى بوابة حل محتمل، مع اهتزاز محاولات البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وانتهاك صارخ للاتفاق المبرم برعاية أمريكية، وخروقات تسلسلية أخذت تسري في جسد غزة المنهك، وتُسيل مزيداً من الدماء، وفجأة تجد غزة نفسها وقد غفت في جفن الردى، مع كل حديث عن تسوية سياسية.
وثمة "شحن سياسي" بدأ يتصاعد، وقوامه "حصر السلاح بيد السلطة" بعد تقدم ملحوظ في مباحثات القاهرة الأخيرة، إذ وافقت حركة حماس على حصر السلاح بيد سلطة فلسطينية "متفق عليها" مع التأكيد على ضرورة وأهمية التفريق بين "السلاح الثقيل" و"السلاح الشخصي" بحيث لا يُمس الأخير، باعتباره حق مكفول للشعب الفلسطيني في المواثيق الدولية.
وفي حين شكّل هذا تقدماً في مساعي بلوغ المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، لكن المؤكد أن الكيان الإسرائيلي لن يقبل به، وسيصر على سحب كامل السلاح، مع نشوب خلافات بشأن تعريف وتصنيف "السلاح الفردي" ومن ضمنه "الأر بي جي" الذي تعتبره حركة حماس سلاحاً فردياً، بينما يعتبره الاحتلال سلاحاً هجومياً خطيراً.
وجلي أن المفتاح الوحيد لنجاح هذا المسار هو الإدارة الامريكية، فاذا قبلته واشنطن واعتبرته أداة لانجاح خطة الرئيس دونالد ترمب، فإنها ستكون قادرة على إلزام إسرائيل بقبوله، على غرار ما جرى في الحالة الإيرانية، وإلا فإن مفاوضات المرحلة الثانية، ستعد واحدة من سلسلة جولات الحوار، التي لن تنتهي إلا بقبول أحد الطرفين شروط الآخر.
عقبات كبيرة
حوارات القاهرة غلفتها ملفات وعقبات كبيرة، إذ كان مطلوباً من حركة حماس الموافقة ولو "من حيث المبدأ" على نزع السلاح، لتهيئة الأجواء أمام الانتقال إلى ملفات لا تقل تعقيداً، كالإنسحاب الإسرائيلي، ودخول لجنة إدارة غزة، وقوة الاستقرار، والشروع بإعادة إعمار غزة، وغيرها.
واستناداً إلى قراءات المراقبين، فهناك سببان يجعلان حركة حماس ترفض وتناور في قبول المقترحات الأمريكية: الأول انعدام الثقة بالجانب الإسرائيلي، الذي قد يعيد احتلال قطاع غزة بالكامل بعد سحب السلاح، والثاني حفظ الكرامة الوطنية للحركة، فهي ترى أن قوتها في سلاحها، مهما كان محدوداً.
وفي الإطار، يرى الكاتب والمحلل السياسي رائد عبد الله، أن البديل عن قبول مبدأ نزع السلاح بالنسبة لحركة حماس، سيكون أكثر قسوة، وهو تجدد الحرب على غزة، مشدداً: "حتى لو تبقى للحركة سلاحاً، فهي أصبحت غير قادرة على استخدامه، للرد على الخروقات الإسرائيلية اليومية".
ويوالي لـ"عُمان": "غزة تموت كل يوم، وتُذبح بصمت، وبعيداً عن ضجيج المفاوضات، والنازحون يقتلون ويجوّعون ويجري تشريدهم إلى ثلث المساحة المتبقية لهم، ويتركون بلا مأوى، وربما يستمر هذا الوضع، حتى موعد ذهاب الناخبين الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، في 27 من أكتوبر المقبل.
ولعل مرونة نتنياهو "المفاجئة" التي أظهرها حيال لجنة إدارة غزة ما هي مراوغة سياسية جديدة، تستهدف كسب غطاء أمريكي لمواصلة خرق اتفاق التهدئة، ويعزز هذا الاستنتاج، تصريحات السفير الأمريكي في تل أبيب "مايك هاكابي" الذي راح يزاحم قادة الكيان "سموتريتش" و"بن غفير" وغيرهم، في الدعوة لتهجير الفلسطينيين، أكان في غزة أو الضفة الغربية.
هل يكون الحل بـ"الحل"؟
في خضم مساعي ولوج المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، أقدمت حركة حماس على حل حكومتها في قطاع غزة، في خطة عدّها مراقبون "توطئة" لدخول قوة الاستقرار ولجنة إدارة غزة، المنبثقة عن مجلس السلام، وتولي مهامها في قطاع غزة.
بيد أن الرد الإسرائيلي لم يتأخر، إذ اعتبر وزير خارجية الكيان الإسرائيلي "جدعون ساعر" الخطوة، خدعة سياسية، ما يعني رفضاً إسرائيلياً، يترجم مخططات الاحتلال وسياساته القائمة على القتل اليومي، والتهجير والتطهير، والملاحقة المستمرة عبر المقاتلات والمسيّرات الحربية، التي أدمت شوارع غزة، بعد ساعات من حل الحركة حكومتها.
ليس هذا فحسب، بل إن ماكينة إعلام الاحتلال، لا تنفك عن تحريض وتأليب الرأي العام العالمي، وتجنيده ضد الحركة، تارة بتضخيم ترسانتها العسكرية، وأخرى بالتحذير من نيتها الإعداد لـ"7 أكتوبر" جديد، وكل ذلك في سبيل الحصول على ضوء أخضر أمريكي، لمواصلة حرب الإبادة.
والكيان بسلوكه هذا، يهدف إلى وضع العصي في دواليب أي تسوية سياسية، وخلط الأوراق كلما أزفت المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، لمواصلة عدوانه الذي تجاوز الـ1000 يوم.
تضيق الأرض بما رحُبت على أهل غزة، يكابدون النزوح وآلام التهجير والتشريد، وينهش أجسادهم الجوع، ويطول ليلهم.. أما لهذا الليل من آخر؟.
