صفاء سالم إسكندر: أعترف بأن أنطولوجيا الشعر العراقي الجديد فيها الغث والثمين!
* الأنطولوجيا وثيقة مهمة.. والتصدي لعمل بهذا الحجم يتطلب الشجاعة
* لم نستبعد أي شاعر أو شاعرة ممن تواصلنا معهم بقرار فردي أو تعسفي
* هناك أسماء شعرية حضرت في العمل على قطيعة معروفة مع الاتحاد
مؤخراً صدرت أنطولوجيا للشعر العراقي بعنوان "كتاب القلق"، أشرف عليها ثلاثة شعراء عراقيين يشكِّلون معاً أعضاء "جماعة صفر" الأدبية، وهم صفاء سالم إسكندر وعامر الطيب وإبراهيم ألماس.
خاضوا المغامرة معاً وهم يعلمون ما ينتظرهم، فثمة مَن وضع شروطاً تعجيزية للتواجد، والقصائد نفسها تأرجحت بين الجودة العالية والمتوسطة. كانوا يعلمون أن سهام النقد ستطالهم بمجرد صدور الأنطولوجيا، خاصة مع عدم كفاية مجلد واحد لاستيعاب كل الأسماء الجديدة في الشعر العراقي، ومع استبعادهم كذلك لأي شاعر يكتب القصيدة الكلاسيكية.
في هذا الحوار يتحدث الشاعر صفاء سالم إسكندر بصراحة عن تجربة الأنطولوجيا وكواليسها ابتداء من طرح الفكرة مروراً بعرضها على إدارة اتحاد الكُتَّاب العراقي ثم طباعتها ووصولها إلى أيدي الناس.
أبدأ معك من العنوان وهو "كتاب القلق العراقي". هل "القلق" هو المفردة الأكثر تعبيراً عن شعراء العراق؟
سأكون صريحاً جداً وأحكي الأمور مثلما حدثت، الحقيقة أننا اخترنا أكثر من عنوان في البداية، وحاولنا قدر الإمكان أن يكون الاسم متوافقاً مع الهوية الوطنية، ودالاً دلالة عميقة على رابطٍ باسم العراق، حتى نضمن الإشارة إلى هذا الجيل الشعري الجديد الذي غابت عنه العين الناقدة ولم يتحقق له ما يريد أو يطمح إليه في المشهد الثقافي. الشاعر العراقي مظلومٌ عربياً، فلم يصل بالشكل المأمول إلى القارئ العربي رغم الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، ورغم الأهمية الاستثنائية والعظمة التاريخية للشعر العراقي. في النهاية، اخترتُ هذه التسمية، ووافقني الأصدقاء عليها بعد نقاشات مستفيضة.
يظل "القلق" المفردة الأكثر حيوية وتعبيراً عنا في وقتنا الحالي، وهي تخص الشاعر والمواطن على حد سواء، فليس الشعر مجرد ما يُكتب على الورق فحسب، بل الشعر هو ما يُعاش في تفاصيل اليومي والمجهول. هذا القلق العراقي ليس مجرد حالة عابرة، وإنما هو المحرك الأساسي للتجربة الأدبية، يضعنا أمام أسئلة الوجود الكبرى، ويقترح أكثر من صيغة لكينونتنا ورؤيتنا للعالم من حولنا.
كيف قسَّمت العمل مع رفيقي الكتابة عامر الطيب وإبراهيم ألماس؟ وكيف ظهرت النصوص بشكلها الأخير؟
لم نحدد أنفسنا بأطرٍ ضيقة أو شروطٍ تقليدية قد تقيد ما أردنا جعله وثيقةً شعرية مهمة للتاريخ. وبكل صراحة، كنا خائفين في البداية، فالتصدي لعملٍ أنطولوجي بهذا الحجم يتطلب شجاعةً كبيرة، ومكانة ورصيداً من القبول في الوسط الأدبي، فضلاً عن الجاهزية التامة لتقبل النقد بشتى أنواعه. أما بخصوص التواصل والتنسيق بيننا، فأنت تعرف أننا نشكل ثلاثتنا جماعة شعرية هي "جماعة صفر"، ولنا رؤيتنا الشعرية والجمالية المشتركة التي قدمناها واشتغلنا عليها قبل سنة من الآن.
