No Image
عمان الثقافي

الجزائر إلياذة متواصلة.. عناق التاريخ والأدب بين المشرق والمغرب

29 يوليو 2026
29 يوليو 2026

لم يدر بخلدي يوما ما أن تجول قدمي شوارع الجزائر، وأن أذرع بخطواتي تلك الأرض في أقصى بلاد المغرب العربي؛ لأستعيد نبش ذكريات الطفولة في حارتي «ردة الكنود» بـ«سمد نزوى» التي تعد معهدا وجامعة، كل فرد فيها تحسبه معلما، وكل من لا يحمل كتابا ليس له مكان بين أقرانه، ومن لا يقرأ فهو في حكم الأموات.. تعود الذاكرة إلى مطلع سبعينيات القرن المنصرم، حيث الرجال المتلففون ببيض الثياب بلحى سوداء باهية، يرتقون درج سبلة القاضي الشيخ سعود بن سليمان بن جمعة الكندي، تلك السبلة المنفصلة عن البيت، والمتصلة بالمقابل له في جانب مال «بيت قرش» والتي تلي «الصباح العالي» البوابة الشمال غربية للحارة الملاصقة لبيت جدي محمد الشيبة.. أولئك الرجال الذين جلبوا لنا قمصانا ضلت معلقة في ذاكرتنا.. كانوا رجالا من «وادي ميزاب» بولاية «غرداية».

توالت الأعوام ونحن ندرس عن أرض «الجزائر» بلد المليون شهيد وعن جماليات «وادي ميزاب» بما تحويه مطويات الجغرافيا، وما تطرقه من علوم توالد الإنسان، وطرائق معيشته، وموقعه الذي يلوذ به، ومناخه الذي يتكيف معه، وما يعكس ذلك كله من طبائع العمران على محك التمسك بالأرض، وتسجيل أحداث التاريخ، وكتابة كل ما هو قابل أن يصنع مجدا خالدا.

بين هضبات عاليها قصور، محاطة بأسوار تجري من تحتها أنهار، ونخل باسق، يوحي إليك المنظر في تجليه المهيب، أنك تدخل عالم آخر مما أبدعه الإنسان، واد ذو «سبعة قصور» مصنفة ضمن منظمة الثقافة العالمية «اليونيسكو» لنموذجها المعماري الفريد لفن العمارة الصحراوية التقليدية.

«القصر» في معناه «الميزابي» يتجاوز الفكرة المرسومة في الذهن، فالقصر مدينة متكاملة محاطة بأسوار عالية، وبوابات كبيرة تسيطر على الداخل إليها والخارج منها في نظام محكم، يحوي القصر كافة المرافق التي يحتاجها الإنسان لتسيير أمور حياته، الأسواق والمساجد ومجالس العلم والعمل، أما الذي يستثنى فهي الأعمال الفلاحية التي تكون خارجه.

تحقق الحلم بالتعرف عن كثب على أرض هي أشبه ما نعيشه على أرض عمان، والذي يتجدد فيه المشهد اليوم في إعادة إعمار الحارات «القصور» العمانية لتعيدها إلى مسرح التاريخ بكافة مقوماتها لتتواءم مع روح العصر، مازجة بين الأصالة والمعاصرة، واحتواء أغلب المتطلبات التي أصبح الاستغناء عنها ضربا من الخيال.

الجزائر تلك القارة المترامية الأطراف، الرقعة الجغرافية التي تعاقبت عليها حضارات وأمم وشعوب وما درسناه عن كفاح شعبها في مناهجنا وما قرأناه لاحقا عنها، ولعل المتسع هنا لا يقبل بما هو موجود في مصادر البحث الإلكترونية، حيث المادة والقائمين على الأمر كثر، فوسائل التواصل الحديثة تتيح تجول الأرض في دقائق معدودة لتحيط علما بما لا يدع مجالا للشك بالصوت والصورة والكتابة. أما الذي يجهله العامة من التفاصيل فكثير، وحسبك الإنسان الذي يعيش في هذه البقعة الجغرافية من الأرض، ويكابد عواتي الدهر والملمات التي تهز الجبال من منطلق الحضارات الأولى إلى عصر يكاد تمحي فيه الفروقات لتعيد تموضعها في أمكنة كأنها منسية من حقب التاريخ.

فالكشف عن نقاب الجزائر كأنه ضرب من المستحيل، فالذي يصل القليل مما يبتغيه المرء من تتبع بعض النتاجات الفكرية والأدبية، أو العلمية والثقافة، وإن وجدت فتعد شحيحة بالمقارنة مع الأقطار المجاورة، وذلك مرجعه أول الأمر إلى البعد الجغرافي وثانيا شح التبادل المعرفي والثقافي المتواصل، ولعل الكشف عن «إلياذة الجزائر» أردفت المعرفة الأكثر بشاعر الثورة ومطلق نشيدها «مفدي زكريا» الذي ولد في أحد قصور «بني يزقن» في غرداية يوم 12 يونيو 1908م وتوفي 17 أغسطس 1977م في تونس، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه.

