تربية الأبناء..على منّ تقع المسؤولية ؟!
يعتقد بعض الناس أن مسؤولية تربية الأبناء وتوجيههم نحو مقاصد الحياة ملقاة فقط على عاتق طرف واحد في العائلة دون آخر، سواء كان هذا الطرف يتمثل في شخصية "الأب أو الأم" دون أن يكونا معًا!
قد تستغرب من ذلك؛ لأن الحقيقة تؤكد بأن المسؤولية هي ذاتها تكاملية وتضامنية في آنٍ واحد، بمعنى أن كل قطب من أقطاب العائلة عليه مسؤوليات وواجبات يجب أن يقوم بها تجاه الأبناء منذ نعومة أظفارهم وحتى يستقيم أمرهم، وهذا هو الصواب في شأن التربية الصحيحة.
لا ننكر أن في بعض الأحيان يتحمل طرف كامل المسؤولية عندما يتخلى الطرف المقابل عن واجباته، وهذا ليس خطأ أو نقصًا؛ لأن ترك الأبناء دون عائل أو موجه أو مربٍّ يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية لا تُحمد عقباها.
فكم من أمٍّ ربّت وأظهرت للعلن أبناءً يُشهد لهم بالبنان بعد أن فقدوا والدهم، وبالمقابل هناك أبٌ ضحّى بحياته من أجل أن يكون راعيًا صالحًا لأبنائه.
هذه حالات فردية؛ لأن الأقدار هي من تتحكم في أمور الحياة، ولكن السواد الغالب هو وجود الأب والأم معًا، ولكن تجد أن أحد الأطراف يتكاسل عن أداء دوره، وهنا تكمن المشكلة في ذاتها.
إذا كنا نتحدث عن أهمية "الوالدين" في حياة الأبناء، وأهمية دورهما في التربية الصالحة، وأنهما يمثلان صمام الأمان الأول، ويكمل كل منهما الآخر في مراحل: "العطاء، والتوجيه، وتوفير الاستقرار النفسي والعاطفي للأبناء"، فإننا بذلك قد وقفنا على لب الموضوع.
وبحسب ما يرى الفقهاء ورجال الدين، فإن الأبناء أمانة عظيمة استودعها الله تعالى لدى الآباء والأمهات، ويسألون عنها يوم القيامة، فقد أمرهم سبحانه وتعالى بحفظها من أسباب التلف والضياع، أو سبل الهلاك والدمار، وأوجب عليهم تعهدها بالرعاية والاهتمام، كما يتعهد الإنسان بالنبات ويحفظه من سائر الآفات التي قد تصيبه في مرحلة نموه وحتى اكتماله.
وفي السنة النبوية الشريفة، ورد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير راعٍ على الناس وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته، وامرأة الرجل راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". رواه البخاري.
لكن هناك رأيا آخر يرى بأن "الإخوان أو الأخوات"، خاصة من هم أكبر سنًّا بين إخوانهم، عليهم واجبات المساندة في التربية مثل: المتابعة والإرشاد القويم لإخوانهم، وأيضًا أن يكونوا القدوة الحسنة.
أيضًا، المسؤولية لا تنحصر في الآباء والأمهات والإخوان، فهناك أطراف أخرى، فقد ينشأ الطفل في بيئة اليُتم منذ الصغر، فينتقل إلى العيش في مكان آخر، سواء في بيت الجد أو الجدة أو العم أو الخال أو من الأقرباء، وعليهم أيضًا ذات المسؤولية في الاعتناء بهذا الطفل وإعداده بشكل صحيح ومستقيم.
من الملاحظ كثيرًا أن الأطفال هم من يدفعون أثمانًا باهظة في بعض الأسر التي تمزق شملها النزاعات والاختلافات بين الوالدين، فيتخلى البعض عن واجباته بمجرد الانفصال، مدعيًا بأنه لا علاقة له بهم، وأن له حياته الخاصة الجديدة!
وهنا تتضخم كرة الثلج لتصبح أكثر خطورة من أي وقت سابق، فأحيانًا الأب لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية عائلة كبيرة بشكل شامل بسبب المرض أو ضعف الإمكانيات أو عدم التفرغ وارتباطه بمصادر الرزق، وكذلك الأم لها أسبابها الأخرى التي تجعلها مكبلة بالمسؤوليات، خاصة إذا كانت لا تعمل أو لا يوجد لديها مصدر دخل ثابت، لذلك نرى بأن تربية الأبناء ماديًا ومعنويًا هي مسؤولية مشتركة ومتكاملة تقع في المقام الأول والأخير على عاتق "الأب والأم" معًا دون تفرقة؛ لأن الأبناء أمانة -كما قلنا سابقًا- استودعها الله تعالى الآباء والأمهات، وتتطلب هذه الأمانة العظيمة تكاملًا في الأدوار، وغرسًا للقيم، وبناءً للقدوة الحسنة منذ الصغر.
ومما لا يدعو للشك بأن الوالدين يمثلان حجر الزاوية في أي أسرة ملتزمة بدورها الإنساني تجاه أبنائها مهما كان حجمها وعدد أفرادها، فعليهم مسؤولية القوامة بالقدوة الحسنة والحوار المباشر معهم، وتهذيب أخلاقهم وتعويدهم على السلوك الحسن، وإرشادهم نحو طرقات الفضيلة والأعمال الحميدة، ويأتي ذلك من خلال تشارك كلٍّ من الأب والأم في غرس المبادئ الأساسية والدينية دون إلقاء العبء على طرف واحد.
ومما يؤسف له في بعض الأحيان أن كثيرًا من الآباء والأمهات لا يعرفون قدر هذه المسؤولية، ولا عظم هذه الأمانة الربانية، فيفرطون فيها أيّما تفريط، ويضيعونها من حيث لا يحتسبون، وهنا تتشكل بؤرة المشكلات في حياة الأبناء الذين يعانون من صعوبات في الحياة.
وقد نبّه الدين الإسلامي الحنيف إلى مشكلة التفريط في تربية الأولاد، وتحدث عن العاقبة الوخيمة المنتظرة للشخص المقصر في أداء واجبه، سواء في الدنيا أو الآخرة، ففي الدنيا يجد "العقوق" من أبنائه كأثر من آثار هذا التفريط في حقهم المشروع، وفي الآخرة يكون الحساب على تقصيره في تربيتهم، فتربية الأبناء هي أمانة في أعناق الأبوين إلى يوم الدين.