لقد حاولنا قدر الإمكان أن تكوِّن الأسماء الحاضرة في الأنطولوجيا بمثابة صورة بانورامية شاملة تعكس واقع الشعر الجديد بكل تحولاته. ولأكون صريحاً أكثر: العمل يضم بطبيعة الحال الغث والسمين، وهذا أمرٌ طبيعي ومعقول جداً في أي جهد توثيقي تجميعي، إذ لا أعتقد أن هنالك عملاً أدبياً أو أنطولوجياً يمكن أن يكتمل بنسبة مائة بالمائة أو يحظى بإجماع مطلق.
لم نستبعد أي شاعر أو شاعرة ممن تواصلنا معهم بقرار فردي أو تعسفي، بل عيَّنا أسماءهم مسبقاً وقرأنا تجاربهم الشعرية بعناية ودقة قبل الإقدام على الاختيار. وما حدث هو أننا طلبنا من كل شاعر إرسال مجموعة تتراوح بين خمسة إلى عشرة قصائد، ومن ثم عملنا كفريق على اختيار النصوص الأكثر أهمية وجدة لوضعها في المجلد النهائي.
ما المعايير التي اشتغلتم وفقها؟ وما الصعوبات التي واجهتكم؟
أياً كان جوابي فسيكون جواباً كلاسيكياً إلى حد ما. بصراحة شديدة، اعتمدنا على جيل الشباب والجيل الجديد بنسبة عالية وكبيرة جداً. وقبل إصدار هذه الأنطولوجيا، صدرت أنطولوجيا شعرية صغيرة تحت عنوان "تلويحة لأحلام ناجية"، وقد جُمِعت فيها نصوص شعراء ما بعد عام 2003، وهي تلك الفترة المفصلية والتاريخية في العراق، ومن بعدها جُمِعت نصوص شعراء حركة "ميليشيا الثقافة" في أنطولوجيا خاصة بهم. وقبل هذه الأعمال صدرت أكثر من أنطولوجيا في العراق عبر عقود مختلفة، فكل جيل أدبي له وثيقته التي تؤرخ لحركته، لكن ما أعرفه وأثق به أن "كتاب القلق العراقي" هو أكبر وأشمل أنطولوجيا شعرية تصدَّت للشعر العراقي الجديد حتى الآن.
أما بالنسبة للصعوبات، فقد تمثلت في عملية التصفية والمفاضلة بين الكم الهائل من النصوص، إضافة إلى إقناع الوسط الأدبي بجدوى هذا المشروع في ظل المناخات الفنية السائدة، فضلاً عن صعوبات الطباعة والتنظيم الفني التي تلي جمع المادة.
كيف تعكس الأنطولوجيا تطور الشعر العراقي كما ذكرتم في المقدمة؟
يتجلى هذا التطور من خلال قراءتنا للتحولات النصية في الشعر العراقي ابتداءً من جيل الستينات المتأهب، مروراً بالأجيال اللاحقة، وصولاً إلى جيلنا الحاضر الذي يرفض مفهوم الأبوة الشعرية والوصاية النقدية بشكل صريح. هذا الرفض بالذات هو الذي خلق المفارقة الجمالية، وولَّد القدرة والمغامرة لدى الشعراء الجدد على التمكن من إيجاد موضوعات جديدة، ولغة مبتكرة، ومفردات تختلف كلياً عن تجارب السابقين الذين لم يرتبط الجيل الجديد معهم بأي رابط تقليدي أو اتباعي. نحن أمام جيل مختلف كلياً، له قراءته الخاصة للواقع، ومشاكله الفنية والوجودية الخاصة به.
ودعني ألمح إلى شيء هام هنا، أن الجيل القادم بعدنا هو أكثر تمرداً وسريالية في فهم الفن والشعر وكتابته. إنه جيل يمتلك حضوراً ورؤية مختلفة كلياً، وهذا واقع ملموس ومُدرَك بالنسبة لنا. وأريد أن أشبه شعراء الجيل القادم بأنهم يشبهون صنَّاع الأفلام السينمائية في نصوصهم، فهم يعيشون تفاصيل الشعر ويلتقطون اللقطات الخاطفة ببراعة بصرية، وقد حضر بعضهم في هذه الأنطولوجيا، بينما فضَّل آخرون عدم المشاركة لأنهم شعروا أن تجربتهم لم تكتمل فنياً بعد، إن صح التعبير.
