الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصَّار: كتبتُ ديواني عن أبي بالدموع
كتابة رواية عمل شاق. أتعاطف مع الروائيين، خصوصاً الذين يراهنون على كتابة عمل فيه اشتغال وبحث وجهد حقيقي. الشعر ابن لحظة، ابن مزاج
إذا مرت أيام متعاقبة ولم أكتب أحس أن الشعر سيهرب مني، وأنا أخاف من هذا الهروب..
حين بلغ والد الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار عامه الثمانين زحف ألزهايمر على عقله وبدأ يجره نحو صحراء النسيان، وحاول عبد الرحيم وأخوته بكل الطرق إبقاءه في عالمنا لكن بعد خمس سنوات من الشد والجذب والأمل واليأس غادر الوالد وبقيت الحسرة والشعر.
لم يأتِ الشعر مباشرة فقد حاول الخصار أن يستعيد والده لكن قريحته خانته لشهور، ثم انفجر الينبوع بعد تمنُّعٍ، فكتب ما يشبه سيرة لوالده شعرياً. قصائد ممسوسة بالماضي الجميل، حيث تأتي النسمات محملة برائحة الخروب، وبتلات الورد، وشذى أم كلثوم، وبطولات الأب الصغيرة. في هذا الحوار يتحدث عبد الرحيم الخصار عن تجربته الخاصة مع محنته الشخصية وديوانه الجديد "ألزهايمر يا أبي".
لماذا اخترت الشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون ليكتب مقدمة ديوانك "ألزهايمر يا أبي"؟
ثمة قواسم مشتركة، أكن لعباس بيضون تقديراً خاصاً، وهو يشملني بمحبته الكبيرة. التقيتُ به في عدد من البلدان، واشتغلت معه كاتباً متعاوناً لسنوات في القسم الثقافي لجريدة السفير. وكان صوته يصلني عبر الهاتف أسبوعياً لا للكتابة فقط، بل للمساهمة أيضاً في ترتيب مواد الملحق الثقافي وتقاسم المقترحات المتعلقة بالمنطقة المغاربية. وقبل 14 سنة كان عباس بيضون يحمل ابني أمجد بين ذراعيه في الحي القديم بمدينة الجديدة المغربية، وفي كل مكالمة كان يسأل عنه قبل أن يسأل عني. قبل 13 سنة في تونس كان على طاولة الفطور رفقة أسماء كبيرة في الحياة الثقافية العربية، همستُ في أذنه: "هناك شاعر وكاتبة تزوجا قبل أيام في مدينة نابل، بعيدة عن تونس العاصمة بأكثر من ساعة، وأنا ذاهب لأبارك لهما الزواج، هل ترغب في الذهاب معي؟" نظر إلى جلسائه وقال لي: "انتظر سنأخذ ورداً ونذهب".
أحسستُ بأن هذا العمل سيلمس قلب عباس بيضون، فهو شاعر نسَّاء، شديد النسيان. مَن يعرفه عن قرب يعرف أن هناك توتراً بين الشاعر والذاكرة. تيمة الكتاب هي النسيان، وعباس يسبح في هذه البحيرة دون أن يغرق فيها.
ما الفارق بين ديوان يجمع قصائد متفرقة وكتاب شعري مثل كتابك ينظمه خيط واحد هو الأب؟
سبق لي أن أصدرتُ كتاباً عبارة عن نص شعري واحد هو "عودة آدم". تروقني الكتابة بالمشروع، الشعر إحساس، لكنه أيضا فكرة. تخيلت أن آدم عاد إلى الوجود ورأى ما وصل إليه أحفاده. فهل كان شعوره الزهو أم الندم على كل شيء؟ مثل هذه الفكرة تحتاج مشروعاً، أي كتاباً متكاملاً ومستقلاً. الأمر ذاته ينطبق على "ألزهايمر يا أبي"، تلك التجربة المريرة التي عاشها والدي طيلة خمس سنوات، كيف سأختصرها في نص قصير؟ وحياته التي غطَّت ثمانية عقود ونصف كيف سأكثفها في أسطر قليلة؟ هو الذي ظل يسردها منذ أن فتحنا عيوننا عليه، يسردها ببراعة لافتة. لقد ورثت منه السرد مثلما ورثت منه حبي المرضيِّ للشاي.
هل تعتبر أنك كتبت سيرة أبيك شعرياً؟
لم أكن أراهن إطلاقاً على كتابة سيرته. كنت أبحث عن نقط متفرقة من حياته، مضيئة أو معتمة، وأحاول أن أربط الماضي بكامل جموحه مع الحاضر بكامل جموده. والدي كان يملك أخلاق الفرسان: الكرم والصدق والشجاعة والذهاب بالأمور إلى نهايتها، حتى لو كانت النهاية حافة هاوية.
ماذا منح السرد لقصائدك؟
أنا مولع بالسرد، في معظم نصوصي الشعرية هناك حكي. لا أحب الاشتغالات الذهنية في الشعر. حين أجلس للكتابة فهذا معناه أن لديَّ شيئاً لأحكيه. أتذكر كتاب ماركيز "عشتُ لأحكي"، الشعر هو طريقتي في الحكي.