وأحسب أن ما وسع الإطلاع عليه في هذه الرحلة «الإلياذة» الجزائرية جوهرة أدب «مفدي زكريا» التي تعد مفخرة ولوحة عرضت وجسدت فيها روح الجزائر الثائرة ونضالها بالكلمة والسلاح ضد الاستعمار الفرنسي البغيض، «إلياذة» شعت بأطيافها ورقي لغتها وجماليات ألفاظها فبدت كقطوف دانية، فكان الإطلاع عليها أوجب؛ لما تحمله في طياتها من معان سامية مطرزة بخيوط الكرامة.

نالت الجزائر استقلالها رسميا في 5 يوليو 1962، بعد ثورة تحريرية كبرى (1954-1962) دامت سبع سنوات ونصف السنة، ضد الاستعمار الفرنسي الذي استمر 132 عامًا (1830-1962). جاء الاستقلال إثر استفتاء تقرير المصير في 1 يوليو 1962، وتوقيع اتفاقيات «إيفيان» منهيا حقبة طويلة من النضال والتضحيات، وهنا يظهر قوة التعانق في العلاقات العمانية الجزائرية الراسخة منذ القدم في تقاسم الحضارات، فأبت الروح العمانية إلا أن تشارك ربيبتها في النضال، حيث انبرى الشيخ العلامة والقاضي الفهامة سعيد بن أحمد بن سليمان الكندي بنظم قصيدة رائعة صادحة بهذه المناسبة العظيمة التي يقول في مطلعها:

ملأ الفضا برج الأثير سرورا

وبه علت أصواته تبشيرا

ملأ البسيطة منه نشر محاسن

كل الأذايع أرسلته بشيرا

فاهتزت الأرجاء من فرح به

حتى الجزائر نالت التحريرا

فلك الهنا شعب الجزائر إلى

ما كان صعبا خاضعا ميسورا

وهي قصيدة تقع في أربعة وعشرين بيتا يصف فيها مسار التحرير، وتأدية حق الواجب للأوطان، كما تظهر مدى التلاحم في المصير العربي المشترك، والتعانق والتوأمة الناصعة بين الشرق أرض عمان والغرب أرض الجزائر.

تبقى الجزائر إلياذة وملحمة شعرية متواصلة منذ البدء إلى الوقت الحاضر، بلد يحمل إرثا تاريخيا وجغرافية واسعة متنوعة، وتركيبة سكانية متباينة، وأنماطا معيشية فريدة ومختلفة، فكل هذه جميعا تلتقي في كل ميدان أو نصب أو شارع، وفي كل زاوية، تذكر بالشهداء الذين سقطوا لتحرير الأرض بدمائهم الزاكية.

كانت رحلة الاستكشاف الأولى إلى هذا البلد الكريم المضياف جديرة أن تحرك ساكن التاريخ والجغرافيا والإنسان، فكان المخاض عسيرا بعد بزوغ فكرة السفر إلى بلد المليون شهيد؛ خاصة في الإجراءات المتطلبة من حيث جمع المعلومات الأولية، ومن بعدها المعلومات التاريخية، وما يتبع ذلك من معرفة ببعض التفاصيل؛ التي تمكن السائح وتتيح له إقامة هانئة من حيث بسط تلقائية التجوال والتنقل والسكن والمأكل الذي كان في متناول اليد. وبرغم المكابدة في عملية التواصل بين الأطراف ومتطلبات الدفع النقدي الذي تمليه السياسة العامة للدولة، إلا أن التغلب عليها كان يسيرا، وبرغم الصعوبات إلا أن الإمكانيات المؤهلة قد سارت وفق المتوقع. ولكن الحق الذي يجب أن يقال ولا يغفل؛ أن بلد الأحرار أثبت أن تلك التحديات قد انمحت وتمت مواءمتها وتسييرها على الصورة الأكمل في سماحة وجمال وجه هذا الشعب العظيم.

كان كل شيء فيها ينطق تاريخا، وكل قصة أو حكاية ترتبط بأسطورة مغربة في الخيال، فالآثار الرومانية والفينيقية كانت ممالك واسعة مترفة على امتدادات شاسعة متعالية بأعمدتها التي تطل بعنفوان من هضباتها على الغابات الخضراء، آثار ترقب اللحظة الحاسمة لاستعادة الحياة، والأرضيات الفسيفسائية تزاحم الرغبة في إعادة سماع أقدام تطرق سبل التاريخ، والأبنية المشرئبة في سطوة المجد العظيم تعانق جميع من مروا على هذه الأرض التي لن تمحى من الذاكرة البشرية.

سعيد الكندي كاتب عُماني