العمل الحر.. منظومة متكاملة لتمكين الكفاءات الوطنية وتعزيز الاقتصاد
يشهد قطاع العمل الحر تطور متزايد بوصفه أحد المسارات المهنية الداعمة للاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة؛ لما يوفره من فرص لتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الابتكار والإنتاجية. وفي سلطنة عُمان تتواصل الجهود لتطوير منظومة العمل الحر عبر التشريعات والبرامج التمويلية والتدريبية الداعمة للعاملين المستقلين.
ويؤكد مختصون لـ"عمان" أن المنظومة الوطنية للعمل الحر شهدت تطور خلال السنوات الأخيرة من خلال توفير التمويل وبرامج الاحتضان والتأهيل، بما يسهم في تعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني، ودعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
وقال محمود بن حمدان المجرفي رئيس قسم حلول الأعمال وتطوير المنتجات ببنك التنمية: إن أي مبادرة أو منظومة جديدة تواجه مجموعة من التحديات مشيرا بأن أبرز التحديات التي تواجه رواد الأعمال وأصحاب العمل الحر تتمثل في الحصول على التمويل، وتوفير الضمانات اللازمة للحصول عليه.
أبرز التحديات
وأوضح أن الضمانات تُعد من أكبر العقبات التي تواجه أصحاب المشاريع، فقد يمتلك رائد الأعمال مشروع مجدي اقتصادي وقادرا على توفير فرص عمل وتحقيق قيمة مضافة، إلا أنه لا يستطيع الحصول على التمويل بسبب عدم توفر الضمانات المطلوبة من قبل الجهات الممولة.
وأضاف أن البنوك والمؤسسات التمويلية مطالبة بالحفاظ على الأموال التي تديرها، ما يجعل الضمانات عنصرا أساسي في عمليات الإقراض، إلا أن بنك التنمية عمل على معالجة هذه التحديات من خلال تصميم منتجات تمويلية تتناسب مع احتياجات مختلف الفئات.
وأشار إلى أن البنك أطلق منتجا مخصص للعاملين في مجال العمل الحر، تم بموجبه استثناء هذه الفئة من شرط تقديم الضمانات مع توفير تمويل يصل إلى 90 بالمائة من قيمة المشروع وبسقف تمويلي يبلغ 15 ألف ريال عُماني. وأوضح أن التمويل يُمنح دون فوائد للمتفرغين للعمل الحر بينما تبلغ نسبة الفائدة 3 بالمائة لغير المتفرغين.
وأكد أن البنك لم يقتصر على ذلك، إنما أطلق كذلك برنامج "ضمان القروض" الذي يتيح لأصحاب المشاريع المجدية من فئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الحصول على التمويل من البنوك التجارية والإسلامية على أن يقوم بنك التنمية بدور الضامن أمام تلك البنوك، مما يسهم في تسهيل الوصول إلى التمويل، وتقليل التحديات المرتبطة بالضمانات.
وبيّن أن البرنامج يستهدف المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والقادرة على توفير فرص عمل ،وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، لافتا إلى أن البنك يقدم أيضا عددا من الحوافز والمزايا التي تساعد المستثمرين ورواد الأعمال على الحصول على التمويل بشروط ميسرة.
وأكد أن بنك التنمية يواصل تطوير برامجه ومنتجاته التمويلية بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية واحتياجات السوق، وبما يدعم رواد الأعمال وأصحاب العمل الحر، ويسهم في تعزيز مساهمتهم.
نواة لمؤسسات مستقبلية
قال إسماعيل بن عمار الحجري رئيس قسم شؤون الحاضنات ومراكز الأعمال بهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة": إن الهيئة تنظر إلى أصحاب العمل الحر بوصفهم نواة لمؤسسات مستقبلية قابلة للنمو والتوسع، وتسعى إلى تمكينهم وتطوير أعمالهم بما يؤهلهم للانتقال من مرحلة العمل الحر إلى تأسيس مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وصولا إلى مؤسسات كبرى.
وأوضح أن أصحاب العمل الحر يمكنهم الاستفادة من مختلف البرامج التي تقدمها الهيئة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة متى ما استوفوا الشروط والمعايير المطلوبة مشيرا إلى أن الهيئة أطلقت مبادرات وبرامج متخصصة تستهدف هذه الفئة منذ المراحل الأولى لدخولها سوق العمل الحر.