كيف تبدَّلت علاقتك بأبيك خلال محنة ألزهايمر؟ ولماذا قررت أن تستلهم التجربة في ديوان لا في رواية أو قصة؟
كانت تجربة قاسية. لديَّ أخ يكبرني بسنتين. هو أكثر ارتباطاً مني بوالدي، فقد كان يعمل معه في ورشته ويعيش معه في العمارة نفسها، وهو الذي كان يرعاه أكثر منا في مرحلة المرض، ولديَّ أخت تصغرني كانت ممرضته الخاصة. حين توفي والدي كانت تنزل دموعي صامتة، بينما كاد أخي أن يجن، ووقعت أختي في هيستريا من البكاء والنشيج.
هذه أشياء تقع فوق طاقة الكتابة. ربما علينا التحديق أو البكاء. الكلمات غير مسعفة. لذلك انتظرت عاماً ونصف بعد رحيله لإتمام الكتاب. إنها كتابة تحت وقع الانجراف الحاد للمشاعر، كتابة بالدموع. هناك جسد يتضاءل أمامك على مدار خمس سنوات، وأنت تقف عاجزاً لا تملك سوى الصمت أو الرثاء.
عاماً بعد آخر لم يعد يذكر شيئاً. تغيرت لديه المفاهيم والأسماء والمسافات. في البداية كنا نحاول أن نعيد إليه ذاكرته، بمختلف الطرق، أن نساعده على التذكر، حتى لا ينتهي إلى المنطقة المظلمة. لكن بعد ذلك استسلمنا جميعاً وصرنا نجاريه ونعدو معه باتجاه النسيان.
لو طلبت منك أن تجيب على سؤالك "أيهما أقسى، أن تتذكر أم أن تنسى؟" فبماذا سترد؟
كلاهما قاسٍ. الحياة عموما تجربة معقدة. الشاعر المغربي عبد اللطيف يقول في إحدى شذراته: "أحاول أن أحيا/ المهمَّة شاقَّة". السؤال الموازي هو: "ما الذي سنتذكره؟ وما الذي سننساه؟". هذا الأمر ملتبس بالنسبة إلى مَن عاش حياة صعبة، ونسيها، نسي حتى الجميل والمشرق والمبهج فيها.
لماذا حضرت مفردات الفحم والبارود والفؤوس والأحجار والنحاس والصبَّار وأشجار الخروب بكثافة؟
إنه معجم والدي، إنها حياته. فقد كان مزارعاً وصانع بنادق بارود، وكان أيضا صائغا لخواتم ودمالج النحاس. الكتاب يستعيد الكثير من حياته الأولى بالريف، الكتابة هنا امتداد لحقوله وبساتينه التي لم تعد.
كتبت رواية "جزيرة البكاء الطويل" فهل تنوي تكرار التجربة؟
كتابة رواية عمل شاق. أتعاطف مع الروائيين، خصوصاً الذين يراهنون على كتابة عمل فيه اشتغال وبحث وجهد حقيقي. الشعر ابن لحظة، ابن مزاج. تمسك اللحظة من تلابيبها وتضعها على الورق وتمشي إلى أن تأتي لحظة أخرى، وهكذا تصدر كتاباً. الرواية فيها عمل مستمر ومتماسك. فيها شغل أكثر مما فيها موهبة. "جزيرة البكاء الطويل" لم تتجاوز 150 صفحة، لكني تعبت فيها على مدار خمس سنوات، بحث في التاريخ والجغرافيا وتعقب لمصادر ومراجع ونصوص بأربع لغات.
لا أفكر في كتابة رواية أخرى. لكن مَن يدري؟ ربما يأتي الجموح مرة أخرى.
منذ ديوانك الأول "أخيراً وصل الشتاء" وحتى هذا الدايوان.. كيف تغيَّرت علاقتك بالشعر؟
أنا أكتب الشعر بشكل مستمر. لا أبحث عنه ولا أتعقبه. أجد نفسي هكذا مدفوعاً إلى الكتابة. إذا مرت أيام متعاقبة ولم أكتب أحس أن الشعر سيهرب مني، وأنا أخاف من هذا الهروب. كي لا يخذلني الشعر عليَّ ألا أخذله.
قرأت الكثير عن الكتابة الشعرية، كما قرأت الكثير من الشعر من مختلف أطراف العالم. لكني أحاول كتابة نص يشبهني وأشبهه. لذلك أحياناً أذهب بالجملة أو التركيبة إلى مذاهب تخصني، لا أضع اعتباراً للأطر النقدية. أكتب ما يحلو لي بزهو خفي. أغامر وأجرب وأنتشي وأنا أكتب. أحب أن أباغت القارئ وأباغت نفسي، فأجاور بين المتفرقات، وأنهي الوارد باللامتوقع. أنا في اشتباك لذيذ مع الشعر على الدوام.
