هرمز ديجا فو
11 يوليو 2026
11 يوليو 2026
في القرن الرابع قبل الميلاد غزت قوات الإسكندر المقدوني (ت ٣٢٣ ق.م) بلاد فارس والسند وصولا إلى شمال شبه القارة الهندية، وفي طريق عودته أرسل قائده نيارخوس في حملة بحرية عبر مضيق هرمز لاستطلاع الطريق البحري المؤدي إلى الخليج العربي، ويروي أريان، نقلا عن كتاب نيارخوس المفقود، حين تدانى من أعلى نقطة في مدخل المضيق أبصر رأسا بريا ممتدا في البحر من جهة عمان، كان يسمى Maceta، ولعله هو ذات ما يعرف اليوم بشبه جزيرة مسندم، وقد اقترح أحد القادة الإبحار إليه، إلا أن نيارخوس أبى بشدة لأن مهمة الأسطول هي الاستكشاف وتفقد السواحل والخلجان، وليس استفزاز سكان البر العماني الذي يبدو وعرا وقاحلا، ومنذ ذلك الأمد الضارب في التاريخ، ظل مضيق هرمز مهوى أطماع القوى النائية، التي تدرك لاحقا حقيقة أن سلطان الجغرافيا أرسخ من سطوة السلاح.
وتشير المصادر الفارسية إلى أن الغزو المقدوني لإيران حدث في عهد دارا بن دارا بن بهمن، أما ما جرى في عهد ذريته، فإن المصادر العمانية التي دونها سلمة العوتبي الصحاري تشير إلى أن أحدهم كان يعتدي على حرائر أهل كرمان، فلما عبر الأمير العماني سليمة بن مالك بن فهم مضيق هرمز، ووصل إلى كرمان اشتكى له الناس فعل الملك، فعاهدهم على التخلص منه، شريطة مبايعته على ملك كرمان، وتمكن من ذلك في حكاية ملحمية، لو وقعت أحداثها في أوروبا لنسجت حولها أساطير شتى، ولأنتجت عنها أفلام لا تقل ألقا عن ثلاثية سيد الخواتم The Lord of the Rings. ثم استقر لسليمة حكم كرمان، واستقدم آلاف الجنود العمانيين لتثبيت ملكه، فلما مات اختلف أبناؤه، وتبدد ملكهم.
بيد أن الحضور العماني في البر الإيراني ما انفك قائما، إذ يذكر البلاذري أن الحجاج بن يوسف عيّن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني واليا على كرمان في عام ٨٣هـ (٧٠٣م)، كما يؤكد سرحان بن سعيد الأزكوي أن سليمان بن عبد الملك بن بلال السليمي ومن تبعه قد نزحوا بأهلهم وأموالهم من عمان حين غزتها قوات محمد بن نور العباسي عام ٢٨٠هـ (٨٩٣م)، واستقروا في هرمز.
وتفيد دائرة المعارف الإيرانية أن مشيخة صغيرة لسلالة من الأمراء يرجح أن أصلها من عمان قد أنشأت مملكة هرمز نحو عام ١١٠٠م، وأن هؤلاء الأمراء قد بسطوا سلطانهم على الساحل العماني الممتد من هرمز مرورا بجلفار وانتهاء إلى قلهات، ويسوق سرحان بن سعيد الأزكوي خبر محمود بن أحمد الكوشي أمير هرمز، وحين بلغ قلهات، استدعى أبا المعالي كهلان بن نبهان النبهاني، وهو أبرز حكام عمان حينئذ، وطلب منه دفع خراج عمان إليه، فاعتذر الملك النبهاني، وقرر الهرمزي التحالف مع أمراء البدو في عمان للإطاحة بالنبهاني. ثم إنه ارتحل إلى ظفار، فلما ثاب منها عام ٦٦٠ هـ (١٢٦٢م)، سلك طريق البر، فهلك عطشا في براري المنطقة الوسطى، ومعه خمسة آلاف رجل من عسكره.