وأضاف أن الهيئة تركز في البداية على نشر ثقافة العمل الحر وتأهيل أصحاب المهارات لتحويل مواهبهم وخبراتهم إلى مشاريع وأنشطة تجارية مستدامة قادرة على تحقيق دخل وتنمية أعمالهم مستقبلا، وذلك من خلال برامج تدريبية وإرشادية متخصصة في مجالات إدارة الأعمال والتخطيط التجاري والتسويق.
وأشار إلى أن "ريادة" تعمل كذلك بالتعاون مع عدد من المنصات العُمانية المتخصصة في العمل الحر؛ بهدف دعم أصحاب المهارات وتمكينهم من الاستفادة من الفرص المتاحة إلى جانب دراسة احتياجاتهم من الشهادات المهنية أو التراخيص أو الأدوات والمعدات اللازمة لتطوير أعمالهم وتعزيز تنافسيتهم في السوق، كما أنها توفر من خلال حاضنات ومراكز ريادة الأعمال المنتشرة في مختلف محافظات سلطنة عُمان مساحات عمل مشتركة مجانية لأصحاب العمل الحر إلى جانب الخدمات الاستشارية وبرامج التوجيه والمتابعة لفترات تتراوح بين سنة وثلاث سنوات بحسب طبيعة البرنامج واحتياجات المستفيد.
أداء المستفيدين
وفيما يتعلق بمتابعة أداء المستفيدين بين الحجري أن "ريادة" لا تقتصر على مرحلة التأهيل فقط، إنما تواصل متابعة أصحاب الأعمال المحتضنين ضمن برامجها المختلفة. وأوضح أن رحلة الاحتضان تبدأ بمرحلة التشخيص لتحديد نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى تطوير، سواء في الجوانب المالية أو التسويقية أو القانونية أو الإدارية.
وأضاف أن ريادة توفر بناءً على نتائج التشخيص حزمًا من الاستشارات المتخصصة مع إجراء تقييمات ومراجعات دورية لقياس مدى تطور المستفيدين، وتحقيقهم للأهداف المحددة ضمن البرنامج، وذلك من خلال تقارير متابعة منتظمة طوال فترة الاحتضان.
العلاقات التعاقدية
وحول التحديات المرتبطة بالعلاقات التعاقدية بين العامل المستقل وطالب الخدمة، أوضح أن مثل هذه الحالات تُدرس بشكل منفصل وفق طبيعة كل حالة مشيرا إلى أن الهيئة تتعامل مع ما يرد إليها من استفسارات أو تحديات، وتسعى إلى تقديم المشورة والتوجيه المناسبين بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.
وقال المهندس عمر بن عبدالعزيز المعمري مشرف منظومة العمل الحر بالبرنامج الوطني للتشغيل: إن سلطنة عُمان ترتكز على أطر تنظيمية وتشريعية حديثة وحزمة من الحوافز والبرامج الداعمة التي تسهم في تمكين الكفاءات الوطنية، وتوسيع خيارات العمل والإنتاج، وتعزيز مساهمة الأفراد في الاقتصاد الوطني بما يواكب أسواق العمل العالمية.
وأوضح أن العمل الحر يمثل أحد المسارات الواعدة التي شهدت اهتمام خلال السنوات الأخيرة في ظل التطورات التقنية المتسارعة والتحول نحو الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة، الأمر الذي استدعى بناء منظومة وطنية متكاملة تستجيب لهذه المتغيرات، وتوفر بيئة عمل مرنة وآمنة ومحفزة للعاملين المستقلين.
وأشار إلى أن البرنامج الوطني للتشغيل، وبالشراكة مع مختلف الجهات الحكومية والمؤسسات ذات العلاقة، عمل على تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية الخاصة بالعمل الحر بما يشمل وضع التعريفات التنظيمية للعاملين المستقلين، وتحديد مجالات وأنشطة العمل الحر، وتطوير السياسات والإجراءات التي تسهم في تنظيم العلاقة بين مقدمي الخدمات والمستفيدين منها بما يعزز الثقة والشفافية، ويرفع كفاءة السوق.
منظومة متكاملة
وبيّن أن منظومة العمل الحر في سلطنة عُمان لا تقتصر على الجوانب التنظيمية فحسب، إنما تشمل منظومة متكاملة من الحوافز والبرامج الداعمة التي تستهدف تمكين العاملين المستقلين من النمو والتوسع والاستدامة من خلال توفير فرص التدريب والتأهيل، وبرامج بناء القدرات، والاستشارات المهنية والتجارية، وتسهيل الوصول إلى فرص الأعمال والمشروعات، إلى جانب تعزيز الاستفادة من المبادرات التمويلية والحماية الاجتماعية والخدمات الرقمية التي تدعم استقرار العاملين المستقلين واستدامة أعمالهم.
