لن أنسى عبارة قالها الراحل الكبير محمود درويش وهو ينزل درجات مكتبه في مجلة الكرمل برام الله، بعد وصوله فلسطين بعام، كنا أربعة شبان، ننزل معه الدرجات، وكنا نتمنى أن يكون عدد الدرجات مليون درجة، حتى نظل ننزل وننزل معه، لا أتذكر سياق الجملة، لكني أتذكر أنها قريبة من رد على سؤال: أين ستذهب نصوصك بعد موتك أستاذ محمود؟ قال محمود؟( سيقرأها قراء جدد مجهولون بالنسبة لي، وأظنهم من النوع الذي ينام في سرير الثقافة الإلكترونية، في غمرة انشغالهم، وسعار عواطفهم السمجة ستضيع من بين أيديهم البوصلة لأنهم في زحام القصائد الكثيرة الهستيرية على الشبكة العنكبوتية، سيخلطون الحابل والنابل، سأكون أنا جثة متعفنة تحت الأرض ولا قدرة لي على الاستياء لكن البركة فيمن يحبني ويعرفني جيدا).
لم نفهم بالضبط ماذا كان يقصد محمود، اختلفنا على التفسير، قلت لهم: يا شباب محمود يتنبأ أنه بعد وفاته سيتم سرقة نصوصه، بسهولة، آخر قال لا لا أظنه قصد ذلك هو يقصد أن ثمة نصوصا له سيتم التغيير فيها ونشرها بصيغ أخرى، آخر قال والله لم أفهم مقصده؟.
نسينا كل ذلك، أو أردنا أن لا نفكر بالموضوع هذا لأنه مربوط بفكرة رحيله، ونحن نحبه جدا ونخاف رحيله، ولا نريد أن نصدق أنه قابل للرحيل، لأن وجوده حتى الجسدي منغرس فينا، مجرد دوامه الصباحي في مكتبه أو مجرد معرفتنا أنه مثلا في إيطاليا يقرأ شعرا، أو مجرد أن نراه في مسمكة من بعيد، أو على إشارة ضوئية، كل ذلك مطمئن، ويبعث على جمال خاص غامض، قد يبدو المشهد غير مريح لأنه ربما يحمل جرعة تقديس مبالغ فيها، ليس والله تقديسا بالتأكيد أنه عثور على ما نبحث عنه بعد طول جفاف إبداعي ولغوي ورؤيوي، بعد حصار احتلالي للكتب والنصوص وحرية الحركة والتخويف والقتل والإذلال، لو عرفتم سياق تعلقنا بمحمود شعرا ووجودا ماديا، لعذرتم هذا التعلق، كانت فلسطين قبل عودته غارقة في سطحيتها ثقافياـ كانت تجتر المعاني، اجترارا، وكنا نبحث عن مخلص ثقافي أو عن دليل ابداعي ومرشد نفسي، و طبيب لغوي.
بعد وفاة الشاعر في صيف 2008 أصابنا في البداية ما يمكن أن أسميه صدمة غياب النموذج، أو المعلم، لكن ما خفف عنا جميعا أننا كنا قد تخلصنا (بعد سنوات من تعرفنا عليه،(من هالة التعلق الهستيري، صار محمود وبفضل تعليماته النموذج المضيء الذي يمكن إبداء عدم الرضى عن ديوان جديد له، لم نحب بعض قصائده التي كتبها تحت ضغط عبء الانتفاضة الثانية، وكان لطيفا في تفسيره لاضطراره الانحناء للشهداء انحناءة ربما تكون أضرت بالشعر.
سنوات بعد الرحيل، كانت كافية لأن تجعلنا نتصدى للأذى الذي يتعرض له شعر محمود، على الشبكة العنكبوتية، حدث ذلك بعد أن استرجعنا عبارات الدرج، ونحن ننزل معه، الآن فهمنا مخاوف الشاعر، كان يتنبأ وهذا ما حدث أن اسمه سيساء استخدامه، العشرات من الجمل الشعرية العاطفية البائسة الركيكة يكتب اسم محمود تحتها، في المواقع الإلكترونية الشخصية والعامة وحتى الصحف، المئات من العبارات الأقرب للأمثال الفلسفية والحكم وحتى النكات، يتم نسبها إليه، هذه الظاهرة أرعبتنا، نحن الذي أحببناه وانتظرناه، صممنا صفحة الفيس بوك سميناها (دفاعا عن اسم الشاعر) كانت مهمتنا فضح المتلاعبين الفارغين والكسالى وناقلي التزوير، كلما قرأنا عبارة عشق أو وطن نسبت زورا للشاعر كنا ننشرها في صفحتنا ونكشف زيفها، ونطلب من القراء عدم المساهمة في نشرها.
هل ساهمنا في التخفيف من هذه الظاهرة،؟ لا نعرف، لكننا راضون عن وفائنا، وحزينين في ذات الوقت لأن الظاهرة البشعة ما زالت مستمرة، ويبدو أن استمرارها مرتبط بموت محمود، فما هو الميت؟ هل هو فقط من توقف عن التنفس؟ أم هو من بات عاجزا عن الدفاع عن نفسه؟ والصراخ في وجه لصوص التعاسة العاطفية؟
أين تذهب نصوص الشاعر الحقيقية بعد موته؟. إلى قلوب محبيه ومنتظريه. وأين تذهب نصوصه التي يزوّرها الفارغون؟ إلى مزبلة الشعر.