مخيم جسر اللغة الصينية.. تجربة تجمع بين التعلم والتبادل الثقافي
أسهمت فعاليات مخيم «جسر اللغة الصينية» في نسخته الثالثة بين وزارة التعليم ووزارة التربية والتعليم بجمهورية الصين الشعبية في إتاحة تجربة تعليمية وثقافية متكاملة للطلبة من مختلف المحافظات، بالإضافة إلى تطوير مهاراتهم اللغوية والتعرف على الثقافة الصينية عن قرب.
وأكد الطلبة المشاركون أن المخيم أسهم في تعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتوسيع مداركهم تجاه ثقافة مختلفة، وإكسابهم مهارات جديدة في التواصل والاعتماد على النفس. فيما أوضح المختصون أن البرنامج يأتي ضمن جهود مشتركة مع الجانب الصيني لتعزيز تعليم اللغة الصينية في مدارس سلطنة عُمان، وتنمية مهارات التواصل بين الثقافات، وتهيئة الطلبة لفرص أكاديمية ومهنية مستقبلية.
وفي هذا السياق، قالت الطالبة فاطمة بنت مطر البادي، المقيدة بالصف العاشر في مدرسة آمنة بنت الإمام جابر بن زيد بمحافظة البريمي: «سعدت كثيرًا بالفرصة التي أُتيحت لي للمشاركة في مخيم جسر اللغة الصينية؛ إذ أسهمت في تطوير مستواي في اللغة الصينية، وأتاحت لي التعرف عن قرب إلى العادات والتقاليد التي تزخر بها الثقافة الصينية العريقة».
وأوضحت أنّ المشاركة انعكست إيجابًا على شخصيتها؛ إذ عززت ثقتها بنفسها، وطورت مهاراتها في التواصل، ورسخت لديها روح تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس، إلى جانب قدرتها على التكيف مع بيئة جديدة. كما أسهمت في تحسين مهاراتها في الاستماع والتحدث باللغة الصينية، والتعرف إلى ثقافة مختلفة بكل ما تحمله من عادات وتقاليد.
وأشارت إلى أن أكثر الأنشطة التي لفتت انتباهها كانت تجربة الأطعمة التقليدية، وزيارة المعالم التاريخية، والتعرف إلى الحرف التقليدية، مؤكدة أن هذه التجارب جعلتها تعيش الثقافة الصينية بكل تفاصيلها، وتتعرف إليها بصورة واقعية. وأضافت أنها اكتشفت أن المجتمع الصيني يتميز بقيم الاحترام والالتزام والمحافظة على التقاليد، بالتوازي مع اهتمامه بالتطور والابتكار.
وحول أبرز التحديات التي واجهتها، أوضحت أن تعلم كتابة الأحرف الصينية التقليدية كان من أكثر الجوانب صعوبة، إلا أنها تمكنت من تطوير هذه المهارة تدريجيًا بفضل التدريب والممارسة المستمرة.
من جانبها، أكدت الطالبة لجين بنت يحيى الغنامي، من مدرسة جويرية بنت أبي سفيان بمحافظة مسقط، أن المشاركة في مخيم جسر اللغة الصينية مثلت فرصة مميزة للتعرف على الثقافة الصينية وتاريخها عن قرب، إلى جانب تطوير مهارات التواصل مع الشعب الصيني، ليس من خلال استخدام اللغة فحسب، بل عبر معايشة تفاصيل الحياة اليومية والتفاعل المباشر مع المجتمع.
وأضافت أن من أكثر ما لفت انتباهها خلال الزيارة المكتبة العامة، لما توفره من بيئة معرفية ملائمة لمختلف الفئات العمرية، إلى جانب اهتمامها الواضح بذوي الإعاقة من خلال توفير مرافق وخدمات تتيح لهم فرص التعلم والاطلاع، وهو ما يعكس اهتمام المجتمع الصيني بنشر المعرفة وجعلها متاحة للجميع.
ووجهت لجين الغنامي رسالة إلى الطلبة الراغبين في المشاركة مستقبلًا، دعتهم فيها إلى التحلي بالصبر والمثابرة وعدم الاستسلام أمام التحديات، مشيرة إلى أن كتابة الأحرف الصينية قد تبدو صعبة في البداية، إلا أن الممارسة المستمرة والتدريب المنتظم يسهمان في إتقانها بمرور الوقت.
