"رفقة حياة".. ترتقي بوعي المقبلين على الزواج ..ومختصون يؤكدون أهمية التوافق الفكري
يشكّل الاستعداد للحياة الزوجية أحد المسارات المهمة في بناء الأسرة المستقرة، إذ يعد الوعي قبل الزواج حاجة اجتماعية تساعد المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثًا على فهم مسؤولياتهم، وتكوين علاقة قائمة على الحوار والتفاهم وحسن إدارة التحديات.
وتأتي مبادرة "رفقة حياة" التي تتبناها وزارة التنمية الاجتماعية لتضع الإرشاد الزواجي في إطار وقائي وتنموي، من خلال تزويد المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثًا بالمعارف والمهارات التي تعينهم على الاختيار السليم، وفهم طبيعة الشريك، وتنمية مهارات التواصل، وإدارة الخلافات، وتصحيح التصورات غير الواقعية عن الحياة الزوجية.
ويرى مختصون في الإرشاد النفسي والاجتماعي والأسري أن المبادرة تمثل خطوة مهمة في ترسيخ ثقافة الزواج الواعي، وتحويل الاستعداد للحياة الأسرية من مجرد نصائح عامة إلى برنامج عملي يلامس احتياجات الشباب، ويساعدهم على بناء أسر أكثر استقرارًا وتماسكًا.
اختيار واعٍ
وفي هذا السياق قال الأخصائي النفسي سعيد بن أحمد الشحري: إن المبادرة تولي اهتمامًا كبيرًا بترسيخ مفهوم الاختيار الواعي لشريك الحياة، موضحًا أن قرار الزواج لا ينبغي أن يقوم على الجانب العاطفي فقط، وإنما على مجموعة من المعايير المتكاملة التي تساعد على بناء علاقة مستقرة ومستدامة من أبرزها الجوانب الدينية والاجتماعية والشخصية والنفسية والصحية، إلى جانب وجود القبول والتوافق بين الطرفين، مبينًا أن وعي المقبلين على الزواج بهذه المعايير يساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا، بعيدًا عن التسرع أو التأثر بالانطباعات العابرة.
وأوضح أن فهم الفروق النفسية بين الرجل والمرأة يمثل أحد المحاور المهمة التي تتناولها المبادرة، مشيرًا إلى أن لكل طرف طبيعته الخاصة في التفكير والتعبير عن المشاعر والتعامل مع الضغوط، وأن إدراك هذه الاختلافات يسهم في تقليل سوء الفهم ويدعم التفاهم بين الزوجين.
وبيّن أن المبادرة تركز على معرفة الأنماط الشخصية، باعتبارها أحد المفاتيح المهمة لفهم طريقة تعامل الفرد مع المواقف المختلفة، موضحًا أن معرفة نمط شخصية الشريك تساعد على اختيار الأسلوب الأنسب في التواصل معه، وبناء علاقة أكثر انسجامًا.
وتناول الأخصائي النفسي سعيد الشحري جانب إدارة الخلافات، موضحًا أن الخلافات الزوجية جزء طبيعي من أي علاقة إنسانية، غير أن طريقة التعامل معها هي العامل الأهم في حماية الاستقرار الأسري، مبينًا أن المبادرة تدرب المشاركين على خطوات عملية تبدأ بفهم طبيعة الشريك، وتحديد المشكلة وتحليلها، ثم البحث عن البدائل المناسبة واختيار الحلول التي تحقق التوازن بين الطرفين.
وأضاف أن المبادرة تسعى إلى تصحيح بعض المفاهيم غير الواقعية عن الزواج، مثل الاعتقاد بأن الحياة الزوجية ستكون خالية من المشكلات، أو أن السعادة الزوجية تتحقق تلقائيًّا دون جهد من الطرفين، مشيرا إلى أن الحياة الزوجية تحتاج إلى تعاون مستمر ومهارات في التعامل.
وأكد أن تفاعل المشاركين مع محاور المبادرة كان كبيرًا، وأسهم في تكوين تصور أكثر واقعية لديهم حول الحياة الزوجية، وتنمية مهارات التواصل والحوار وتحمل المسؤولية المشتركة.
تواصل فعّال
من جانبها أوضحت شيخة بنت سهيل العمري رئيسة قسم الشراكة ومؤسسات المجتمع المدني بدائرة التنمية الاجتماعية بولاية سدح أن المبادرة تؤكد أن التواصل الفعال يعد من أهم ركائز الحياة الزوجية الناجحة، إذ لا تكفي المشاعر وحدها لتحقيق الاستقرار، ما لم يمتلك الزوجان مهارات الحوار والتعبير عن الاحتياجات بطريقة صحيحة.
