تحذير مباشر لإسرائيل
لأن إسرائيل دأبت على أن تكون ضحيةً للمعايير المزدوجة (فهل يُنتظر من زهران ممداني أن يتحمس لإدانة بلده الأم، أوغندا، بسبب تجريمها للمثلية الجنسية؟ وهل سيقول للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن نيويورك لا ترحب به؟)، فثمة غواية لدى المدافعين المخلصين عن الدولة اليهودية، وأنا منهم، إلى التهوين من سقطاتها.
يصدق هذا بصفة خاصة حين نرى إسرائيل مرغمةً على الدفاع عن شرعيتها في مواجهة الأوغاد، أو حينما يثبت أن الاتهامات الموجهة إليها ناجمة عن إفادات معيبة أو لا أساس لها مطلقًا، أو حينما يعلو صخب جوقة الإدانات دون أن نضيف أصواتنا إليها.
لكن يجدر بكل من يكترث لسلامة إسرائيل ألا يصمت على إرهاب المستوطنين المعادي للفلسطينيين في الضفة الغربية، واتباع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سياسة التهوين من شأن الأمر برمته. وليس ذلك فقط لأن الإرهاب خطر على حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم، أو لأنه نيلٌ من الأخلاقيات اليهودية أو وصمةٌ على سمعة إسرائيل، برغم أن الإرهاب هو كل ذلك، ولكن لأنه خطر مباشر على أمن إسرائيل ودولتها، ومن ثم فهو خطر على الصهيونية نفسها.
وهذا هو مغزى الرسالة العلنية الموجهة إلى الرئيس ترامب، التي صدرت يوم الأحد عن ماتان فيلناي، نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي المتقاعد، بالنيابة عن منظمة تضم مئاتٍ من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي المتقاعدين.
يرد في الرسالة أنه: «في حين أن أجهزتنا الأمنية بارعة في التعامل مع حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية في الضفة الغربية، فإنها مغلولة الأيدي حينما يتعلق الأمر بالإرهابيين من اليهود... ولا يخفى على أحد أن أعضاء بعينهم في حكومتنا يدبرون كثيرًا من هذه الفوضى، ومن ذلك حمايتهم لأتباعهم من القانون وتطبيقه، وهؤلاء الأتباع مسلحون وينطلقون من دوافع مشيحانية».
وتنبه الرسالة صراحةً إلى أنه: «ما لم يتم اعتقالهم بسرعة وحسم... فإن العنف المتصاعد في الضفة الغربية مهيأ لإشعال النيران في المنطقة، بما لذلك من تداعيات بالغة على كلٍّ من الأمن الإسرائيلي ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة».
ولقد تجلت هذه الحقيقة بغاية الوضوح الأسبوع الماضي، حينما شن مستوطنون متطرفون هجومًا على العديد من القرى الفلسطينية، ويُتردد أنهم أضرموا النار في بيت ومسجدين، وهاجموا محجرًا، وارتكبوا أفعالًا إرهابية صريحة أخرى. جاء ذلك عقب واقعة لقي فيها أربعة فلسطينيين وإسرائيليان مصرعهم إثر مواجهة تعلقت بجماعة من الإسرائيليين اقتحموا، دونما تنسيق مسبق، منطقةً واقعةً تحت السيطرة المدنية الفلسطينية.
باتت مثل هذه الوقائع روتينية. ومثلما تقول صحيفة (تايمز أوف إسرائيل)، فإن «الجيش الإسرائيلي سجَّل 867 حادثةَ جريمةٍ قوميةٍ وعنفٍ من المستوطنين خلال عام 2025». وهذا الرقم أعلى من 682 واقعةً في العام السابق.
ردُّ نتنياهو على ذلك كله، مثلما قال لدانا باش من شبكة (سي إن إن)، هو أن العنف ناجم عن قرابة مئةٍ وخمسين من «الأولاد الأشقياء»، وإنه لا يقبل تنفيذ المواطنين العدالةَ بأيديهم.
ولكن أيُّ عقلٍ هذا الذي يقبل من حكومةٍ قادرةٍ على اغتيال قائدٍ لحماس في منزل ضيافةٍ إيراني أن تجد نفسها عاجزةً عن احتواء موجةٍ من البلطجة اليهودية؟ فلو أن رئيس الوزراء يريد إنهاء المشكلة، لأنْهاها، لفعل، لكنه، مثل بارتلبي [النسّاخ في قصة هيرمان ملفيل القصيرة]، يفضل ألّا يفعل ذلك.
