No Image
المحافظات

القيظ في الداخلية .. موسم صيفي ارتبط بالعمل والتكافل وصناعة الذكريات الجميلة

04 أغسطس 2026
04 أغسطس 2026
حين كانت المزارع تجمع الناس قبل الثمار

مع حلول فصل الصيف من كل عام، تستعيد ولايات محافظة الداخلية ملامح موسم ارتبط طويلًا بحياة الإنسان العُماني، وهو موسم «القيظ»، الذي لم يكن مجرد فترة لجني الرطب وقطف ثمار النخيل، بل مناسبة اجتماعية متكاملة تتجدد فيها العلاقات الإنسانية وتُستحضر خلالها قيم التعاون والتكافل والتواصل بين أفراد المجتمع.

ففي الماضي، كانت المزارع والواحات تتحول إلى مقصد للعائلات مع بداية نضج الرطب؛ حيث تنتقل الأسر لقضاء جزء من أوقاتها بين النخيل ومجاري الأفلاج، وتشارك في أعمال الجداد وتجهيز الثمار وحفظها. ولم يكن القيظ مجرد موسم زراعي فحسب، بل شكل جزءًا من الذاكرة الجمعية للعُمانيين، بما يحمله من حكايات وذكريات ومواقف إنسانية ما زالت حاضرة في وجدان الكثيرين.

ورغم ما شهدته الحياة من تغيرات متسارعة، وما فرضته أنماط المعيشة الحديثة من تحولات اجتماعية واقتصادية، فإن القيظ لا يزال يحتفظ بمكانته الخاصة، باعتباره موسمًا يجمع بين الإرث الزراعي والقيم الاجتماعية الأصيلة التي ارتبطت بالمجتمع العُماني عبر الأجيال.

حين كانت المزارع بيتًا ثانيًا للأسر

يستعيد الدكتور عبدالله بن سليمان الريامي جانبًا من ذكريات القيظ في محافظة الداخلية، مؤكدًا أن هذا الموسم كان يمثل محطة سنوية ينتظرها الجميع لما يحمله من أجواء خاصة تجمع بين العمل واللقاء الاجتماعي؛ ويقول الريامي: إن الأسر كانت تستعد للقيظ قبل بدايته بوقت كافٍ، من خلال تهيئة المزارع وتنظيفها وتجهيز مستلزمات الإقامة المؤقتة، استعدادًا لقضاء أوقات طويلة بين النخيل وظلال الأشجار. وكانت الحركة تدب في المزارع منذ ساعات الصباح الأولى؛ حيث يتوزع أفراد الأسرة بين أعمال جني الرطب وجمعه وفرزه وتجهيزه، في مشهد يعكس روح التعاون التي سادت المجتمع آنذاك.

ويضيف: إن المزارع كانت بمثابة بيت ثانٍ للعائلات، لا سيما خلال مواسم نضج الرطب؛ حيث يلتقي الأقارب والجيران بصورة يومية تقريبًا، وتتحول الواحات إلى أماكن عامرة بالحركة والنشاط. وكان الأطفال يرافقون آباءهم وأجدادهم إلى المزارع، فيتعلمون منذ الصغر أهمية النخلة وقيمة العمل والاعتماد على النفس.

ويشير إلى أن القيظ كان مناسبة تتجاوز الجانب الزراعي؛ إذ ارتبط باللقاءات الاجتماعية والزيارات المتبادلة وتبادل أصناف الرطب بين الأسر، فضلًا عن الجلسات المسائية التي تجمع الأهالي لتبادل الأحاديث واستذكار المواقف والقصص. وكانت هذه التفاصيل البسيطة تمنح الموسم طابعًا خاصًا يرسخ في الذاكرة ويعزز مشاعر الألفة والانتماء.

ويؤكد الريامي أن أجمل ما يميز تلك المرحلة هو بساطة الحياة وروح التعاون بين الناس؛ حيث كان الجميع يشارك في الأعمال الزراعية بروح جماعية، دون انتظار مقابل أو منفعة شخصية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من هذه القيم لا تزال حاضرة وإن تغيرت بعض مظاهرها مع تطور الحياة الحديثة؛ ويختتم حديثه بالتأكيد على أهمية تعريف الأجيال الجديدة بموروث القيظ وما يرتبط به من عادات وقيم اجتماعية، حتى يبقى هذا الإرث حاضرًا في الذاكرة الوطنية، باعتباره جزءًا من تاريخ المجتمع العُماني وهويته الثقافية.

مظاهر اختفت

ويشير الريامي إلى بعض المظاهر التي كانت موجودة في السابق ومن بينها الانتقال إلى المزارع بنزوى في موسم القيظ للقاطنين خارج الولاية؛ حيث تقوم الأسر وخاصة من قرى تنوف وقرى الجبل الأخضر باستطناء ضواحي أموال ونصب الخيام والعرشان عليها لقضاء موسم القيظ في جني الرطب وتجفيف التمور والاستفادة منها لفصل الشتاء؛ حيث يقومون بتخزينها في -كما يمسى محليًا- «النضد»، وكانت هذه الأسر تندمج مع قاطني القرى كأنهم أهل وجماعة، إلا أن هذه الظاهرة تلاشت تمامًا بعد استقرار الأسر وتوفّر الرطب والتمور إضافة إلى عدم الاهتمام الكافي بالنخلة؛ أما الظاهر الثانية فكانت ظاهرة التبسيل التي اختفت تمامًا من محافظة الداخلية، وهي تجميع تمور نخيل المبسلي وطبخها في مراجل خاصة ثم تجفيفها وتصديرها للاستفادة منها في صناعات مختلفة، وكانت هذه المناسبة تظاهرة اجتماعية يشارك فيها الكبير والصغير والرجال والنساء وتعدّ بمثابة مهرجان سنوي بمعنى الكلمة، إلا أن قلة المردود حاليًا وضعف التسويق إضافة إلى تناقص أعداد نخيل المبسلي أنهت هذه الظاهرة تقريبا.