بيد أن أمراء العرب في هرمز اقتتلوا، وقد آل أمرها إلى الأمير بهاء الدين أياز، وهو عبد لأحد الأمراء الذين أفنى بعضهم بعضا، وقد عاونه حكام الفرس في كرمان ونواحيها على إسقاط الحكم العربي في هرمز عام ١٢٩٦م. وفي عام ١٥٠١م، طرأ تحول على نظام الحكم في إيران، إذ ابتدأ عهد الدولة الصفوية مع الشاه إسماعيل الصفوي الأول، مما منح هرمز قدرا من الاستقلال السياسي عن البر الفارسي. ثم اقتحمت قوات القائد البرتغالي أفونسو دي ألبوكيرك سواحل الجزيرة عام ١٥٠٧م، واضطرت إلى الانسحاب عام ١٥٠٨م، ثم معاودة الكرة مجددا عام ١٥١٥م، حيث بسطت سيطرتها التامة على الجزيرة، أي بعد نحو عشرين قرنا من رحلة نيارخوس الاستكشافية.
وقد استشعر الحكام الصفويون الخطر البرتغالي المحدق بحدودهم، فتحالفوا مع الهولنديين والإنجليز الذين وصلوا إلى المنطقة بعد البرتغاليين، فدفع ذلك البرتغاليين إلى الاعتراف مجددا بشرعية الملك الهرمزي الذي انتقل إلى مسقط وتزوج إحدى نسائها. وفي عام ١٦٢٣م وصل مبعوث حاكم البصرة العثماني إلى مسقط لإعلان تحالف الدولة العثمانية مع الجناح البرتغالي الهرمزي العربي في مواجهة المحور الصفوي الإنجليزي الهولندي، وفي العام التالي، تمكن البرتغاليون بمعاونة العمانيين من إخراج القوات الفارسية من دبا وجلفار وخصب، وتأمين الطرق التجارية بين مسقط والبصرة.
وفي أواخر القرن العشرين اندلعت بين العراق وإيران حرب الناقلات، إذ شنت القوات الجوية العراقية هجوما على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، فردت القوات الإيرانية باستهداف الناقلات العراقية والخليجية. كما نشرت ألغاما بحرية أصابت الفرقاطة الأمريكية صمويل بي. روبرتس عام ١٩٨٨م، مما أفضى إلى مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي أسقطت في يوليو من العام نفسه طائرة ركاب مدنية على متنها ٢٩٠ شخصا.
وفي الثامن والعشرين من فبراير من هذا العام ٢٠٢٦م شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل هجوما مسلحا عنيفا ضد إيران، استهدف المنشآت النووية والعسكرية، ومراكز القيادة والاتصالات، وقتل خلاله المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، وعدد من قادة القوات الإيرانية، وقد قدمت بعض الدول الإقليمية تسهيلات عسكرية ولوجستية لأمريكا، في حين أسهمت بعض دول حلف الناتو بتوفير دعم استخباراتي ولوجستي دعما لأمريكا دون أن تنخرط مباشرة في المواجهة مع إيران.
وفي الجانب الآخر انخرط حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله اليمنية وفصائل عراقية مسلحة إسنادا للمجهود الحربي الإيراني، بينما ساندت الصين وروسيا طهران دبلوماسيا، وربما لوجستيا، من دون التدخل المباشر في العمليات العسكرية، وإزاء التفوق العسكري الأمريكي قررت إيران قطع خطوط الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره ٢٥٪ من الإنتاج العالمي للنفط الخام، و٢٠٪ من الغاز المسال، هذا فصلا عن نحو ٥٠٪ من إمدادات الكبريت، و٣٠٪ من تجارة الأسمدة العالمية. مما حدا بسلطنة عمان إلى التفاوض مع الجمهورية الإسلامية بشأن تأمين حرية الملاحة في المضيق، لا سيما في المياه الإقليمية.
غير أن نزق بعض الأطراف حدت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تهديد عمان بالقصف إن هي توافقت مع إيران على أخذ ضريبة مرور على السفن العابرة للمضيق، وهو أمر نفته مسقط التي أكدت التزامها باتفاقية الأمم المتحدة لقانون الباحر لعام ١٩٨٢م.
