تطور التكنولوجيا توسع الفجوة بين الأجيال .. والحوار والاحتواء ضرورة لتحقيق التوازن
يتعرض الجيل الحالي لكمٍّ واسع من الأفكار والثقافات عبر المنصات الرقمية المختلفة، في ظل التحولات المتسارعة في وسائل التواصل وتلقي المعرفة، وهو ما أحدث اختلافًا في طرائق التفكير والتفاعل مع القضايا الاجتماعية مقارنة بالأجيال السابقة، وانعكس على بعض القيم المجتمعية والأنماط السلوكية.
واتفق عدد من أولياء أمور أن ثمة فجوة واضحة بين الأجيال الحالية والسابقة، مشيرين إلى ضرورة التركيز على تكثيف التوعية بالمبادئ والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى اقتحام منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها لجميع المنازل مما أحدث انفتاحا اجتماعيا وثقافيا وسلوكيا كبيرا.
تقول زكية البسامي: إن التكنولوجيا قرّبت أبناءنا من العالم، لكنها في الوقت ذاته أبعدتهم عن جلسات الأسرة والحوار المباشر، وهو ما نلحظه بشكل واضح، خاصة خلال فترات الإجازات. وأوضحت ضرورة توعية الأبناء بالمخاطر الحقيقية للاستخدام المتواصل وغير المسؤول لبعض برامج التواصل الاجتماعي، مؤكدة أهمية تعزيز التجمعات الأسرية اليومية، وتنظيم أنشطة ترفيهية للأبناء؛ للحد من مدة استخدام الأجهزة، وتقليل الوقت الذي يقضونه في تصفح هذه البرامج.
الفهم المتبادل
ويرى شهاب الناصري أن وسائل التواصل الاجتماعي تُعد أحد أبرز أسباب اتساع الفجوة بين الأجيال، لما لها من تأثير متزايد في أفكار الشباب وأنماط تفكيرهم، مشيرًا إلى أن هذا الاختلاف يمكن تجاوزه من خلال التفاهم والاحترام المتبادل بين الأجيال. وأوضح أن الأبناء بحاجة إلى من يفهم تحدياتهم ومتغيرات عصرهم، لا إلى من يكتفي بمقارنة واقعهم بما عاشه في الماضي، مضيفًا: "لكل جيل ظروفه الخاصة، ولا يمكن أن نطالب أبناءنا بأن يعيشوا بالطريقة نفسها التي عشناها من قبل، لكن ينبغي أن يحافظوا على العادات الأصيلة ويتمسكوا بها".
وترى ليلى الهنائي أن الفجوة بين الأجيال في العصر الرقمي تمثل انعكاسًا طبيعيًا للتحولات التقنية المتسارعة التي أعادت تشكيل أنماط التفكير والتواصل وتلقي المعرفة، إلا أن تجاوز هذه الفجوات يظل ممكنًا من خلال بناء جسور راسخة من الحوار والتفاهم المتبادل، وتعزيز ثقافة التقارب بين الأجيال. وأكدت أهمية ترسيخ التواصل الأسري والاجتماعي، وإيجاد مساحات مشتركة للحوار وتبادل الخبرات، بما يسهم في تعزيز الانسجام المجتمعي وتحقيق التوازن بين الاستفادة من المنجزات الرقمية والمحافظة على القيم والهوية الثقافية. كما أشارت إلى أهمية تمكين الأبناء من اكتساب مهارات جديدة وتوجيه طاقاتهم نحو أنشطة نوعية تثري معارفهم، وتنمي قدراتهم، وتساعدهم على استثمار أوقاتهم بصورة إيجابية وفاعلة.
وأوضح محمود اليعقوبي أن أبناء اليوم يمتلكون قدرات تقنية متقدمة ومهارات رقمية واسعة في مختلف المجالات، إلا أنهم في الوقت ذاته بحاجة إلى تحقيق التوازن بين مواكبة التحولات المتسارعة في العصر الحديث، والتمسك بالقيم الأصيلة التي تشكل أساس هويتهم وتمتد آثارها معهم طوال حياتهم. وأشار إلى أن الفجوة بين الأجيال ليست عائقًا يستحيل تجاوزه، بل يمكن تحويلها إلى فرصة ثرية لتبادل الخبرات وتعزيز التكامل بين التجارب والرؤى؛ فالكبار يقدمون رصيدًا من المعرفة والتجربة، بينما يقدم الشباب أفكارًا جديدة ورؤى مبتكرة، وهو ما يحقق منفعة مشتركة للطرفين، ويسهم في تقليص مساحات الاختلاف، وترسيخ الاحترام المتبادل، وتعزيز الدعم الواعي بين الأجيال.
