زغرودة أم الشهيد.. "صرخة مخنوقة "لا يسمعها العالم
تفوقت أم الشهيد أمير جابر من مدينة رام الله، بتماسكها ورباطة جأشها، وانطلاقة لسانها، وهي تستقبل ابنها المسجى في مجمع فلسطين الطبي، بعد أن وضع رصاص قنّاص احتلالي غادر، حداً لحياته.
لم تسبق أم أمير كل الأمهات الفلسطينيات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن، ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة، مع استمرار إرهاب جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين، ومضي الشعب الفلسطيني في دفع فاتورة نضاله أرواحاً ودماء، لكنها كانت محط احترام وتقدير وتبجيل العالم، بحملها لابنها مرتين، الأولى جنيناً، والثانية شهيداً.لقد تفوقت أم الشهيد على أكثر من في الأرض صبراً واحتساباً، وهي تطلق زغرودة مبحوحة "ربما لهذا السبب لم يسمعها العالم" عندما أعلن الأطباء في مجمع فلسطين الطبي، عن استشهاد ابنها البالغ 15 عاماً، متأثراً بإصابته برصاصتين غادرتين في الرأس والصدر، أطلقهما عليه جنود الاحتلال المتحفزين للقتل خلال اقتحام مفاجىء لمدينة رام الله.
وكان لافتاً أن الطفل أمير جابر، ارتقى أمام عدسات الكاميرات، وعلى مرأى ومسمع من العالم الصامت، في مشهد يؤكد استخفاف منظومة الاحتلال بكل المواثيق والاتفاقيات الدولية والإنسانية، وبكل ما يتعلق بحماية الأطفال، ما يشجع آلة الاحتلال الحربية على استباحة دماء الفلسطينيين شيباً وشباناً.
لقد سطرت الأم الفلسطينية، صفحات المجد والأنفة والشموخ، رغم جبل الأحزان الجاثم على صدرها، فلا يكاد يمر يوم دون أن تودع أمهات فلسطين الشهيد تلو الآخر، ومن دون أن يطلقن زغرودة "عرس الشهادة" المعهودة، إذ يتسلحن بإيمان عميق بعدالة القضية التي سقط من أجلها الأبناء، وكم من أم فلسطينية استحقت لقب "خنساء فلسطين".-لإخفاء الوجع-في قرية دير جرير شرق رام الله، لم يكن أمام والدة الشهيد أحمد أبو مخو (25) عاماً، لكظم غيظها وإخفاء وجعها أمام جنود الاحتلال، الذين جاءوا شامتين، غير وداعه بزغرودة، عبّرت من خلالها عن مدى فخرها بابنها الذي أسقطه رصاص الغدر الاحتلالي، بينما كان يدافع عن أرضه ويحرسها برموش العيون، ويتصدى لجبروت وبطش جيش يعتنق عقيدة حسم المواجهة غير المتكافئة تارة بالقتل، وأخرى بالمحو ومحاولات التهجير.
كانت زغرودة والدة الشهيد، تعبّر عن فداحة فقدها، وتحمل معها الكثير، بعد أن أودعت نجلها تراب الوطن، وهو الذي ما انفك يدافع عنه أمام رعاع المستوطنين، الذين جاءوا لقتل رعاة الأغنام، وسلب الأراضي، وسرقة المواشي، ومصادرة المراعي.. مشاهد مبللة بالدموع، في معركة تحدي الوجود والحرية، أمام غلاة القتل ومصاصي الدماء.
وليست دير جرير وحدها من تواجه هذا الغزو المنفلت والقتل والإرهاب اليومي، فجميع القرى الفلسطينية من شمال فلسطين إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، أصبحت في دائرة النار، وفي أتون تصعيد لا يبتعد عن كونه فصل من سباق انتخابي إسرائيلي، تسعى من خلاله حكومة المستوطنين إلى استقطاب أصوات الناخبين بدماء الفلسطينيين العزل، من أبناء القرى والأرياف الوادعة.-زغاريد لـ"الشهادة العليا"-في واحد من صباحات غزة الدامية، استيقظت رغد عاشور كعادتها مبكراً، وراحت تجهز نفسها للتقدم لامتحان الثانوية العامة، قاصدة إحدى القاعات التي يتوفر فيها خدمة الانترنت.
كانت رغد وهي من سكان حي الرمال بمدينة غزة، من أكثر الطالبات اجتهاداً، وقد أمضت الأشهر الأخيرة منغمسة في دراستها، حتى تحقق حلم والدتها بالنجاح والتفوق، إذ عاشت حياة اليُتم طفلة، حين رحل والدها شهيداً، وهي لم تتجاوز العامين.في طريقها إلى قاعة الامتحان، عاجلتها طائرة مسيّرة إسرائيلية بثلاثة صواريخ، مستهدفة المارّة، ما أدى إلى استشهادها، لتفجع عائلتها بها.كان المشهد تراجيدياً عند والدة رغد، التي استقبلت نبأ استشهادها بقلب مفجوع، فخفت مسرعة إلى مكان القصف، لتستقبل المهنئات بالزغاريد، إذ فازت رغد بـ"الشهادة العليا" كما تقول الوالدة الموجوعة، مبينة أنها وجدت ابنتها غارقة في دمائها، وكانت تتمنى أن تفرح بنجاحها في الثانوية العامة، التي أعلنت نتائجها قبل أيام، لتطلق لها زغرودة الفرح، لكن صواريخ الاحتلال طوّحت بأحلامها.
تستذكر والدة رغد، التي تقدمت صفوف المشيعين، أنها ربّت ابنتها يتيمة، وكان كل همها أن تفرح بنجاحها وتفوقها، مبينة أنها غير مصدقة حتى الآن أن رغد رحلت عن عالمها، وأنها لن تراها بعد اليوم.ورغد نموذج مصغر لما يعيشه أهل غزة بفعل الحرب الاقتلاعية التي يفترض أنها توقفت بإعلان اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 9 أكتوبر الماضي، غير أنها لم تنته، فآلة الحرب الإسرائيلية أدارت ظهرها لكل الاتفاقيات والقرارات، وما زالت طائرات الموت تحوم فوق رؤوس الغزيين، وتتربص بهم.كان صباحاً مختلفاً في خيمة نزوح رغد، التي وضعت ظروفها المعيشية خلف ظهرها، وهي المتعطشة للإنجاز والفرح، وحمل عائلتها ولو بشكل مؤقت، خارج حياتهم المثقلة بالهموم، وواقعهم المتجهم، ولكن في لحظات جنون إسرائيلية، انقلبت الوجوه والملامح التي كانت تغط في الفرح، إلى أخرى تنبعث ألماً وتنطق حزناً، ولا تبوح إلا بزغرودة مخنوقة.