إن الناظر إلى التاريخ بروية يتكشف له خيط ناظم لحوادث المنطقة، فالأحداث لا تعيد نفسها، غير أن الأنماط تتكرر، إنه إحساس الـ «ديجا فو» Déjà vu الفرنسية التي تعني «شوهد من قبل»، وهي تشير في علم النفس إلى الإحساس المفاجئ بأن المرء يمر بموقف سبق له أن عاشه. أما في علم النفس السياسي، فتصف شعورا جمعيا بأن الوقائع السياسية تعيد تخليق نفسها، وأن العالم يعيد إنتاج أزمة مألوفة منذ القرن الرابع قبل الميلاد، مما يشي بأن النظام السياسي العالمي يدور في حلقة مفرغة، تحكمها المصالح الآنية، عاجزا عن التعلم من تجارب الماضي، في حين لا يدرك الفاعلون السياسيون الجدد في المنطقة وفي العالم حتمية الجغرافيا، ودوران التاريخ حولها، وأن السيطرة على مضيق بحجم هرمز وثقله الاقتصادي والسياسي أشد أهمية من امتلاك سلاح نووي لا يجلب سوى الويلات والخراب.
إن كانت ثمة دروس ينبغي لكل الفاعلين السياسيين استحضارها من جغرافيا المنطقة وتاريخها، فهي أولا: أن مضيق هرمز امتداد مائي للوجود البشري على البرّين العماني والفارسي، وأن أي قوة عسكرية خارجية تحاول التدخل في إدارة هذا الممر لن تفضي إلا إلى الاحتراب وإرباك حركة الملاحة.
ثانيا: ينبغي على الإدارة الأمريكية، إن كانت جادة في تسهيل حركة المرور عبر مضيق هرمز، أن تترك لسلطنة عمان وجمهورية إيران الإسلامية حرية إدارته بما يحفظ سيادتهما ومصالح شعبيهما، وكما ضمنت الشعوب المقيمة على ضفتي المضيق حرية التجارة ومرور السفن عبر آلاف السنين، فإنها قادرة على مواصلة الدور نفسه، دون تعدّ أو ظلم.
ثالثا: إن الدعاية الموجهة التي ترددها بعض الأطراف، والقائلة بعدم جواز فرض ضرائب على حركة الملاحة في المضيق، ليست سوى محاولة للضغط السياسي على قرارات الدول المنظمة لحركة الملاحة فيه. أما فرض الرسوم أو الإعفاء منها، فيخضع في نظر الدولتين الساحليتين للمضيق إلى مواد قانون «المرور البريء» الذي تنص المادة ٢٦ من قانون البحار على جواز تحديد رسوم خدمة تقدمها الدول الساحلية لتنظيم حركة الملاحة البحرية، والجميع يعلم الكثافة الهائلة للسفن التجارية والحربية التي تعبر المضيق والتي قد تعرض المضيق للتلوث والازدحام وحوادث التصادم.
رابعا: ينص قانون البحار في شقي جزئيه المتعلقين بالمرور البريء والعابر على حق الدول الساحلية السيادي في تنظيم مرور السفن في مياهها الإقليمية، بما في ذلك تحديد طبيعة السفن التي تعبر، والمسارات التي تتخذها، وطبيعة العمل الذي يسمح به، ولا يعقل أن تنهض الدول الساحلية بهذه الأعباء من غير أن تستوفي كلفتها.
وأخيرا، فإن أولى الخطوات وأشدها إلحاحا اليوم الوقف الفوري لجميع العمليات العسكرية في المنطقة، وتهدئة حالة الاستعداء بين ضفتي الخليج العربي، وكبح التصعيد الإعلامي الموجه ضد الدول المشرفة على المضيق. وما لم يتحقق ذلك، فسنعيش لحظة ديجا فو Déjà vu جديدة.
زكريا المحرمي طبيب وكاتب عماني
