قناة الجزيرة.. القوة الناعمة للأمير الراحل

13 يوليو 2026
13 يوليو 2026

برحيل الأمير حمد بن خليفة آل ثاني (1952-2026)، تُطوى صفحة شخصية سياسي نقل دولته إلى مصاف الدول المؤثرة في الطاقة والإعلام والسياسة، تاركًا خلفه إرثًا من المنجزات في مجالات عدة. أبرزها وأهمها عمود القوة الناعمة التي امتلكتها الدوحة، وهي شبكة «قناة الجزيرة» الفضائية عام 1996؛ هذه المؤسسة التي غيرت المشهد الإعلامي العربي في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة.

تبلورت فكرة بعث قناة إعلامية لدى الأمير حينما كان وليًا للعهد، ثم ما لبثت الفكرة أن تجسدت على أرض الواقع بعد انقلاب صيف عام 1995، عندما شكّل لجنة ثلاثية ضمت كفاءات وطنية وإعلامية، منهم عدنان الشريف (مذيع وإعلامي)، ومحمد السهلاوي (المستشار المالي للأمير)، والشيخ حمد بن ثامر آل ثاني (وكيل وزارة الإعلام آنذاك).

باشرت اللجنة أعمالها بتفويض ودعم سخي من الأمير؛ إذ يروي الشريف، الذي أصبح أول مدير للقناة: «بكل اعتزاز وفخر كان تكليفي بإجراء الدراسات الأولية اللازمة لإنشاء القناة، مما دفعني إلى القراءة المستفيضة لكل ما كُتب في هذا المجال»، لتتوج هذه الجهود بصدور المرسوم الأميري في 8 فبراير 1996 القاضي بإنشاء قناة فضائية قطرية مستقلة.

في العام ذاته وقع تحول دراماتيكي في المشهد الإعلامي العربي، عندما أوقفت المملكة العربية السعودية تمويلها لقناة بي بي سي (B.B.C) الناطقة بالعربية في أبريل 1996، ومنعتها من البث عبر قمر «أوربت» الفضائي.

في تلك الأثناء وجد عشرات المذيعين والفنيين المحترفين أنفسهم فجأة أمام خيارات ضيقة، لخصها الإعلامي التونسي محمد كريشان (1959) بقوله: «إما البطالة في لندن، أو الرجوع إلى بلداننا». في تلك الأثناء وجدت اللجنة المكلفة بتشكيل القناة فرصتها في استقطاب الكوادر الإعلامية العربية، حيث تآلف أكثر من 140 موظفًا من أكفأ الكوادر الإعلامية العربية العاملة في المهجر، منهم 19 صحفيًا من رعيل بي بي سي الأول. وبذلك تحققت فكرة الأمير، وبدأت قناة الجزيرة في تقديم خطابًا إعلاميًا مغايرًا لما كان سائدًا في المنطقة.

بدأت الجزيرة بثها الفعلي بواقع 6 ساعات يوميًا، لكنها سرعان ما فرضت إيقاعها المتسارع على المنطقة؛ فامتد البث إلى 12 ساعة عام 1997، ثم إلى 18 ساعة عام 1998. وفي الأول من فبراير عام 1999، دخلت القناة عصر البث المتواصل على مدار 24 ساعة، لتغطي برامجها وموادها الإخبارية الوطن العربي، وأوروبا، والأمريكيتين، وأستراليا.

عُرفت الجزيرة أكثر بعد عملية «ثعلب الصحراء» العسكرية التي قصفت فيها الولايات المتحدة وبريطانيا أهدافًا عراقية في ديسمبر 1998، إذ انفردت القناة بتغطية الأحداث مباشرة من قلب بغداد، لتصبح المصدر الوحيد والحصري للأخبار العراقية. وبذلك انتقلت الجزيرة من الإقليمية إلى العالمية. بعد ذلك أُنتج عنها أكثر من 180 فيلمًا وبرنامجًا وثائقيًا عالميًا يحاول تفكيك «ظاهرة الجزيرة».

غيّرت القناة الخطاب الإعلامي العربي عبر شعارها «الجزيرة.. منبر من لا منبر له». وقدمت للمشاهد العربي صوتًا مختلفًا، لتنطلق بجرأة من بلد صغير جغرافيًا في محيط إقليمي محافظ يقاوم الحداثة.

اقتربت أكثر من قناة الجزيرة حينما تناولت برامجها الثقافية في دراسة الماجستير في العلوم الثقافية من المعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي (2005-2008)، التابع لجامعة تونس.

في تلك الأثناء قطعت تونس علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة بسبب قناة الجزيرة، ومع ذلك لم تعترض إدارة المعهد على موضوع دراستي الذي يتناول قناة الجزيرة، في تأكيد واضح على استقلالية البحث العلمي في تونس عن الشأن السياسي.

وفي المقابل لم تقطع الدوحة علاقاتها مع تونس؛ إذ نقل لي السفير القطري في تونس حينها سعد الحميدي أنه فضّل الإبقاء على سياسة الباب المفتوح وعدم المعاملة بالمثل، وبالفعل كنت أتردد على مكتبه بين الحين والآخر للحصول على المؤلفات والدراسات التي تُكتب عن قناة الجزيرة.

وقد أشرت إلى ذلك في صفحة الإهداء في رسالة الماجستير.

نجحت شبكة الجزيرة في سنوات معدودة في تحقيق قفزات إعلامية صعدت بها إلى قمة الهرم الإعلامي الدولي.

وباعتراف المؤسسات الدولية المتخصصة، صُنفت الجزيرة كأقوى علامة تجارية بين المؤسسات الإخبارية الدولية، وأصبحت ضمن أكثر العلامات التجارية تأثيرًا في العالم، وواحدة من بين أهم المؤسسات الرائدة التي تقود البث التلفزيوني العالمي.

ومهما قيل حول الخط التحريري للقناة بعد أحداث الربيع العربي 2011، وما جرى بعد ذلك، يمكن فهمه ضمن السياقات والأحداث السياسية الإقليمية التي رمت بظلالها على المشهد الإعلامي العربي.

رحم الله الأمير حمد بن خليفة آل ثاني وأسكنه فسيح جناته، فقد وضع دولته في مصاف الدول المؤثرة في المنطقة عبر القوى الثقافية الناعمة. وأصبحت قطر معروفة لدى القاصي والداني.

محمد الشحري كاتب وروائي عُماني