المسير الجبلي.. رياضة تتطلب وعيًا بالمخاطر و التضاريس .. و"الدفاع المدني" تدعو الهواة إلى الالتزام بتدابير السلامة
تتطلب ممارسة رياضة المسير الجبلي والمغامرات في المواقع الوعرة استعدادًا مسبقًا ومعرفة بطبيعة المسارات، في ظل ما قد تشهده البيئات الجبلية من تغيرات مفاجئة في الأحوال الجوية، وصعوبة في التضاريس، وضعف تغطية شبكات الاتصال، ما يجعل الالتزام بإجراءات السلامة عاملًا أساسيًّا للحد من الحوادث وحماية مرتادي الجبال وفرق الإنقاذ.
وفي هذا السياق قال الرائد فيصل بن علي الذهلي، مساعد مدير إدارة البحث والإنقاذ بهيئة الدفاع المدني والإسعاف: إن الهيئة تتعامل مع مجموعة متنوعة من الحوادث في مسارات المشي الجبلي، يأتي في مقدمتها فقدان المسار الصحيح، والسقوط والإصابات، والإجهاد والإنهاك نتيجة المشي لمسافات طويلة، والاحتجاز في المواقع الوعرة، إضافة إلى فقدان الأشخاص بسبب تغير الأحوال الجوية أو ضعف الرؤية.
بلاغات متنوعة
وأشار إلى أن بعض البلاغات ترتبط بالكهوف أو النزول بالحبال وتسلق المنحدرات، وهي حوادث تتطلب تدخل فرق متخصصة واستخدام معدات إنقاذ متقدمة للوصول إلى المصابين وإخلائهم بأمان.
وبيّن أن معظم الحوادث كان من الممكن تجنبها من خلال الالتزام بإجراءات السلامة الأساسية، موضحًا أن من أكثر الأخطاء تكرارًا الانطلاق دون معرفة كافية بطبيعة المسار أو مستوى صعوبته، وعدم متابعة الأحوال الجوية قبل بدء الرحلة، وممارسة المشي أو المغامرة بصورة فردية، إلى جانب استخدام معدات غير مطابقة للمواصفات أو عدم الإلمام بطريقة استخدامها.
وأضاف: أن عدم حمل كميات كافية من المياه والغذاء، وضعف الاستعداد البدني، ووجود حالات صحية لا تتناسب مع طبيعة النشاط، تعد من العوامل التي قد تحول الرحلة الجبلية إلى موقف خطر يستدعي تدخل فرق البحث والإنقاذ.
وذكر مساعد مدير إدارة البحث والإنقاذ أن البلاغات المتعلقة بالمسير الجبلي تزداد خلال فترات اعتدال الطقس والإجازات الرسمية ومواسم السياحة الشتوية، مع ارتفاع أعداد ممارسي الهواية والاستكشاف في المواقع الجبلية.
ولفت مساعد مدير إدارة البحث والإنقاذ إلى أن الهيئة إلى البلاغات المسجلة خلال الخمس سنوات الأخيرة بلغت 163 بلاغًا، حيث سجلت 16 بلاغًا جبليًّا خلال عام 2025، مقارنة بـ17 بلاغًا في عام 2024، فيما بلغت البلاغات 36 بلاغًا في عام 2022، و37 بلاغًا في عام 2021، بعد أن سجلت 57 بلاغًا في عام 2020.
تحديات الإنقاذ
وتناول الرائد فيصل الذهلي أبرز الصعوبات التي تواجه فرق البحث والإنقاذ في المناطق الجبلية، من بينها وعورة التضاريس وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع، وضعف أو انعدام تغطية شبكات الاتصال، والتغير المفاجئ في الأحوال الجوية، وحلول الظلام قبل الوصول إلى المصابين في بعض البلاغات.
وأوضح أن عدم معرفة الموقع الدقيق للمفقودين أو المصابين، وتأخر الإبلاغ نتيجة عدم إطلاع الأسرة أو الأصدقاء على خطة الرحلة، يزيدان من تعقيد عمليات البحث ويؤخران وصول الفرق إلى الموقع. وأكد أن الهيئة تمتلك فرقًا متخصصة ومدربة على عمليات الإنقاذ الجبلي، ومجهزة بالمعدات الفنية اللازمة للتعامل مع مختلف السيناريوهات، مع مراعاة سلامة المصابين وأفراد فرق الإنقاذ في الوقت نفسه.
ودعا الرائد فيصل الذهلي الراغبين في ممارسة المشي الجبلي إلى التخطيط المسبق للرحلة، ودراسة المسار ومستوى صعوبته، ومتابعة الأحوال الجوية من المصادر الرسمية، وعدم الذهاب بصورة فردية، وإبلاغ الأسرة أو الأصدقاء بموقع الرحلة وموعد العودة المتوقع.
كما أوصى بالتسجيل في برنامج "نداء" قبل الانطلاق، وحمل كميات كافية من المياه والغذاء ومستلزمات الإسعافات الأولية، واستخدام معدات معتمدة ومناسبة لطبيعة النشاط، والتأكد من الجاهزية الصحية والبدنية لجميع المشاركين. وقال: إن هيئة الدفاع المدني والإسعاف تشجع السياحة والمغامرات الجبلية ضمن ثقافة تقوم على السلامة والالتزام بالإجراءات الوقائية، مؤكدًا أن اتباع الإرشادات يسهم في حماية الأرواح وتقليل احتمالات وقوع الحوادث.
