عمان الثقافي

المستقبل يغادر الثقافة العربية

29 يوليو 2026
29 يوليو 2026

من النادر في المشهد الفكري العربي اليوم أن يصدر كتاب بعنوان «مستقبل الثقافة» ويجادل بثقة بأن التعليم والفكر والفن تستطيع رسم مصير مجتمع كامل. فعل عميد الأدب العربي طه حسين ذلك عام 1938 عندما أصدر كتابه «مستقبل الثقافة في مصر». كان يرى أمامه دولة تحاول توسيع استقلالها بعد معاهدة 1936 وتحديد موقعها بين الأمم. ورأى طه حسين أن الثقافة قوة تحدد طبيعة المشروع النهضوي ونوعية الإنسان القادر على قيادته وحمايته.

كان عنوان كتاب طه حسين وليد زمن امتلك قدرًا كبيرًا من الثقة بالغد، فمستقبل الثقافة قضية تخص المثقف، والتعليم شأن فكري بقدر ما هو شأن وطني، وصورة المجتمع الذي كانت تريده مصر آنذاك موضوع يتجادل حوله الكتّاب والفلاسفة والسياسيون. أما اليوم، فيغلب حضور المستقبل في الخطط الاقتصادية واستراتيجيات الطاقة ومشروعات المدن الحديثة ومؤتمرات الذكاء الاصطناعي. وتزخر الخطط التنموية العربية بالوثائق والسيناريوهات والمؤشرات، لكن يصعب العثور على حضور مواز للمستقبل في الأطروحات الكبرى للمفكرين العرب.

وهذه مفارقة تستحق أن نتأملها طويلًا، فنحن نتوسع في التخطيط للمستقبل فيما يتراجع التفكير في معناه.

تتجسد الأزمة في الانفصال المتزايد بين بناء المستقبل والتفكير في معناه، إذ يتعامل التخطيط مع المستقبل بوصفه امتدادًا قابلًا للحساب، فيما تسأل الثقافة إن كان الحاضر نفسه جديرًا بأن يمتد. وهنا تبدأ مهمة الثقافة؛ فحين يغيب سؤال المعنى قد نجد مدنًا تُبنى للمستقبل بعلاقات اجتماعية آتية من الأمس، ونمتلك أحدث التقنيات داخل مؤسسات تعليمية تنتج عقلًا لا يستطيع طرح الأسئلة، وقد نتقدم في مؤشرات النمو لكن المسافة ستكون كبيرة جدًا بين الإنسان وقدرته على التأثير في حياته. يحمل التقدم المادي دائمًا تصورًا ضمنيًا عن الإنسان حتى حين يقدم نفسه بلغة محايدة من الأرقام والكفاءة.

لم يكن المستقبل غريبًا عن الثقافة العربية الحديثة، فالنهضة في القرن التاسع عشر قامت على محاولة واسعة لإعادة ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر والغد. صحيح أن مفكري تلك المرحلة أمثال رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني وعبدالرحمن الكواكبي وقاسم أمين اختلفوا في منطلقاتهم ومرجعياتهم، لكنهم التقوا عند الاعتقاد بأن المجتمع العربي قابل للتغيير، وأن التعليم والحرية والعلم قادرة على نقل الإنسان من حال إلى حال. وحتى عودتهم إلى التراث كانت، في جانب كبير منها، بحثًا عن عناصر تساعدهم على بناء زمن جديد.

وفي النصف الأول من القرن العشرين، أصبح المستقبل أكثر حضورًا في أطروحات تلك المرحلة وفي مشروعات المفكرين. كتب سلامة موسى «اليوم والغد»، وربط الثقافة بالعلم والصناعة وتغيير الحياة اليومية. ووضع مالك بن نبي «شروط النهضة»، منشغلًا بالأفكار التي تمنح المجتمع قدرته على الدخول في التاريخ. أما قسطنطين زريق، فقد ظل المستقبل هاجسًا متصلًا في أعماله منذ «أي غد؟» وصولًا إلى «نحن والمستقبل» و«مطالب المستقبل العربي». كان ينظر إلى النكبة نفسها من زاوية ما تكشفه عن بنية المجتمع وما تفرضه من مراجعة تعيد إلى العرب قدرتهم على الفعل.

كانت تلك المشروعات تختلف في الطريق الذي تقترحه، لكنها تنطلق من ثقة مشتركة بأن التاريخ ما زال مفتوحًا، وأن المثقف شريك في صنعه. ومنحت حركات التحرر والاستقلال والقومية والاشتراكية هذه الثقة إطارًا سياسيًا. وحمل المستقبل آنذاك أسماء كبرى: الاستقلال والوحدة والتنمية والعدالة الاجتماعية وتحرير فلسطين. وربما اتسمت بعض تلك التصورات بقدر من اليقين المفرط، إلا أنها أعطت الحاضر وجهة وربطت العمل اليومي بصورة مجتمع ينتظر في الأفق.

أصيب هذا الرابط بين الحاضر والغد بضربات متتالية. جاءت نكبة 1948، ثم هزيمة 1967 التي نقلت السؤال الفكري من: ماذا سنبني؟ إلى: لماذا أخفقنا وتأخرنا؟ وتعثر بعد ذلك مشروع الوحدة، وتحولت دول الاستقلال في حالات كثيرة إلى سلطات مغلقة، ثم كشف الغزو العراقي للكويت مقدار ما أصاب فكرة النظام القومي العربي من انهيار.