التغيير والتجديد
وفي السياق ذاته، يقول الدكتور أمجد بن حسن الحاج، أستاذ العمل الاجتماعي المشارك بجامعة السلطان قابوس: إن الفجوة بين الأجيال أصبحت أكثر وضوحًا في ظل التحولات التقنية المتسارعة واختلاف القيم وأنماط التفكير؛ إذ تنشأ العديد من التباينات بين الفئات العمرية المختلفة نتيجة اختلاف طرق تعاملها مع التكنولوجيا ودرجة تقبلها للتغيرات المتلاحقة. وأوضح أن التقنية أصبحت جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية، الأمر الذي أسهم في إعادة تشكيل أساليب التواصل والتعلم والتفاعل الاجتماعي، وأوجد تفاوتًا في الخبرات الرقمية بين جيل وآخر.
وأشار إلى أن الأجيال لا تعيش في جزر منفصلة، بل تتعلم من بعضها بعضًا، رغم اختلاف سرعة التكيف وطبيعة التعامل مع المستجدات، مما يبرز تفاوتًا بين الواقع الحالي والتوقعات المرتبطة بقدرة كل جيل على مواكبة التحولات. وضرب مثالًا بالتطور المتسارع في مجالات التقنية، موضحًا أن الفارق يظهر بصورة أكبر في أنماط استخدام هذه الوسائل بين الأطفال والشباب وكبار السن؛ فالشباب بحكم طبيعتهم الأكثر ارتباطًا بالتجديد والتجربة يتفاعلون بصورة أسرع مع المستحدثات الرقمية، في حين يحتاج كبار السن إلى وقت أطول للتكيف معها، نتيجة ارتباطهم بأنماط وأساليب اعتادوا عليها في مراحل سابقة من حياتهم.
العوامل الاجتماعية
ويشير الدكتور أمجد إلى أن التطورات المتسارعة في التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة تعد من أبرز العوامل التي أسهمت في اتساع الفجوة بين الأجيال، إذ أدى الانتشار الواسع لهذه التقنيات عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى اختلاف أنماط التفاعل والتواصل بين الفئات العمرية المختلفة. كما أوضح أن العوامل الاقتصادية أسهمت بدورها في تعميق هذا التفاوت، نظرًا لما أتاحته التكنولوجيا من فرص ومكاسب مادية في مجالات الأعمال والتجارة، وما صاحب ذلك من تفاوت في القدرة على توظيفها والاستفادة منها.
وأضاف أن العوامل الاجتماعية كان لها أثر واضح في تشكيل هذه الفجوة، نتيجة ارتباط مختلف الأجيال بالتقنيات الرقمية في تواصلهم اليومي، واعتمادهم المتزايد على شبكات التواصل الافتراضي، الأمر الذي أدى إلى تحول جزء من العلاقات الإنسانية المباشرة إلى أنماط تواصل غير مباشرة تتسم بالاتساع والسرعة والتنوع. وأشار إلى أن هذا النوع من التواصل استقطب الشباب بصورة أكبر، لما يوفره من مساحات واسعة للتعبير والتفاعل وتبادل الأفكار بعيدًا عن بعض القيود التقليدية.
وأضاف أن تأثير هذه العوامل يختلف باختلاف درجة تقبل الأجيال لها ومستوى استخدامها، موضحًا أن العولمة جعلت العالم متاحًا عبر شاشة الهاتف الذكي، بما يتيح التواصل مع مختلف الثقافات والأفراد في أي زمان ومكان. وأكد أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تعزيز التقارب بين الأجيال، إلا أن درجة تأثيرها تختلف من جيل إلى آخر؛ فالشباب يستخدمون هذه الوسائل بمختلف أشكالها المرئية والمسموعة والمكتوبة، وعبر منصات متعددة ومتنوعة، الأمر الذي قد يفرض تحديات مرتبطة بالمحافظة على القيم والعادات والهوية الثقافية في ظل الانفتاح الواسع على العالم الخارجي.
وفي المقابل، يظل استخدام كبار السن لهذه الوسائل أقل مقارنة بالشباب، وغالبًا ما يتركز في تطبيقات محددة للتواصل، وفي نطاق اجتماعي أكثر محدودية، وهو ما يعكس اختلافًا في طبيعة الاستخدام ومستوى التفاعل مع التحولات الرقمية بين الأجيال.
احتواء الشباب
ويوضح الدكتور أن التحولات المتسارعة في التكنولوجيا تؤثر في مختلف الأجيال، إلا أن فئة الشباب تعد الأكثر إقبالًا عليها، بحكم طبيعة هذه المرحلة العمرية التي تتسم بحب الاستكشاف والرغبة في التجربة والتعرف على كل ما هو جديد. وأشار إلى أن هذا التفاوت في مستوى التفاعل مع التكنولوجيا قد يسهم في اتساع الفجوة بين الأجيال، خاصة من حيث درجة القبول بالتغيير والقدرة على التكيف مع المستجدات الرقمية.
