شعريّة الماء في المياه تخون البرك لعوض اللويهي
29 يوليو 2026
29 يوليو 2026
يتصلُ الماء بالإبداع الشعري من وجوه عدّة لعلّ أبرزها قدرته على التجدّد والتحوّل. وإنْ كان الشعر في جوهره حركة مستمرة وبحثا عن حيوات جديدة للغة وللكائن ودفعا بهما عبر ليل الكتابة إلى ولادة جديدة؛ فإن هذا الجوهر تجسّده طبيعة الماء بجريانه وتدفقه «كثرة الماء» حسب عبارة الجاحظ الشهيرة في بيانه وتبيينه. عندها «تكفي قطرة ماء واحدة لخلق عالم وإذابة الليل» كما يرى جاستون باشلار في كتابه «الماء والأحلام، دراسة عن الخيال والمادة»، ترجمة الدكتور علي نجيب إبراهيم، المنظمة العربية للترجمة 2007م.يستثمر الشاعر العماني عوض اللويهي في مجموعته الشعرية الثانية «المياه تخون البرك» الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع سنة 2013، الماء باحتمالاته المتعدّدة وأحواله المختلفة ويستنفرّ كل الإمكانات التي عليها يتوفر ومنها يتشكّل، بل يستحث حتى غيابه أحيانا؛ لينفذ من خلال الماء إلى جوهر الأشياء وعمقها، مشكلا من جدلية حضوره وغيابه معادلات موضوعية يقارب من خلالها حالات الوجود الإنساني عبر تشكيلات لغوية تكشف مسافات من التوتر غاية في الشفافية، وصور مشهدية تحاول النفاذ إلى بواطن الأشياء لتضيئها دون أن تقول وتصرّح؛ لأنّ ماء جوهرها سكن لغة الشاعر واستوطن مخيلته، فما كان منها إلا أن ظهرت على هيئة لمح وإشارات كما بينّ الشاعر في هذا السطر الشعري الذي يرتقي إلى مرتبة البيان الأدبي:
«ليسَ حولي ماءٌ
في فمي الماءُ
فما أتكلّم إلا بالإشارة»
خلف هذه الإشارة تكمن طاقة شعرية ولّدها خيال ماديّ خلاق أسهم الماء في تشكيله؛ إذ «يساعد الماء وهو يجمع الصور، ويذيب الماهيّات، الخيالَ في نزع الموضوعية، في مهمته في التمثّل كما يحمل نوعا من التركيب وارتباطا مستمرا» حسب باشلار أيضا.
تجسّدت طبيعة هذا النوع من الخيال في نصوص هذه المجموعة فابتعدت لغته الشعرية عن الانزياحات المعتادة والصور البيانية والاستعارات المألوفة، بل توسّلت بجوهر الماء المادي لتشكيل صورة شعرية دينامية تجسد مفارقات الكائن مثل: الوجود والعدم التي تكمن في طبيعة الماء القائمة على عنصري البناء والهدم كما نجد في نص «جدار طيني»:
«يتساقط الجدار الطيني
تدريجيًا بماء المطر
الجدار الطيني
الذي يفقد أجزاءه
يتذكر بحسرة
الماء الذي
استطاع أنْ يجعله سميكًا
ذاتَ يومٍ
عند بنائه
تفاعل عنصري الماء والتراب في هذا النص في تكوين بنائه يمثل وجه من وجوه الخيال المادي الخلاق ويجسد صورتي الامتزاج المادي بين التراب والماء ليكون طينا، ثمّ التحوّل التدريجي لبيان دلالات التفكك والانتقال من الصلابة والقوة إلى السيولة والضعف؛ لذلك فإننا لن نحفل بالانزياح أو الاستعارة التي شكلها بكاء الجدار الطيني إلا أن تكون رمزا للإنسان بوصفه كائنا طينيا.
ولأن الماء «الماء سيّد اللغة السائلة، اللغة غير المتعثّرة، اللغة المتواصلة، اللغة التي تجعل الإيقاع منسابا، التي تمنح الإيقاعات المختلفة المادة المتجانسة» حسب جاستون باشلار، فإنّ هذا النص استمد إيقاعه الداخلي من الحركة المتدرجة لفعل المضارع الذي يجسد بدوره سيولة الماء لتساقط الجدار الطيني مشكلة، أي الحركة المتدرجة، إيقاعا نفسيا تناغم مع حسرة الجدار الطيني التي أسهمت توزيعة الأسطر بإخراجها الطباعي في تجسيدها جاعلة منها دلالة مرئية حسب علي جعفر العلاق في كتابه (الدلالة المرئية، قراءات في شعرية القصيدة المعاصرة، دار الشروق، عمّان 2002)؛ حيث توزيعة أسطر النص وهيئة إخراجها «توحى بدلالته التي يتمركز حولها، ويحشد كيانه كله صورا وتركيبا وإيقاعا، ليكشف من تلك الدلالة وهي تتبرعم على جسد النص، لا بوصفها معاني أو مفاهيم منفصلة عن الملفوظ، بل بوصفها مظهرا من مظاهر النص، وحضوره الفيزيائي على الورق».