كتب صادق جلال العظم «النقد الذاتي بعد الهزيمة» وفكك عبدالله العروي الأيديولوجيا العربية المعاصرة، وانشغل محمد عابد الجابري بمشروع نقد العقل العربي ومحمد أركون بمشروع نقد العقل الإسلامي، وبمرور الوقت، أصبح تشخيص الموانع أكثر غزارة من تخيل البدائل، وصار الفكر العربي يعرف الكثير عن أسباب عجزه، ويتحدث قليلًا عمَّا يريد صنعه بعد تجاوز ذلك العجز. ومع انحسار ذلك الجيل، لم يرث المشهد الفكري الراهن حتى قدرته على بناء مشروعات نقدية متكاملة بهذا الاتساع، وقادرة على فرض حضورها في المجال العام.

حاولت بعض المشروعات البحثية إعادة فتح الأفق. ففي ثمانينيات القرن الماضي أُنجز مشروع لاستشراف مستقبل الوطن العربي، وانتهى إلى تقرير بعنوان «مستقبل الأمة العربية: التحديات والخيارات». قدم التقرير بدائل وسيناريوهات تمتد إلى عام 2015، لكنه بقي أقرب إلى جهد بحثي مؤسسي، ولم يتحول إلى تيار ثقافي يشغل النقاش العام.

ثم جاءت العقود التالية محملة بالكثير من الانكسارات: حروب أهلية وغزوات وانهيار دول واتساع الفجوات الاجتماعية وتعثر المشاريع الديمقراطية. وفتحت الانتفاضات العربية عام 2011 نافذة بدا معها أن الشعوب استعادت قدرتها على دخول التاريخ، قبل أن تنتهي في بعض البلدان إلى حروب أهلية وانهيار مؤسسات الدولة، وفي أخرى إلى إعادة إغلاق المجال السياسي. ومع كل خيبة كان المستقبل يفقد جزءًا من رصيده الأخلاقي ويتحول الوعد الكبير إلى مصدر للريبة.

حين تراجع الإيمان بوجود جماعة قادرة على صنع التاريخ انتقل المستقبل إلى المؤسسات التي تملك أدوات التنفيذ؛ فتحول من أفق عام تتجادل حوله الأمة إلى خطة تديرها الدولة والسوق. أما الثقافة التي ضعفت ثقتها بقدرتها على اقتراح الغد، فقد عاد إليها المستقبل غالبًا في صورة قاتمة. لذلك لا يبدو غريبًا أن يزدهر الخيال الديستوبي في الرواية العربية المعاصرة. ومن أبرز نماذجه «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق، و«الطابور» لبسمة عبد العزيز، و«عطارد» لمحمد ربيع؛ وهي روايات يحضر فيها المستقبل بوصفه امتدادًا قاتمًا لاختلالات الحاضر. استطاع الأدب أن يتخيل ما سيأتي، لكنه رآه في هيئة انقسام اجتماعي وسلطة مغلقة ومدينة فقدت معناها الإنساني. وهذه الكتابات تحتفظ بوظيفة نقدية مهمة غير أنها تكشف مقدار التحول الذي أصاب المخيلة العربية: كان الغد مساحة للخلاص ثم أصبح مكانًا تكتمل فيه أزمات اليوم.

مشكلة المستقبل في العالم العربي تكمن في غياب الشريك الثقافي الذي يناقش وجهة المشاريع الكبرى التي تطرحها خطط التنمية وغايتها وكلفتها الإنسانية، وغياب المثقف عن هذه النقاشات يجعل المستقبل يصل إلى المجتمع في هيئة قرارات وترتيبات مكتملة. تبدأ وظيفة المثقف من وصل المعرفة بالتجربة الإنسانية، وكشف القيم الكامنة في الخطط، وفتح بدائل تتجاوز ما تسمح به موازين القوة الراهنة.

إن المجتمع الذي يعجز عن تخيل مستقبله يفقد تدريجيًا قدرته على اختياره، وحين يتراجع المفكر عن سؤال الغد تتحول الخيارات التي صنعها الأقوى والأكثر ثراءً وتقدمًا إلى حقائق يبدو الاعتراض عليها ضربًا من مقاومة التاريخ، لذلك تبدأ استعادة المستقبل بإعادته إلى المجال العام: إلى الجامعة والرواية والمسرح والصحافة الثقافية، وإلى حوار مفتوح تشارك فيه الأجيال التي ستعيش نتائج القرارات المتخذة اليوم.

عرف الفكر العربي طويلًا كيف يسأل: لماذا تأخرنا؟ وكيف هُزمنا؟ وما الذي أعاق نهضتنا؟ وأنتجت هذه الأسئلة تراثًا نقديًا عميقًا لا غنى عنه. أما السؤال الذي يحتاج إلى العودة اليوم فهو: أي حياة نريد أن نصنعها بعد عشرين أو خمسين عامًا؟ تملك دول عربية عدة مشروعات طموحة لبناء المستقبل، لكن اكتمالها الإنساني يظل رهين عودة الثقافة إلى قلب هذه المشروعات، حتى يشارك الإنسان في اختيار الغد الذي سيعيش فيه، بدل أن تُحدَّد صورته كاملة من دونه.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان