«المنطقة التجريبيّة».. مساحة رماديّة بين الانسحاب والبقاء
إسرائيل تراوغ لتكريس الاحتلال في قرى جنوب لبنان
بيروت- وفاء عواد: وسط استمرار الانقسام في لبنان، بين من يعتبر أن «الاتفاق الإطار» مع إسرائيل كأنّه لم يكن، وبين من يعتبر أن هذا الاتفاق دخل حيّز الاختبار، أعلنت هيئة البثّ الإسرائيلية أن تلّ أبيب أرجأت المرحلة التجريبيّة للانسحاب من جنوب لبنان، وطالبت الجيش اللبناني بـ«التحرّك فوراً ضدّ حزب الله»، وفقاً لما وصفته بالاتفاق الإطاري الموقّع مع بيروت برعاية أمريكية. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فأعلن خلال جولة ميدانية في ما يُسمّى «المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان، أمس ، أن «إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، إلا بعد نزع سلاح حزب الله.
وفيما أغرقت مواقف الفرقاء اللبنانيين «اتفاق واشنطن» في بحر من التكهّنات، ليسود القلق حول النتائج الممكنة، في ضوء التناقض الداخلي، أعلنت إسرائيل أن بدء المرحلة الأولى من إعادة الانتشار في «المناطق التجريبيّة» بات مرتبطاً بالتوافق على آلية تنسيق جديدة مع الجيش اللبناني، بإشراف أمريكي. وبالتالي، تأجيل مرحلة الانسحاب التجريبيّة من جنوب لبنان، وتحديداً من قريتَي زوطر وفرون، إلى حين الاتفاق على آلية رقابة مشتركة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي. والآلية الجديدة، وفق ما يتردّد، مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، كما ورد في الملحق الأمني السرّي لاتفاق الإطار، ويُفترض أن تطوّر التعاون بين إسرائيل ولبنان، عبر ما يشبه «غرفة عمليات افتراضية»، لتنسيق خطوات تفكيك «حزب الله».
وعلى ما تقدّم، وفي وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، بما يشمل تقسيم القرى وهدم المنازل وتجريفها، كما حصل في مجدل زون والخيام والنبطية الفوقا وحداثا والطيبة، أشارت مصادر سياسية متابعة إلى أن لبنان بات أمام واقع إسرائيلي جديد، يفرض شروطاً مسبقة قبل البدء بتنفيذ «الاتفاق الإطاري». ذلك أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب إلا بعد وضع معايير واضحة، يلتزم بموجبها الجيش اللبناني بالتحرّك ضدّ «حزب الله» بصورة ملموسة وفوريّة. أمّا على الوجه الآخر من الصورة المثقلة بمضامين «المناطق التجريبيّة» والشروط الإسرائيلية، فدعوات متتالية لإسقاط «اتفاق 26 يونيو»، الذي هو بحسب النائب السابق نجاح واكيم «أخطر من اتفاق 17 مايو 1983»، فيما إسقاطه «ليس إسقاطاً لنصّ ولمناطق تجريبيّة، بل لمشروع الحرب الأهلية في لبنان».
وهكذا، بين إدارة تداعيات «الاتفاق الإطاري»، ووضع «الخطوط الحمر» على الانزلاق إلى المحظورات، وصولاً إلى الدوران حول بنود الاتفاق وتلمس تفاصيله، تُرسم ملامح المرحلة المقبلة، وسط مؤشرات تنتظر أكثر من موعد واستحقاق، لتبقى كلمة السرّ في «الملحق الأمني» و«مناطقه التجريبية والتنسيقية»، وقد بدأت ملامحه تظهّر ببلدتين عند كتف نهر الليطاني: فرون المحرّرة وزوطر الغربية التي يقف عند أطرافها. وقد يكمن تفسير اختيار القريتين المذكورتين في موقعهما الجغرافي والعسكري. فهما تقعان عند تخوم ما يُسمّى بـ«الخطّ الأصفر»، وليستا بعيدتين عن المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل أو تنشط فيها عسكرياً. وبالتالي، فإن اختيارهما جاء في إطار خطوة وصفها مصدر أمني بقوله: «إسرائيل ربّحتنا جميلة من كيسنا»!
وهكذا أيضاً، لم يكد الجدل حول «المناطق التّجريبيّة» في جنوب لبنان يبدأ، حتى ظهرت ثغرة أساسية في الصّيغة المتداولة: المنطقتان اللّتان وقع عليهما الاختيار لبدء التّجربة، «زوطر الغربيّة» و«فرون»، ليستا واقعتين أصلاً تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر، مع ما يعنيه الأمر، وفق قول المحلّل العسكري العميد الركن المتقاعد هشام جابر، من أن هذه المعطيات تمسّ جوهر التجربة ووظيفتها. ذلك أن إسرائيل تتعامل مع المرحلة التجريبيّة بوصفها أداة ضغط، ليصبح الانسحاب مرتبطاً بشرط واسع وغير محدّد زمنيّاً، هو نزع سلاح «حزب الله»، ما يسمح لها بإبقاء وجودها العسكري مفتوحاً طالما اعتبرت أن هذا الشرط لم يتحقّق.
أما على المقلب المكمّل لهذه الصورة، فكلامٌ عن أن هذه المناطق قد تتحوّل، وفق المعطيات المتداولة، إلى أداة سياسية وأمنية لاختبار قدرة الدولة اللبنانيّة، وإلى وسيلة لإبقاء الانسحاب مشروطاً وقابلاً للتعليق أو التراجع. ومن هذه الزّاوية، تتحوّل «المنطقة التّجريبيّة» إلى مساحة رماديّة بين الانسحاب والبقاء. وعليه، ارتفع منسوب الأسئلة المرتبطة بهذا الشأن، ومفادها: إذا كانت الغاية المعلنة اختبار جديّة إسرائيل في الانسحاب، فكيف يمكن اختبار هذا الانسحاب في قريتين لا توجد فيهما قوّات إسرائيليّة حالياً؟ وهل أن «المناطق التجريبيّة» صُمّمت لاختبار التزام إسرائيل فعلاً، أم لاختبار الجيش اللبناني و«حزب الله» وحدهما؟
مشهد ضبابي
إلى ذلك، لا تقتصر المشكلة على اختيار المنطقتين، بل تتّصل أيضاً بآليّة التحقّق وبـ«الملحق الأمنيّ» المفترض أن ينظّم تنفيذ الاتفاق. وعلى جبهة «المناطق التجريبية» وضبابيّة الملحق الذي استمرّ غياب أيّ نسخة رسمية عنه، مع الإبقاء على نيّة التسريبات، فإن معلومات «عُمان»، وبحسب مصدر رسمي لبناني، تقول: إن الاتصالات استمرت بوتيرة مكثفة بين الجهات اللبنانية والعربية والدولية المعنية بدعم الدولة اللبنانية في مسارها لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
أما على صعيد متابعة تنفيذ الاتفاق، فيتمّ التركيز حالياً، وبحسب المصدر الرسمي، على إطلاق الآلية الأمريكية للبدء بالانسحاب من المنطقة النموذجية الأولى، أي من «زوطر الغربية» و«فرون».
لكن حتى هذه اللحظة، لا إعلان إسرائيليـاً يؤكد حصول الانسحاب، الذي سيكون أمراً رمزيـاً، كونه يطال قريتين صغيرتين ولا أهمية عسكرية لهما، ناهيك عن أنهما غير خاضعتان للاحتلال المباشر. ومع أن هذه الخطة المرتقبة ستكون متواضعة في حال حصولها، فإن إسرائيل هدّدت بعدم المضي في مشاريع «المناطق التجريبية» إذا لم ينجح الجيش اللبناني في الأوليّين.
وفي الانتظار، تجدر الإشارة إلى أن الملحق الأمني لاتفاق الإطار اللبناني- الإسرائيلي يتضمّن أن يتولى الجيش اللبناني قيادة تنفيذ هذا النموذج، على أن يُقاس نجاحه من خلال التنفيذ القابل للتحقق لعملية نزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية. ورهناً بإتمام عملية متفق عليها وقابلة للتحقق لنزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية، تلتزم إسرائيل بتنفيذ خفض تدريجي لقوّاتها، وإعادة انتشارها بصورة مرحلية وقائمة على تحقق الشروط.
ومن بوّابة هذا المعطى، فإن ثمّة من يرى أن إسرائيل تمهّد لتحويل جنوب لبنان إلى «غزّة 2»، إذْ يبقي الاحتلال الإسرائيلي لـ«المنطقة الأمنية الصفراء» لفترة غير محددة، ويمنع هذا الأمر عودة الأهالي إلى أكثر من 60 بلدة وقرية. ذلك أن بنود «اتفاق واشنطن»، ولا سيّما منها المتعلقة بـ»المناطق التجريبية»، وبحسب إجماع مصادر عسكرية، تحمل طابع الإلزام والضغط والتهديد، إذْ منحت إسرائيل حقّ مراقبة أداء الجيش اللبناني، وتقييم تجاوب «حزب الله»، وتقرير نجاح المرحلة أو فشلها، فيما يبقى الاحتلال الفعلي خارج نطاق الاختبار، بانتظار نتائج تملك إسرائيل وحدها حقّ تفسيرها. وفي المقابل، تضع صيغة «المناطق التجريبيّة» الدولة اللبنانية أمام مسار مفتوح زمنياً من دون ضمانات واضحة.. فهل تبدأ «المرحلة التجريبيّة» باختبار لبنان، من دون أن تضع إسرائيل أمام اختبار موازٍ؟
