هل ينقذ القطاع الخاص فيتنام؟
إدموند ج. ماليسكي - فيكتوريا زلومانوف
ترجمة - فاخرة الراشدية
يُصدر الحزب الشيوعي الفيتنامي كل خمس سنوات في مؤتمره وثيقتين رئيسيتين: تقرير سياسي وخطة تنموية اجتماعية- اقتصادية، تحددان توجهات الحكم خلال هذه الفترة. وتكشف الوثائق الصادرة في يناير 2026 عن تحول جوهري في نموذج الحكم: تعزيز الدور المباشر للحزب في إدارة الدولة، مع تبني القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على الشركات الحكومية. ويراهن قادة فيتنام على أن هذا المزيج بين السيطرة السياسية المركزية والنمو بقيادة القطاع الخاص هو السبيل لبلوغ هدف نمو اقتصادي طموح بزيادة 10% سنويًا.
يأتي هذا التحول بعد أن اتضحت، عقب جائحة كورونا، حدود النموذج الاقتصادي القديم (شركات خاصة صغيرة، وشركات أجنبية تنتج معظم الصادرات، وشركات حكومية غير فعّالة لكن يعتمد عليها الحزب لتوزيع الموارد في المناطق الفقيرة)، لأن الشركات الحكومية غير قادرة على المنافسة عالميًا، وتفتقر الشركات الخاصة لرأس المال للتوسع، مما جعل البلاد معتمدة على الشركات الأجنبية، ودائمة التعثر في محاولات الإصلاح الجزئي بسبب مصالح بيروقراطية وإقليمية.
منذ توليه منصب الأمين العام في 2024، عزز تو لام سلطته عبر مكافحة الفساد التي أضعفت الخصوم، حتى أصبح أقوى زعيم فيتنامي منذ عقود، وخلافًا للتوقعات على أنه سيولي الأهمية للقطاع الأمني، إلا أن لام استخدم سلطته لدفع تحول اقتصادي جريء نحو القطاع الخاص، وهو رهانٌ محفوف بالمخاطر قد يُطلق إمكانات البلاد الكامنة أو يعرضها لمخاطر الركود والتآكل.
وقد أدى إلغاء نظام القيادة الجماعي وتوحيد السلطة بيد الأمين العام «تو لام» إلى تسريع اتخاذ القرارات الاقتصادية والتغلب على البيروقراطية السابقة، كما أن التوجيهات الاقتصادية أصبحت تدار مباشرة عبر المكتب السياسي للحزب واللجان التابعة له بدلًا من الوزارات، مع تعزيز نفوذ الحزب داخل إدارة الشركات الحكومية. بالإضافة إلى تصاعد الأجندة الاقتصادية، حيث أظهر التحليل النصي لوثائق المؤتمرات الحزبية (2021-2026) ارتفاعًا كبيرًا في إشارات الحزب ضمن خطط التنمية والتقارير السياسية، مما يعكس توجها مباشرًا لتوجيه وتنسيق الاقتصاد القومي.
القطاع الخاص مُحرك للنمو الاقتصادي
شهدت فيتنام تحولًا أيديولوجيًا وهيكليًا بارزًا بتبني الحزب الشيوعي رؤية جديدة تجعل من القطاع الخاص المحلي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي بدلًا من الشركات الحكومية، وتجلّى ذلك في القرار 68 من وثائق مؤتمر 2026، ويسعى هذا التوجه إلى علاج اختلال هيكلي، حيث تُنتج الشركات الأجنبية نحو 70% من الصادرات دون أن تبني قاعدة صناعية محلية مستدامة، بينما يعاني القطاع الخاص المحلي من ضعف في الاستثمار والابتكار.
ولمعالجة هذا الأمر، يسعى الحزب بناء «أبطال وطنيين» من القطاع الخاص عبر فتح قطاعات استراتيجية أمامه كانت حكرًا على الدولة مثل الطاقة والسكك الحديدية والمطارات، مع خصخصة بعض الشركات الحكومية، كما تتضمن الإجراءات تقديم حوافز ملموسة لحماية ودعم هذه الشركات، تشمل إعفاءات ضريبية للبحث والتطوير وتوفير أراضٍ مدعومة، وتسهيل التراخيص وتقليص التفتيش والتدقيق.
وعلى الصعيد الصناعي والإداري، توجه السياسات نحو مجالات عالية القيمة كأشباه الموصلات والتصنيع المتقدم والطاقة المتجددة، مع تخصيص 3% على الأقل من الموازنة للعلوم والتكنولوجيا. وتزامن هذا مع إعادة هيكلة شاملة للجهاز الإداري شملت دمج الوزارات والمحافظات وتسريح أكثر من 100 ألف موظف حكومي لتقليل تكلفة الأعمال وتسريع تنفيذ الإصلاحات، إلى جانب إسناد إدارة الملف الاقتصادي إلى لي مين هونج (تكنوقراطي ومصرفي سابق) بتعيينه رئيسًا للوزراء الذي بدوره سيعزز من الاستقرار المالي.