ماذا يعني أن عملية الاختيار بعيدة عن الأيديولوجيا؟
يعني ذلك أن نكون مخلصين لروح الشعر فقط، وللجمال المطلق بتعريفه اللامحدود، وأن نكون فوق التسميات والشعارات والأيديولوجيات الضيقة. أنت تعرف جيداً وضع العراق وبيئته السياسية والاجتماعية المعقدة، وربما نكون بسببه معرَّضين للمحاكمة بناءً على شيء آخر غير النقد الشعري والجمالي. إن النص على البُعد الأيديولوجي ليس نابعاً من خوفٍ تام من هذا الموضوع بقدر ما هو تمثلٌ للمثل القائل "الباب الذي يأتيك منه الريح سده واستريح". لقد أوضحنا ذلك بصراحة في المقدمة حتى لا يبالغ مَن يسعى لتسييس العمل في ردة فعله، فالأدب والفن مقولتان مختلفتان تماماً عن السياسة والتقسيمات الحكومية أو الحزبية.
لماذا اخترتم العمل على الجيل الجديد فقط؟ هل هو تكليف من اتحاد كتَّاب العراق أم أنها فكرتكم؟ ولماذا حرص على إبراء ساحته بالتأكيد في مقدمته على أن الاختيارات ليست له وإنما لكم؟
لم يتدخل اتحاد الأدباء والكُتَّاب في العراق بأي شكل من الأشكال في مضمون العمل أو خياراته، ولم يفرض علينا اسماً واحداً طوال فترة الإعداد. كانت هذه الأنطولوجيا رغبتنا الناتجة عن مبادرتنا الشخصية، وطلبنا من إدارة الاتحاد تبنِّي المجلد بعد أن قدَّمنا لهم ورقة عمل متكاملة تتضمن مقترحات تشخص المشاكل الأدبية للشباب وتضع حلولاً لها، وقد استجابت إدارة الاتحاد للمشروع بشكل ممتاز ودعمت خروج المجلد إلى النور.
أما مقدمة الاتحاد، فقد جاءت من أجل بيان أهمية هذا العمل الوطني وإبراز قيمته، وتأكيده على عدم تدخله في اختيار الأسماء بأي شكل جاء لإبعاد شبهة التحيُّز الرسمي. والدليل على ذلك أن هناك أسماء شعرية حداثية حضرت في هذا العمل وهي على قطيعة معروفة مع الاتحاد ولها موقف فكري أو أدبي معلن منه، ومع ذلك لم يعترض الاتحاد ولم يطالب برفع أي اسم منها، بل كان على موقف عالٍ من الجدية، والموضوعية، والمرونة في التعامل معنا.
ماذا تُحقِّق فكرة الأنطولوجيا بشكل عام؟ هل هي للحفاظ على إرث أم لتقديم جديد؟
الأنطولوجيا في جوهرها هي وثيقة تاريخية وأدبية فائقة الأهمية، وإن لم تظهر أهميتها الكاملة للبعض اليوم، فستكون حتماً وثيقة مرجعية غداً. لقد قدمت الأنطولوجيا الأصوات الجديدة والأنماط المعاصرة، وستتحول مع مرور الزمن إلى إرث مهم يمثل هذه المرحلة الحساسة والمعقدة في تاريخ العراق والعالم.
صحيح أننا نعيش في زمن تسيطر عليه مشاعر اللاجدوى تجاه كل شيء، وفي ظل ظروف قاسية وضغوطات ضخمة تحيط بنا من كل جانب، لكن مع ذلك، يبقى الرهان دائماً على الأدب. يظل من واجبنا وشغفنا أن نسعى بجدية لبيان قدرة اللغة العربية والشعرية العراقية على خلق الجمال والأمل من قلب الركام والعدم.
لماذا تجاهلتم بعض الشعراء؟
نحن لم نتجاهل أحداً بسبق إصرار، ولكننا ببساطة لا نستطيع جمع كل شعراء العراق الجدد في مجلد واحد، وتعرف أن العراقي إن لم يكن شاعراً فهو متذوق شعر من الطراز الرفيع والخطير! الأراء تباينت بالطبع، فبعضهم قال إن عدد الأسماء المشاركة كبير جداً، والبعض الآخر رأى أن العدد كافٍ ووافٍ للتعبير عن المرحلة.