وذلك إلى حدٍّ كبير بسبب أن حزب الليكود يعتمد على الدعم البرلماني من المستوطنين المتطرفين بقيادة إيتمار بن غفير، وزير الأمن الوطني، وبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، إذ تعلم نتنياهو أن يبقى على قمة السياسة الإسرائيلية بألّا يتخلى مطلقًا عن جناحه اليميني.
في حوار مع إيران شمير بورر، الذي قضى سنين كثيرة في فيلق المدعي العسكري العام للجيش الإسرائيلي، ويعمل الآن مع معهد الديمقراطية الإسرائيلي (وأنا عضو في هيئته الاستشارية)، عدَّد لي قراراتٍ معينةً اتخذتها حكومة نتنياهو، ووصلت بإسرائيل إلى هذا الوضع العصيب. ومن أهم هذه القرارات رفضُ وزير الدفاع إسرائيل كاتس اللجوء إلى الاعتقال الإداري باعتباره أداةً شرعيةً لكبح الإرهابيين اليهود المشتبه بهم. ويجتنب ديفيد زيني، الرئيس الحالي لجهاز الأمن الداخلي في إسرائيل، استعمال مصطلح «الإرهاب اليهودي»، مفضلًا تخفيفه باستعمال مصطلح «الاحتكاكات». وبن غفير نتاجُ بيئةٍ مماثلةٍ هي التي أفرزت المستوطنين العدوانيين.
قال شمير بورر إن «الجميع يسمعون هذه النغمة وهي التي تضفي الشرعية على هذا السلوك».
ومن هنا تأتي أهمية رسالة فيلناي، وبخاصة خلال نفس الأسبوع الذي يزور فيه رئيس الوزراء واشنطن لمقابلة ترامب. وفيلناي ليس داعيةَ سلام، فقد خدم في حكومةٍ سابقةٍ لنتنياهو وزيرًا للدفاع المدني، وكان واحدًا من قوات الكوماندوز التي يمر هذا الشهر خمسون سنةً على قيامها بتحرير الرهائن اليهود في غارة عنتيبي. لكنه، شأنَ كثيرٍ من الوطنيين الإسرائيليين، مذهولٌ من حكومةٍ تعلي احتياجات رئيس وزرائها السياسية وهواجس أعضائها الأيديولوجية على سيادة القانون.
ثمة خطرٌ عاجلٌ في هذا العنف المتصاعد في الضفة الغربية، إذ يمكن أن يؤدي إلى انتفاضةٍ ثالثةٍ لا تقوى إسرائيل المنهكة على احتمالها عسكريًا أو دبلوماسيًا، ناهيك بالتكلفة البشرية في أنفس كلٍّ من الإسرائيليين والفلسطينيين. وهناك أيضًا مخاطرةٌ أكبرُ بعيدةُ المدى في أن يؤدي تبرير حكومة نتنياهو للخروج اليهودي على القانون وللإرهاب إلى ما وصفه الباحث والدبلوماسي مايكل أورين، في مقالٍ استشرافي نشرته «كومنتاري» سنة 2009، بـ«نزيف السيادة».
إن أيَّ بلدٍ تكون فيه فئاتٌ واسعةٌ من المواطنين غير خاضعةٍ للقانون أو غير قابلةٍ للخضوع له، وهذه الفئات، في حالة إسرائيل، لا تقتصر على المستوطنين المتطرفين وعلى المتشددين دينيًا المتهربين من الخدمة العسكرية، لكنها تشمل أيضًا مواطنين من العرب يعجز عنهم القانون عجزًا كبيرًا، هو بلدٌ على الطريق إلى نسخته الخاصة من اللبننة، أي إلى أن يكون لكل جماعةٍ قانونُها الخاص، فتذوي سلطات الدولة، ومن ضمنها احتكار استعمال القوة.
لقد سبق لي من قبل أن كتبت عن هدف الصهيونية ـ وأنا نصيرٌ لها ما حييت ـ وهو حكم اليهود لأنفسهم: «لا حكمَ من الآخرين، ولا حكمَ على الآخرين». ولذلك فإنني لا أزال أؤمن بدولةٍ فلسطينية، حتى وإن كانت الظروف المواتية لقيامها لا تزال بعيدةً عنا. ولذلك أيضًا أؤمن إيمانًا حماسيًا بالدولة اليهودية، التي يحكمها القانون وتعترف بالحدود. وفي ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، يتسرَّب هذا كله.
بريت ستيفنز من كتاب الرأي في نيويورك تايمز في الشؤون السياسية والمحلية والثقافية.
خدمة نيويورك تايمز.
