ثقافة

هل يُحاكم الإبداع بكاتبه؟

08 يوليو 2026
مقال
08 يوليو 2026

في أمسية باريسية في نهايات العام 2022 جرى الحديث مع الشاعر السوداني محمد عبد الباري عن الشعر والشعراء، وذكر الاستقامة والأدباء. ولأن الأدب العربي لا يذكر إلا ويذكر أبو الطيب المتنبي، فإن ثرثرتنا مالت عليه. فقلت بنزق وتعجل لصاحبي المبدع إن أبا الطيب كان أقل الخلق تقديرًا لفنه، وأنه بذل عظيم أدبه في طلب سلطة سخيفة لا تزيده درجة.

يقول إبراهيم بن أدهم العابد المتصوف الشهير: "لو يعلم الملوك ما نحن فيه من نعيم لجالدونا عليه بالسيوف". لكن أبا الطيب ما كان موقنًا بنعيم الفن.

كان أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبي (وفي ادعائه النبوة كلام طويل، أحسن من فصله وشرحه أبو فهر محمود محمد شاكر في كتابه عنه) وحيد زمانه، بل هو وحيد الزمان أبدًا. وصفه الحافظ شمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء بـ"شاعر زمانه"، وأنه "بلغ الذروة في النظم، وأربى على المتقدمين". وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان "لا يسأل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر". لكن سيرته الشعرية العظيمة اختلطت دومًا بمدحه الملوك وأصحاب السلطة طلبًا لحكم ولاية. يختصر الذهبي رحلته السياسية بقوله "مدح سيف الدولة ملك الشام، والخادم كافور صاحب مصر (لا يذكر كافور الإخشيدي إلا مسبوقًا بلقب الخادم، في نهج عنصري قلما تخفف منه كتاب العربية)، وعضد الدولة ملك فارس والعراق". يرى الطيب صالح أن المتنبي ما كان يذل شعره لأهل السلطة، إنما يعاملهم بندية "إذا كنت أنت صاحب السلطة والأمر، فأنا صاحب الفكر والقلم". لكن محبة الطيب للمتنبي مشهورة، حتى عيره بها أحد قادة النظام السوداني السابق، وكان الطيب مخاصمًا لهم، فقال يظن أنه يذمه: لو أخذنا من الطيب صالح ديوان المتنبي لما استطاع كتابة حرف. ولعبقري الرواية العربية انحياز للمتنبي يقارب التعصب، وإلا فإنه ما كان ليرى في ظنه الاستحقاق للحكم ندية الفكر والقلم.

كان رأيي الذي قلته للصديق الشاعر أن المتنبي قضى حياته طامعًا أن يصبح حاكم حلب، أو محافظ المنيا، أو والي البصرة. فإن قورن أدبه وشعره بمكان وضع نفسه وتعلقت أحلامه فإن ذلك يزري بعظيم ما كتب. ولو كان الزمان استجاب لمطامعه لما كسب التاريخ حاكمًا ذا قيمة، لكن المؤكد أن السلطة كانت لتغير من شعره الكثير. فسيرته المبذولة تشرح بوضوح كيف كان يبخس قدر فنه رغم افتخاره بنفسه. ويبدو الشك في توافق ما يقول مع مسلك حياته معقولًا، لا سيما مع قصة مقتله الشهيرة عندما انهزم أتباعه وهم بالهرب فذكره غلامه أنه القائل "الخيل والليل والبيداء تعرفني / والسيف والرمح والقرطاس والقلم". فقال المتنبي قولته الشهيرة "قتلتني قتلك الله". فكأنه يقر أنه يعرف أن ما يقوله أهل الأدب ليس ذات ما يفعلون. وهو حال كثير من أهل الفن والإبداع. متجاوزًا الوصف القرآني للشعراء "أنهم يقولون ما لا يفعلون". فإن اشترط الناس موافقة دخيلة الفنان لما يقدم لفسد في أيدي الناس أغلب الإبداع، وكسد الأدب.

يبرز اسم تشارلز ديكنز عند تذكر توافق المواقف مع الفن. وديكنز مثل أبي الطيب، لا يذكر الأدب الإنجليزي إلا ويذكر أعظم أدباء العصر الفيكتوري. بل ربما أعظم أدباء الإنجليزية. وصف صاحب رواية "آمال عظيمة" و"ديفيد كوبرفيلد"، بأنه أديب الفقراء. لكن الرجل الذي دافع عن المهمشين في أوليفر تويست، وانتقد عنف السلطة في قصة مدينتين، أيد بحماس عنف سلطات الاحتلال البريطاني ضد المواطنين الهنود. بل إنه كتب رسالة في 1857 يتمنى فيها لو كان قائد القوات البريطانية في الهند، ليبذل قصارى جهده "لإبادة هذا العرق ومحوه من بين البشر". هكذا يرى أعظم أقلام الأدب الإنجليزي نفسه. قائد عسكري يرتكب إبادة جماعية.

لا يغيب عن الأمثلة ميلان كونديرا الأديب التشيكي الكبير، رغم ما على قصته من خلاف. ففي العام 2008 نشرت مجلة تشيكية وثيقة تزعم وشاية كونديرا بطيار ومعارض تشيكي قُبض عليه إثر ذلك وقضى في معسكرات العمل أربعة عشر عامًا. لكن كونديرا نفى الواقعة، واعتبرها محاولة اغتيال معنوي. فالرجل الذي انتقد السلطة الشيوعية في روايته الأولى "المزحة" الصادرة عام 1967، متهم بالوشاية لذات السلطة. لكن القصة، على فرض صحتها، تزعم أنه أبلغ عن المعارض وهو طالب في الجامعة في الحادي والعشرين من عمره. ولا خلاف على أن كونديرا الشاب وقتها كان مؤيدًا متحمسًا للشيوعية قبل أن يتراجع عن أفكاره ويؤيد "ربيع براغ" الذي انتهى تحت أقدام الجنود السوفيت وحلف وارسو. لكن القصة تطرح السؤال المقلق عن محاسبة الكاتب وفق ما يكتب، في كل مراحل حياته وتقلباته الفكرية، حتى إن كان شابًا جامعيًا متحمسًا وفق سياق زمانه. ما كان السياق في تشيكوسلوفاكيا وقتها يسمح لطالب جاوز المراهقة بالكاد إلا أن يكون شيوعيًا متحمسًا. لكن هل ينفع هذا العذر مع ديكنز؟ إذ كانت أفكاره المحتقرة للشعوب الواقعة تحت الاحتلال على ذات نسق الرؤية الأخلاقية الفيكتورية في تلك الحقبة. وهي رؤية ترى أن البشر متساوون، لكن بعضهم متساوون أكثر من بعض. في تطبيع كامل مع التناقض الأخلاقي بين أدبيات العصر الفيكتوري وسلوك جنرالاته الاستعماريين.

يمكن أن ينسحب ذلك على أبي الطيب المتنبي أيضًا، في وقت ما كان النجاح له قيمة إلا بالقرب من الملوك وأصحاب السلطة. فلا جوائز هناك، ولا نقاد، ولا تغطية إعلامية، ولا أهمية للقب "أعظم شعراء العربية" ما لم يطلق اللقب في مجلس حكم.

لكن المؤكد أن المتلقي لا يمكن أن يحاسب العمل الفني بموقف مبدعه. ولا يكاد يسلم للناس مبدع تتفق مواقفه مع فنه، إن دخل الناس من هذا الباب.

Image

**حمور زيادة كاتب صحفي وروائي سوداني