هذه الدلالة المرئية التي أسهم تمثيل الماء شعريا في تشكيلها، نجدها متحققة في نص آخر عنونه الشاعر بـ(اتجاه الموت):
جِذعُ النخلةِ
الذي يحمله الوادي
يُدركُ لأوّلِ مرةٍ
أنّ الاتجاهَ الأفقيّ
هو الاتجاهُ الوحيد الذي يُشيرُ إلى الموت»
يحضر الماء في هذا النص بوصفه مادة للفناء والموت عبر مفردة الوادي الذي يتهادى الجذع على سطحه بعد أن اقتلعه من منبته. وقد تشكلّت الدلالة المرئية من خلال توزيعة الأسطر الأربعة العمودية التي نرى أنها تشكيل لصورة جذع النخلة ثابتا قبل أن يُقتلع، ليأتي السطر الأخير بعدد كلماته الأكثر ودلالة جملته الخاتمة؛ مجسدا لنا أفقية اتجاه الموت وكأنه جذع استقر واستلقى في تربة الموت والغياب.
إنّ المفارقات التي تكمن في جوهر الماء يستثمرها الشاعر في أغلب نصوص هذه المجموعة مكونا منها معادلات موضوعية لرؤى وقضايا إنسانية عدة، على نحو ما نجد في نص «شراشف» الذي تتجسد عبره دلالات حميمية وعاطفية تتصل بنداوة المشاعر الإنسانية وجفافها ممثلة عبر حضور الماء وغيابه متناقضات الجوهر الإنساني؛ فالبلل والجفاف وجهان لعملة واحدة:
«الشراشفُ المنسيةُ على الشرفةِ
يُبلّلها المطرُ
ثمّ تجفّ في الظهيرة
في الليل تعودُ إلى
أسرّتها المشتعلةِ بماء
الحب
تُقذفُ إلى بطن آلة الغسيل
لتعود إلى الشرفة حتى تجفّ ثانيةً
......................................
.....................................
البللُ والجفافُ
وجهانِ لشرشفٍ واحدْ»
إنّ بنية المفارقة التي تضطلع طبيعة الماء بتشكيلها نجدها مجسّدة أيضا في نص أضداد الذي يستهلّه الشاعر بمقابلة تستثمر تكوينات الماء الشكلية:
«ضيّقةٌ هي الأرضُ
كقطرةِ ماءٍ
وفي السحابة متسع لاختصام الرعود
صغيرٌ هو سنُّ القلم
وكم كبيرةٌ هي الفكرة
دقيق هو ثقب الإبرة
وكبيرٌ هو الخوفُ من العري
متماسكة هي الصخرة
ولكنّ نبتة صغيرة
قادرة على خرق هذا التماسك»
ولأنّ موضوعية الماء التي حرصت لغة الشاعر على تمثيلها في نصوص هذه المجموعة متباينة التشكّل والحضور والتمرئي والحركة والسيولة في طبيعتها المادية؛ فإنّها أسهمت في إغناء بنية هذه النصوص بصور مشهدية كفيلة «بنقل القصيدة من مساحة الكلام اللفظي إلى مساحة الشاشة المرئية، ومن التلقي الذهني المتخيل إلى التلقي البصري المرئي» حسب محمد صابر عبيد في كتابه» بلاغة التجربة الشعرية، فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان 2020.أبرز الصور المشهدية التي أسهمت شعرية الماء في تشكيلها، هي صورةُ قطرات الماء الموزعة على صفحة نص «قطرة ماء؛ حيث جسّد توزيع أسطرها انتشار قطرات المطر المتساقطة، كما نجد في هذه المقاطع على سبيل التمثيل:
قطرةُ ماء
تسقطُ
على الكتابِ
أينبغي للسوادِ
أنْ يكتُبَ المعرفة
قطرةُ ماءٍ
تسقطُ
على
زاهدٍ
من أيّ سحابةٍ
يعتصرُ اليقين؟
قطرةُ ماء
تسقطُ
على فقيرٍ
أفي الأرضِ
كلُّ هذه الفاقة؟
استثمر الشاعر ما عليه قطرة الماء من طبيعة الانتشار مستغلا مساحات السواد والبياض لتشكيل صورة بصرية تجسد دلالات النص ومعانيه؛ فالتشكيل البصري، حسب محمد الصفراني في كتابه (التشكيل البصري في الشعر الحديث، منشورات النادي الأدبي، الرياض 2008)، «يتضمن كل ما هو ممنوح للبصر في فضاء النص، ويحيل إلى أهمية المبصورات في إنتاج دلالة النص الشعري، فاختلاف التشكيل من نص إلى آخر حسب مضمون وحالة كل نص يجعله جزءا أساسيا من النص بحيث يصبح المعطى الكتابي البصري مولدا للمعنى الشعري».إنّ هذا التشكيل البصري وتنوعه من نص إلى آخر في مجموعة المياه تخون البرك هو نتاج شعرية الماء التي عمد اللويهي إلى تشكيلها في نصوص مجموعته اعتمادا على طبيعة الماء بأشكال حضوره المختلفة وتمثيلاته المتنوعة وديناميته المتجددة؛ فانفرد كل نص بتشكيل بصرّي خاص به تظافر مع عناصر البناء الفني الأخرى كاللغة والإيقاع، التي استمدت هي أيضا من طبيعة الماء نسغها الحيوي، في بناء خطاب شعري مختلف مغاير أهّل صاحبه أن يشق من خلاله مجرى جديدا في أرض الشعرية العمانية والعربية.
جاسم جميل الطارشي كاتب عماني