ولكننا في الحقيقة نخطط ونطمح لعمل جزء ثانٍ مستقبلاً يضمن وجود شعراء آخرين لهم حضورهم وتجاربهم المهمة التي لم يسعفنا الحجم أو الوقت لإدراجها في الجزء الأول، ونتمنى أن تتحقق لنا الظروف المناسبة للقيام بذلك. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن هنالك بعض الأسماء المعدودة هي مَن رفضت الحضور والمشاركة في هذا العمل بملء إرادتها، بينما تمادى البعض الآخر في وضع شروط وطلبات تعجيزية لكي يكون موجوداً، وهو ما لم نستطع الاستجابة له للحفاظ على استقلالية العمل ورصانته.
في تقديرك هل يطاول الشعراء الجدد قامات الشعر العراقي من الأجيال السابقة أو حتى من شعراء القصيدة العمودية القديمة؟
تعرف أن هناك الآن في العراق شعراء من الجيل الجديد أبدعوا بشكل لافت في كتابة القصيدة العمودية ولهم حضورهم الجماهيري والأدبي المميز، لكن الشكليات العمودية في الحقيقة لا تعبر عن روح وحساسية هذه المرحلة الراهنة بأسئلتها القلقة، ولذلك اتخذنا قراراً منهجياً بعدم إدراج أي اسم من شعراء القصيدة العمودية والتركيز على أشكال التحديث.
أما بخصوص التساوي أو الوصول إلى القامات الشعرية التاريخية، فجواب ذلك صعب ومعقد حقاً، فلا يمكنك مقارنة تجربة ما زالت تُشكِّل ملامحها بتجربة الماضي المستقر والمكرس. القياس هنا ظالم لكلا الطرفين، والتاريخ وحركية النقد هما الوحيدان القادران على إصدار مثل هذا الحكم في المستقبل.
لماذا لم تضمِّنوا سِيراً للشعراء في الأنطولوجيا؟ ما الفلسفة خلف نشر الشعر فقط؟
اختلفنا حول هذه الجزئية قليلاً في بداية العمل، ولكن بعد معاينتي وتدقيقي في العديد من الأنطولوجيات العالمية والعربية السابقة، تبيَّن لي أن الأمر طبيعي وشائع جداً بأن تمضي الأسماء مجردة مع نصوصها، إذ إن النصوص الذاتية هي أعظم وأصدق سيرة ذاتية يمكن أن يقدمها الشاعر لنفسه وللقارئ، ولم يختلف معي الأصدقاء عامر الطيب وإبراهيم ألماس في ترجيح هذه الفلسفة والاعتماد عليها.
هل ترى أن شعراء العراق منكفئون على أنفسهم بعيداً عن حركة الشعر في العالم العربي؟
ليسوا منكفئين برغبتهم، بل لم تتح لهم الفرصة الكافية للحضور الفاعل والانتشار، وفرص الطبع والنشر في الدور العربية الكبرى، حتى يستطيعوا تقديم المفاتيح القرائية اللازمة لنصوصهم أمام الجمهور العربي. حتى حركة النقد العربي الحالية ما زالت غافلة ولا ترى الأسماء الجديدة، بل تكتفي بالتركيز على القامات الشعرية العراقية الكلاسيكية والمكرَّسة.
وهنا تكمن صعوبة أن تكون شاعراً شاباً في العراق اليوم، إذ عليك أن تتحدى وتواجه ذائقة كلاسيكية وأخرى حداثية مكرَّسة في الوقت نفسه. المقياس النقدي والسائد لديهم ما زال يتوقف عند أسماء مثل الجواهري، والسياب، وسعدي يوسف، وسركون بولص كأمثلة، وهذا يوضح حجم الصعوبة والتحدي فيما نريد الوصول إليه وتحقيقه شعرياً.
أخيراً.. كيف تصف هذه الأنطولوجيا؟
أصفها بأنها عمل مهم، ووثيقة شعرية وتاريخية لا يمكن الاستغناء عنها لكل من يريد فهم التحولات الفنية في العراق. لقد جاءت في وقتٍ مفصلي كان ينبغي لنا فيه أن نعبّر عن أنفسنا وشعرنا وعالمنا بشكل جاد وممتاز، وهي كما ذكرت لك سابقاً تمثل صورة بانورامية شاملة وحية للشعر العراقي الجديد.