من جانبه، أكد جابر بن ناصر الجابري من محافظة ظفار أن الاهتمام بالروابط التاريخية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية عبر طريق الحرير البحري عزز لديه إدراك أهمية تعلم اللغة الصينية بوصفها بوابة لفرص أكاديمية ومهنية واعدة.
وقال: إن مشاركته في المخيم مكنته من اكتساب أساسيات اللغة الصينية صوتيًا وكتابيًا، إلى جانب تنمية مهارات التواصل مع أشخاص من خلفيات ثقافية متنوعة، وإتقان مبادئ النطق باستخدام نظام «البينيين» والنغمات الأساسية، فضلًا عن تعلم كتابة الأحرف الصينية البسيطة، وتطبيق استراتيجيات التعلم الذاتي في إدارة الوقت.
وأشار إلى أن حلقة الخط الصيني باستخدام الفرشاة كانت من أكثر الأنشطة التي نالت إعجابه، لما تعكسه من أبعاد جمالية وفلسفية ترتبط بالدقة والتركيز، مؤكدًا حرصه على مواصلة تعلم اللغة والثقافة الصينية عبر المنصات الإلكترونية، في ظل الشراكات الاستراتيجية المتنامية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، بما يسهم في تطوير مهاراته وتعزيز فرصه المهنية مستقبلًا.
بدوره، قال الطالب يوسف بن طلال البلوشي، المقيد بالصف الحادي عشر في مدرسة السيد سلطان بن أحمد بمحافظة مسقط: إن مشاركته في المخيم أسهمت في تغيير كثير من الصور النمطية التي كانت لديه عن المجتمع الصيني، موضحًا أنه كان يعتقد أن الصينيين لا يميلون إلى المزاح أو التفاعل مع الغرباء، إلا أن التجربة أثبتت له عكس ذلك.
وأضاف: «لمست خلال المخيم أن الأساتذة الصينيين يجمعون بين الجدية والإخلاص في أداء عملهم، وفي الوقت نفسه يحرصون على إضفاء أجواء ممتعة داخل قاعات التعلم، الأمر الذي جعل تجربة التعلم أكثر متعة وفائدة».
وأشار إلى أن هذه التجربة دفعته إلى تحديد هدف واضح يتمثل في الحصول على بعثة دراسية للالتحاق بإحدى الجامعات الصينية، مؤكدًا أنها شجعته على مواصلة تعلم اللغة الصينية وإدراك أهميتها المتزايدة في المستقبل.
وأوضح أن من أبرز المعالم التي تركت أثرًا كبيرًا في نفسه سور الصين العظيم، مبينًا أنه كان قد اطلع على معلومات عنه مسبقًا، إلا أن مشاهدته على أرض الواقع جعلته يدرك حجم الجهد والإصرار اللذين بذلهما الصينيون في تشييده، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، ثقافة العمل والإتقان التي تميز المجتمع الصيني، وتنعكس في مختلف مشاريعه، الكبيرة منها والصغيرة.
شراكة تعليمية
وفي السياق قالت نصراء علي سلطان الحارثي، رئيسة قسم التنسيق والمتابعة بتعليمية مسقط يهدف المخيم إلى تعزيز مهارات الطلبة في اللغة الصينية من خلال بيئة تعليمية تفاعلية، وتعريفهم بالثقافة والحضارة الصينية، وتنمية مهارات التواصل بين الثقافات، إلى جانب تشجيعهم على مواصلة تعلم اللغة الصينية واستثمارها في مسيرتهم الأكاديمية والمهنية مستقبلاً، وقد تم اختيار الطلبة وفق معايير محددة تشمل مستوى التحصيل في اللغة الصينية، والالتزام والمواظبة، والرغبة الجادة في التعلم، إضافة إلى المشاركة الفاعلة في الأنشطة الصفية المرتبطة باللغة، مع المراعاة في تحقيق التنوع في تمثيل المدارس والمناطق التعليمية بحسب المعايير المعتمدة.