مخاطر المقاطع
من جانبه أوضح بهاء الدين بن وني الراشدي، رئيس فريق البحث والإنقاذ التطوعي بقرية بضعة بولاية وادي بني خالد، أن الانتشار الواسع لمقاطع المواقع الجبلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في زيادة أعداد الزوار، إلا أن بعضهم يصل إلى تلك المواقع دون إدراك كافٍ لطبيعة المخاطر أو صعوبة التضاريس.
وأشار إلى أن المقاطع القصيرة المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس في كثير من الأحيان طول المسار أو وعورته أو تغير الظروف الجوية، مشيرا إلى أن مشاهدة مقطع عن الموقع لا تغني عن التخطيط المسبق أو الاستعانة بشخص لديه معرفة بالمنطقة.
وبيّن أن عمليات الإنقاذ في المسارات الوعرة تتطلب من أفراد الفرق السير لمسافات طويلة وحمل المعدات والمصابين حتى الوصول بهم إلى مكان آمن، وهو ما يجعل تحديد الموقع بدقة وإبلاغ الأسرة بوجهة الرحلة ووقت العودة أمرًا بالغ الأهمية.
وذكر أن من بين الحالات التي تعامل معها الفريق أشخاصًا خرجوا للبحث عن العسل أو لأغراض أخرى دون إبلاغ أحد بوجهتهم، ما أدى إلى تأخر تقديم البلاغ وصعوبة تحديد مواقعهم.
وأشار إلى أن استخدام تطبيق شرطة عُمان السلطانية أو وسائل مشاركة الموقع يسهم في اختصار وقت البحث، ويساعد فرق الإنقاذ على الوصول إلى المفقودين أو المصابين بصورة أسرع.
وأوضح أن التخطيط الجيد قبل الرحلة يتيح اختيار المسار المناسب لقدرات المشاركين، ومتابعة حالة الطقس، وتجنب المجازفة خلال الأمطار أو ارتفاع درجات الحرارة، مشيرًا إلى أهمية تنفيذ الرحلة ضمن مجموعة أو برفقة مرشد متمرس يعرف المنطقة جيدًا.
مسارات أكثر أمانًا
ودعا رئيس فريق البحث والإنقاذ بقرية بضعة إلى تصنيف المسارات الجبلية وفق درجات الصعوبة، ووضع لوحات إرشادية واضحة، وتوسيع التعاون بين الجهات المختصة والفرق التطوعية والمنظمين السياحيين، بما يسهم في الحد من الحوادث والحفاظ على سلامة الزوار، كما دعا مع موسم خريف ظفار إلى أهمية الاستمتاع بالطبيعة بمسؤولية، وتجنب دخول المسارات غير المهيأة أو غير المعروفة، موضحًا أن عمليات الإنقاذ لا تعرض حياة المصاب وحده للخطر، وإنما قد تمتد مخاطرها إلى أفراد الفرق المشاركين في عمليات البحث والإخلاء.
سوء التقدير
ويبيّن أحمد بن محمد العبري رئيس فريق الحمراء للرياضة الجبلية، أن سوء تقدير المشارك لقدراته البدنية وخبرته يمثل أحد أبرز أسباب التعرض للصعوبات أثناء المسير الجبلي؛ إذ قد يختار بعض المشاركين مسارات تفوق إمكاناتهم، ما يؤدي إلى الإرهاق الشديد أو الشد العضلي وعدم القدرة على مواصلة السير.
وأوضح أن معرفة المشارك بمستوى لياقته وخبرته تساعده على اتخاذ القرار المناسب بشأن المشاركة، خصوصًا أن بعض المسارات تتطلب قدرات بدنية عالية وخبرات سابقة للتعامل مع الانحدارات والعوائق الفنية.
وأشار إلى إمكانية تصنيف المسارات الجبلية وفق معايير مهنية تشمل طول المسار، ودرجة الانحدار، وطبيعة العوائق التي قد تتطلب تجهيزات خاصة، مع اعتماد مقياس لكل معيار وتصنيف المسارات إلى سهلة ومتوسطة وصعبة.
وأضاف: أن هذا التصنيف يتيح للمبتدئين اختيار المسارات السهلة، فيما تناسب المسارات المتوسطة أصحاب الخبرة المحدودة، وتخصص المسارات الصعبة للمتمرسين وذوي القدرات البدنية العالية.
وأوضح أن على الفرق المنظمة أن تكون على دراية بقدرات أعضائها وإمكاناتهم البدنية والفنية، وأن تعمل على تعريفهم بطبيعة التحديات والصعوبات قبل انطلاق الرحلة، مع ضرورة تقديم النصح والإرشاد لمن لا تتناسب قدراتهم مع مستوى الرحلة حفاظًا على سلامتهم.
وذكر أن استخدام حذاء غير مناسب، وارتداء ملابس لا تتوافق مع حالة الطقس، وعدم الإلمام بتفاصيل المسار عند ارتياده للمرة الأولى، تعد من الأخطاء التي قد تزيد احتمالات السقوط أو التعرض للإصابة.
كما أشار إلى أن حسن تقدير الموقف عند وقوع إصابة يسهم في احتواء الحالة، في حين قد يؤدي الارتباك أو التسرع في اتخاذ القرار إلى تفاقمها، مؤكدًا أهمية إلمام المشاركين بمهارات الإسعافات الأولية واصطحاب حقيبة مخصصة لها.
ودعا أحمد العبري إلى وضع إطار ينظم ممارسة المشي الجبلي وعمل الفرق والمرشدين، مع اعتماد تصنيف واضح للمسارات وربط كل مسار بمستوى محدد من اللياقة والخبرة والتجهيز.