وأشارت إلى أن المبادرة تتناول مجموعة من المهارات المهمة، من بينها الاستماع الفعال، والتعبير عن المشاعر باحترام، واختيار الوقت المناسب للنقاش، والابتعاد عن أسلوب اللوم والانفعال، إلى جانب أهمية التقدير والكلمة الطيبة في تقوية العلاقة بين الزوجين.
وبيّنت أن المبادرة تعزز لدى المشاركين مفهومًا مهمًا، وهو أن نجاح الزواج لا يعني غياب الخلافات، وإنما القدرة على إدارتها بأسلوب قائم على الحوار والاحترام والاستماع المتبادل، بما يساعد الزوجين على تجاوز التحديات اليومية دون أن تتحول إلى خلافات ممتدة.
وتطرقت العمري إلى أهمية الاستعداد للحياة الزوجية من مختلف الجوانب، بما في ذلك الفحص الطبي قبل الزواج، والتخطيط للحياة الأسرية، وتنظيم المسؤوليات بين الزوجين، والتخطيط للإنجاب بما يتناسب مع ظروف الأسرة ،مبينة أن نتائج الاستبيانات القبلية والبعدية أظهرت ارتفاعًا في مستوى المعرفة لدى المشاركين، كما عكست الأنشطة التفاعلية ودراسات الحالة والنقاشات الجماعية حجم الاهتمام بالمبادرة وأهميتها في ملامسة احتياجات المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثًا.
استعداد مبكر
بدوره، قال حمد بن حارث الحسني، أخصائي الإرشاد والتوجيه الأسري إن مبادرة "رفقة حياة" تنظر إلى اختيار الشريك باعتباره مشروعًا لبناء أسرة، ولذلك لا بد من مراعاة عدد من الجوانب المهمة، من بينها الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية، والتوافق مع العادات والتقاليد المجتمعية، إضافة إلى الجوانب النفسية والصحية.
وأضاف أن القدرة على التحكم في المشاعر والانفعالات، والتأكد من خلو الطرفين من ظروف صحية أو نفسية قد تؤثر على استقرار الحياة الزوجية مستقبلًا، تمثل من الجوانب التي ينبغي الانتباه إليها قبل اتخاذ قرار الزواج.
وبيّن أن من الجوانب التي تتناولها المبادرة مساعدة المشاركين على فهم ذواتهم قبل الدخول في الحياة الزوجية، من خلال تطبيق مقياس مقومات الاستعداد للزواج، الذي يساعد على التعرف إلى مستوى الجاهزية للزواج، وقياس عدد من الأبعاد الأخلاقية والجسدية والمعرفية والنفسية والاجتماعية والمالية، مشيرا إلى أن هذا المقياس ليس إصدار حكم على استعداد الشخص، وإنما مساعدته على اكتشاف الجوانب التي تحتاج إلى تطوير، بما يعزز وعيه بذاته وبمتطلبات المرحلة المقبلة.
وأضاف أن التواصل الناجح يتطلب إعطاء الشريك كامل الانتباه أثناء الحديث، واستخدام لغة الجسد الإيجابية، والمحافظة على هدوء نبرة الصوت، وعدم افتراض أن الطرف الآخر يعرف المشاعر والاحتياجات دون التعبير عنها بوضوح.
وتناول الحسني أهمية التخطيط الأسري باعتباره عنصرًا أساسيًّا لتنظيم شؤون الأسرة وتحقيق استقرارها على المدى البعيد، مبينًا أن المبادرة ركزت على جوانب عدة، من بينها التخطيط المالي، والتخطيط للإنجاب، وإدارة الوقت الأسري.
وأضاف أخصائي الإرشاد والتوجيه الأسري حمد الحسني أن المشاركين تدربوا على إعداد ميزانية الأسرة من خلال تطبيقات عملية وأمثلة واقعية، كما ناقشت الجلسات عددًا من التحديات المرتبطة بالتخطيط للإنجاب وكيفية التعامل معها، إضافة إلى أهمية تحقيق التوازن بين الأسرة والعلاقات الاجتماعية الخارجية، ومنح الأسرة الأولوية ضمن دائرة الاهتمام.
ولفت إلى أن الأنشطة التفاعلية والتطبيقات العملية التي نُفذت خلال الجلسات التدريبية أسهمت في تصحيح بعض الأفكار والتصورات غير الواقعية لدى المشاركين، وعززت قدرتهم على فهم متطلبات الحياة الزوجية بصورة أكثر وعيًا.
وتعكس مبادرة "رفقة حياة" توجه وزارة التنمية الاجتماعية نحو جعل الإرشاد الزواجي مسارًا متكاملًا يساعد الشباب على الاختيار السليم والاستعداد النفسي والاجتماعي للحياة الزوجية، ويسهم في الوقاية من المشكلات الأسرية، وبناء أسر أكثر وعيًا واستقرارًا وتماسكًا.