موسم يجمع الناس

قبل أن يجمع الثمار

من جانبه، يرى الدكتور هلال بن محمود البريدي أن أهمية القيظ لا تكمن في مردوده الزراعي فحسب، بل فيما يحمله من أبعاد اجتماعية وإنسانية عميقة أسهمت في تشكيل ملامح المجتمع العُماني عبر عقود طويلة؛ إذ يؤكد أن موسم القيظ ارتبط تاريخيًا بعادة الانتقال والترحال السنوي الجماعي إلى الواحات ومزارع النخيل؛ حيث تجتمع الأسر الممتدة ويلتقي الأقارب بعد فترات من الانشغال، فيتحول الموسم إلى ملتقى اجتماعي يعزز التماسك الأسري ويقوي الروابط بين أفراد المجتمع. ويضيف إن هذه التجمعات كانت تتيح فرصًا أكبر للتواصل والتعارف وتفقد أحوال الناس، كما تعزز قيم الكرم والتعايش من خلال تبادل الزيارات والاجتماع في المجالس العامة ومشاركة الآخرين خيرات الموسم من مختلف أصناف الرطب.

ويشير البريدي إلى أن القيظ لعب دورًا مهمًا في تعزيز الترابط المجتمعي من خلال إحياء ثقافة «الفزعة» والعمل الجماعي؛ حيث يتعاون الأهالي والجيران في أعمال الجداد وتجهيز مواقع حفظ وتجفيف الثمار، في صورة تجسد روح التكافل التي عُرف بها المجتمع العُماني.

كما كانت اللقاءات اليومية في «السبلة» العُمانية تشكل مساحة للتشاور وتبادل الآراء ومناقشة شؤون المزارع وتنظيم الاستفادة من مياه الأفلاج، الأمر الذي أسهم في تقوية أواصر الجيرة وتعزيز التفاهم بين الناس.

ويرى البريدي أن النخلة لم تكن مجرد شجرة مثمرة، بل كانت محورًا تدور حوله منظومة اجتماعية متكاملة، تجمع الناس على العمل والتعاون وتمنحهم فرصة لتوثيق العلاقات الإنسانية في إطار من المودة والاحترام المتبادل.

وحول استمرار هذه القيم في الوقت الحاضر، يؤكد أن كثيرًا منها لا يزال حاضرًا في المجتمع العُماني رغم التحولات التي فرضتها الحياة المعاصرة؛ حيث تحرص العديد من الأسر على العودة إلى قراها وبلداتها الأصلية خلال الإجازات الصيفية للمشاركة في أجواء القيظ واستحضار جانب من ذكريات الماضي.

ويضيف إن عادة إهداء «البشائر» الأولى من الرطب للأهل والجيران والأصدقاء ما زالت تمثل إحدى الصور الجميلة التي تعكس استمرار قيم التواصل والتراحم، وتؤكد أن القيظ لا يزال يحمل بعدًا اجتماعيًا يتجاوز الجانب الزراعي والاقتصادي؛ وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن بعض الممارسات والعادات المرتبطة بالقيظ شهدت تراجعًا نسبيًا نتيجة تغير أنماط الحياة وتزايد الارتباط بالوظائف والأعمال الحديثة، إلا أن ذلك لا يلغي استمرار حضور القيظ بوصفه جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع العُماني. ويؤكد أن المحافظة على هذا الموروث تتطلب مزيدًا من الجهود لتوثيق قصصه وعاداته ونقلها إلى الأجيال الجديدة، سواء من خلال البرامج الثقافية أو المبادرات المجتمعية أو الأنشطة التعليمية التي تسلط الضوء على أهمية النخلة ومكانة القيظ في تاريخ عُمان.

ذاكرة تتجدد مع كل موسم

ورغم ما شهدته الحياة من تغيرات متسارعة، يبقى القيظ أكثر من مجرد موسم لجني الرطب أو مناسبة زراعية عابرة؛ فهو ذاكرة جماعية تختزن قصص العمل والتعاون والتواصل الإنساني، وتعكس جانبًا مهمًا من علاقة الإنسان العُماني بأرضه ونخيله ومجتمعه.

وبين ذكريات الآباء والأجداد الذين عاشوا تفاصيله يومًا بيوم، وحرص الأجيال الحالية على استحضار بعض ملامحه والمحافظة على قيمه، يواصل القيظ حضوره بوصفه إرثًا اجتماعيًا وثقافيًا متجددًا، يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن النخلة ستظل رمزًا للعطاء، وأن القيظ سيبقى موسمًا يجمع الناس قبل أن يجمع الثمار.