وأضافت: تضمن المخيم مجموعة متنوعة من البرامج التعليمية والثقافية، مثل حلقات تطوير مهارات الاستماع والمحادثة، وأنشطة الخط الصيني، والتعريف بالفنون التقليدية، والألعاب التعليمية، والمسابقات اللغوية، إضافة إلى محاضرات وأنشطة تفاعلية تسهم في تعزيز التبادل الثقافي وبناء مهارات التواصل لدى الطلبة.ويتم قياس أثر المخيم من خلال متابعة مشاركة الطلبة في الأنشطة، وتقييم تطور مهاراتهم اللغوية قبل المخيم وبعده، وجمع ملاحظات الطلبة والمشرفين، إضافة إلى رصد مستوى التفاعل والثقة في استخدام اللغة الصينية خلال البرامج المختلفة.
وبينت عن مدى أهمية تعلم اللغة الصينية في ظل تنامي العلاقات الاقتصادية والثقافية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، حيث تفتح اللغة آفاقاً أوسع للدراسة والمنح الأكاديمية، وفرص العمل في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة والتقنية، كما تسهم في إعداد جيل يمتلك مهارات التواصل مع إحدى أكثر اللغات انتشاراً وتأثيراً على المستوى العالمي؛ لذا نشجع أولياء الأمور على دعم أبنائهم في هذه التجربة التعليمية، ونحث الطلبة على اغتنام الفرص التي توفرها برامج تعلم اللغة الصينية، لما لها من دور في تنمية قدراتهم وتعزيز جاهزيتهم لمتطلبات المستقبل في عالم يشهد تواصلاً وتعاوناً دوليًا متزايداً.
نجاح متواصل
من جانبه، أوضح محمد بن ضاعن العلوي، أخصائي العلاقات الدولية بدائرة التعاون الدولي بوزارة التعليم، أن هناك تعاونًا قائمًا بين وزارة التعليم في سلطنة عُمان ووزارة التربية والتعليم في جمهورية الصين الشعبية، ممثلة في مركز التبادل والتعاون اللغوي، للإشراف على تنظيم مخيمات «جسر اللغة الصينية»، ومتابعة تنفيذ برنامج تعليم اللغة الصينية في مدارس سلطنة عُمان، إلى جانب الإشراف على اختبارات الكفاءة في اللغة الصينية (HSK).
وأشار إلى أن الوزارة تسعى، بالتعاون مع الجانب الصيني، إلى التوسع في تطبيق تجربة تعليم اللغة الصينية خلال العام الدراسي 2026/2027، من خلال مضاعفة عدد المدارس المطبقة للبرنامج من أربع مدارس إلى ثماني مدارس، في إطار تعزيز تعليم اللغات الأجنبية وإتاحة الفرصة لشريحة أكبر من الطلبة للاستفادة من البرنامج.
وأكد العلوي أن النسخ السابقة والحالية من المخيم حققت نجاحات لافتة، وأسهمت في التعريف بالثقافة العُمانية لدى المجتمع الصيني، من خلال تنظيم معرض وفعاليات ثقافية عكست ملامح الهوية العُمانية، وشملت تقديم الحلوى العُمانية، وتجربة نقش الحناء، والتعريف بالأزياء العُمانية الرجالية والنسائية، مشيرًا إلى أن هذه الفعاليات حظيت بإقبال وتفاعل كبيرين من المنظمين والزوار.
وأضاف أن النسخة الحالية شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في عدد المستفيدين، إذ شارك في النسخة الأولى 18 طالبًا وطالبة، وارتفع العدد إلى 20 في النسخة الثانية، فيما يشارك في النسخة الحالية 40 طالبًا وطالبة، وهو ما يعكس الإقبال المتزايد على البرنامج وأهميته لدى الطلبة.
ورأى أن تعلم اللغات الأجنبية يمثل قيمة مضافة للطالب، ويفتح أمامه آفاقًا أكاديمية ومهنية واسعة، مؤكدًا أن اللغة الصينية أصبحت اليوم من اللغات ذات الأهمية المتزايدة، في ظل ما تشهده جمهورية الصين الشعبية من تطور متسارع وريادة في مجالات الصناعة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يجعل إتقانها استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الطلبة.