وأكد أن التكنولوجيا أصبحت واقعًا حاضرًا لا يمكن تجاهله في عالم الاتصالات، في ظل التطور المستمر في شبكات الاتصال وما يرافقه من تطور متسارع في الأجهزة والتطبيقات، موضحًا أن الوسائل التي كانت تلبي احتياجات المستخدمين في السابق لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات العصر الرقمي الحالي. وأضاف أن هذا التسارع دفع الشركات إلى الاستثمار في الابتكار والتنافس المستمر لتطوير منتجاتها وخدماتها والبقاء في سوق يشهد تغيرات متلاحقة.
وأشار إلى أن سرعة التحول التكنولوجي قد تجعل من الصعب على بعض الأجيال الأكبر فهم اهتمامات الشباب وأفكارهم وأنماط تفاعلهم في الوقت الراهن، مؤكدًا أن التغيير سمة ملازمة للحياة، وأن الاختلاف بين الأجيال في سرعة التكيف مع المستجدات أمر طبيعي. وأوضح أن التعامل مع هذا الواقع يتطلب من جيل الكبار تعزيز الحوار مع الشباب، وفهم احتياجاتهم وتطلعاتهم، بما يسهم في تقليص الفجوة المعرفية والتقنية بين الأجيال.
وأضاف أن القيم الأخلاقية والاجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر، كما تتأثر بالتحولات المحيطة بها، إلا أن وجود منظومة من القيم الراسخة يظل ضرورة للحفاظ على تماسك المجتمع وتعزيز ترابط أفراده. وشدد على أهمية غرس القيم الأصيلة لدى الأجيال الجديدة، وترسيخها بما يضمن استمرارها مع مرور الزمن، بالتوازي مع الاستفادة الواعية من التطورات التكنولوجية.
وحول تحقيق التوازن بين المحافظة على التقاليد والانفتاح على التحولات الحديثة، أكد الدكتور أمجد أن التعليم يمثل أحد أهم المسارات لتحقيق هذا التوازن، من خلال بناء وعي النشء بالقيم والهوية الوطنية والمواطنة المسؤولة، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع المتغيرات بروح واعية ومتوازنة. وأشار إلى أن تعزيز فرص التواصل والتبادل بين الأجيال يسهم في تقليل الفجوات وتعزيز التعاون، من خلال تكامل الأدوار؛ إذ تنقل الأجيال الأكبر خبراتها وتجاربها الحياتية، في حين يقدم الشباب أفكارًا مبتكرة ورؤى جديدة للتعامل مع تحديات العصر المتغير.
المراكز المجتمعية
وأضاف الدكتور أن اتساع الفجوة بين الأجيال ينعكس على طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء، مؤكدًا أهمية احتواء الأبناء والاقتراب منهم، وفهم التحديات التي يواجهونها في عالم يشهد تغيرات متسارعة. وأوضح أن ثقافة المنع ورفض التجربة لم تعد الأسلوب الأمثل في التعامل مع المتغيرات الحديثة، بل ينبغي توجيه الأبناء وتمكينهم من الاستخدام الواعي والمسؤول للتقنيات والوسائل التكنولوجية الحديثة.
وأشار إلى أن من أبرز الوسائل التي تسهم في تقليص هذه الفجوة وتعزيز التفاهم بين الأجيال: ترسيخ الحوار المفتوح مع الأبناء، وتشجيعهم على التعلم المستمر، وتوجيههم إلى اختيار العلاقات الإيجابية في فضاءات التواصل الافتراضي، إلى جانب دعم إنشاء الأندية والمراكز المجتمعية والعلمية التي توفر بيئات آمنة للتعلم والتفاعل وتبادل الخبرات.
وشدد على أن الحوار يمثل ركيزة أساسية في بناء جسور التواصل بين الأجيال، لما له من دور في تقريب وجهات النظر وتعزيز الفهم المتبادل، داعيًا إلى تنظيم منتديات شبابية مستمرة تناقش التحولات التكنولوجية المتسارعة، وتتيح للشباب التعبير عن رؤاهم وتطلعاتهم. كما أكد أهمية تطوير المناهج التربوية بما يقدم المعرفة التقنية بأساليب مناسبة لمراحل التعليم المختلفة، وبما يعزز قدرة الطلبة على التعامل مع التطورات الرقمية بوعي ومسؤولية.
وأكد أستاذ العمل الاجتماعي المشارك بجامعة السلطان قابوس أن للمؤسسات التعليمية والإعلامية ومختلف مؤسسات المجتمع دورًا محوريًا في تعزيز التقارب بين الأجيال، مشيرًا إلى أن حماية المجتمع مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود بين الأسرة والمدرسة والإعلام وغيرها من المؤسسات. وبيّن أن هذه الجهات تشبه أعضاء الجسد الواحد، إذ يؤدي كل منها دوره في تحقيق التوازن والمحافظة على تماسك المجتمع واستمراره، من خلال العمل التشاركي وبناء منظومة متكاملة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.