آفاق اقتصادية جديدة
ورغم ما يراه بعض المحللين من تشابه بين التجربتين الفيتنامية والصينية في مركزية السلطة السياسية وحملات مكافحة الفساد، إلا أن المسار الاقتصادي للعاصمة الفيتنامية يرسم توجهًا مختلفًا تمامًا، فبينما اتجهت الصين نحو هيمنة الدولة وتعزيز التكتلات الحكومية على حساب القطاع الخاص، اختارت فيتنام المراهنة على القطاع الخاص المحلي كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي.
يأتي هذا التمايز من إدراك القيادة الفيتنامية لحقيقة واقعها الاقتصادي، حيث إنها تفتقر لكثير من المزايا الهيكلية التي تتمتع بها الصين كالسوق الداخلي الضخم، والبنوك السياسية الكبرى، ووفرة رأس المال، ومنظومة التصنيع الواسعة، وهي عوامل مكنت بكين من بناء شركات ضخمة مدعومة من الدولة قادرة على المنافسة العالمية والهيمنة على صناعات بأكملها. ويعد اقتصاد فيتنام أصغر بكثير وأكثر اعتمادًا على التجارة الخارجية وأكثر ارتباطًا بسلاسل التوريد الأجنبية. ولذلك فإن الاعتماد على الشركات الحكومية كان سيلقي بظلاله وضرره على الموازنة العامة ويُبطئ من وتيرة الابتكار والإنتاجية.
ومن هنا ينطلق النموذج الفيتنامي نحو استثمار السلطة المركزية لتذليل العقبات أمام توسع الشركات الخاصة، وترقية قدراتها التكنولوجية، وتسهيل اندماجها في الأسواق العالمية. وهو نموذج يتقاطع في جوهره مع تجارب شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، غير أن فيتنام تختلف عن النماذج التنموية الكلاسيكية في شرق آسيا التي قادتها بيروقراطيات مستقلة سياسيًا، إذ تضع فيتنام الحزب الشيوعي نفسه في قلب استراتيجيتها. ففي فيتنام مؤسسات الحزب هي المسؤولة عن مواءمة الوزارات والحكومات المحلية والشركات المملوكة للدولة مع أهداف التنمية الوطنية.
عقبات وتحديات
تواجه فيتنام تحديات جمة في مسعاها لتطبيق نموذجها الاقتصادي الجديد، إذ أن حالة الانفتاح التي عززت صعودها التنموي على مدى أربعة عقود أصبحت تصيب اقتصادها بالهشاشة، فنظرًا لاعتمادها على الصادرات والاستثمارات الأجنبية وسلاسل التوريد، بات اقتصادها مكشوفًا للغاية أمام الصدمات الجيوسياسية وتقلبات التجارة الدولية.
وليس هذا فحسب، يحمل النموذج الجديد في طياته مخاطر هيكلية، رغم بطئه الإداري كان نظام القيادة الجماعية السابق بمثابة صمام أمان يجبر الفصائل المتنافسة داخل الحزب والمحافظات على التفاوض والتسوية. وبهذا كانت تتوزع ثمار النمو بشكل متوازن لحماية الاستقرار السياسي، أما بالنسبة لمركزية السلطة اليوم، وعلى الرغم من أنها تُسرع اتخاذ القرار وتمنح مرونة أكبر لتنفيذ السياسات الصناعية الجريئة، إلا أن هذه المركزية تُقلص الضوابط المؤسسية التي تساعد على مراجعة القرارات الخاطئة. وهي تجربة تعيد إلى الأذهان مسارات دول مثل الفلبين وإندونيسيا في القرن الماضي، حيث أدى غياب الرقابة على القرارات الفردية الشمولية إلى تعثر تجاربها التنموية الواعدة.
ولطالما بررت السلطة الفيتنامية نجاح حكم الحزب الواحد من خلال ارتفاع مستويات المعيشة واستمرارية النمو، أما الآن فإن القيادة تُقدم على واحد من أكثر التحولات السياسية الاقتصادية طموحًا ومخاطرة في تاريخ آسيا الحديث، إذ حددت هدفًا لاستدامة نمو سنوي في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 10% حتى عام 2030. فإذا نجحت الرأسمالية بقيادة الحزب الجديد في فيتنام فقد تصبح البلاد أخيرًا قوة اقتصادية كبرى في جنوب شرق آسيا. أما إذا فشلت فقد تواجه فيتنام ركودًا اقتصاديًا وقد يتعثر النظام السياسي، وبتركز السلطة اليوم بات مستقبل فيتنام معلقًا على ما إذا كانت القيادة الأقوى ستحقق إصلاحًا دائمًا، أما أنها ستضعف الآليات التصحيحية الذاتية التي حافظت على استقرار البلاد طوال عقود نموها.
إدموند ج. ماليسكي أستاذ الاقتصاد السياسي والسياسات العامة في جامعة ديوك الأمريكية.
فيكتوريا زلومانوفا باحثة متخصصة في الاقتصاد السياسي.
خدمة تريبيون، مجلة فورين أفير.