وأضاف أن التعاون القائم بين البرنامج الوطني للتشغيل وهيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي، وعدد من الجهات الحكومية، والشركاء الاستراتيجيين أسهم في تطوير سياسات نوعية تستهدف توسيع مشاركة العاملين المستقلين في المشروعات والأعمال المختلفة بما يعزز حضورهم الاقتصادي، ويرفع مساهمتهم في التنمية الوطنية.
وأوضح أن التوجه الحالي يقضي بتخصيص ما بين (1% - 10%) من بعض المشروعات والفرص الاقتصادية للعاملين المستقلين في خطوة نوعية تهدف إلى توسيع نطاق الفرص المتاحة لهم، وتعزيز حضورهم في السوق، ورفع مساهمتهم في الناتج الاقتصادي بما يدعم استدامة العمل الحر، ويعزز دوره بوصفه أحد المسارات الواعدة لتمكين الكفاءات الوطنية، وتنويع مصادر الدخل.
وأضاف المعمري أن نجاح منظومة العمل الحر يعتمد على تكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجهات الداعمة إلى جانب تطوير آليات تعاقد مرنة تتناسب مع طبيعة العمل الحر ومتطلبات الاقتصاد الحديث بما يضمن سهولة الوصول إلى الفرص، وتحقيق التوازن بين احتياجات السوق والكفاءات الوطنية المتخصصة.
وفيما يتعلق بجودة الخدمات المقدمة من العاملين المستقلين؛ أوضح أن المنظومة تقوم على مبدأ التخصص والكفاءة والمسؤولية المهنية؛ حيث تتولى الجهات المستفيدة من الخدمات وضع معايير التقييم المناسبة لطبيعة الأعمال المنفذة بما يضمن تحقيق مستويات عالية من الجودة والكفاءة وفق متطلبات كل قطاع ومجال تخصصي.
واختتم المعمري حديثه بالتأكيد على أن العمل الحر يشكل رافد مهما من روافد التنويع الاقتصادي، وتعزيز التنافسية الوطنية، وأن استمرار تطوير المنظومة التشريعية والتنظيمية والحوافز الداعمة سيسهم في إيجاد المزيد من الفرص النوعية للكفاءات العُمانية، وترسيخ ثقافة الإنتاج والابتكار والعمل المستقل بما يعزز مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والكفاءات الوطنية القادرة على صناعة الفرص، وتحويل الطموحات إلى إنجازات تنموية مستدامة.
ووضح محمد بن حمدون العزيزي الرئيس التنفيذي لشركة "فكر للتسويق" أنه بدأ مسيرته المهنية كعامل مستقل قبل أن يتجه لاحقا إلى تأسيس شركة خاصة نتيجة المتطلبات المتزايدة للسوق، والحاجة إلى تعزيز الثقة مع العملاء.
وأوضح أن من أبرز التحديات التي واجهته خلال فترة عمله كمستقل بناء الثقة مع العملاء مشيرا إلى أن العديد من الجهات تفضل التعامل مع كيان قانوني واضح يمتلك سجلًا تجاري وعقود رسمية تنظم العلاقة بين الطرفين، وتحفظ الحقوق والالتزامات.
وأضاف أن العامل المستقل يحتاج إلى بيئة تنظيمية داعمة تتيح له ممارسة نشاطه بثقة واحترافية لافتا إلى أن بعض التحديات ترتبط بالجوانب التعاقدية وآليات حفظ الحقوق عند تنفيذ الأعمال والخدمات.
وأشار إلى أن غياب العقود الواضحة أو الأطر التنظيمية المناسبة قد يشكل أحد أبرز المخاوف التي تواجه العاملين في مجال العمل الحر، خصوصا في المراحل الأولى من ممارسة النشاط، الأمر الذي يدفع بعض المستقلين إلى تأسيس مؤسسات تجارية؛ لضمان تنظيم أعمالهم، وتعزيز موثوقيتهم أمام العملاء.
وأضاف: أن تطوير منظومة العمل الحر وتوفير أدوات تنظيمية وتشريعية أكثر شمولًا من شأنه أن يسهم في رفع مستوى الثقة بين مقدمي الخدمات والعملاء، ويعزز من فرص نمو العاملين المستقلين وتوسعهم في السوق.
وبيّن أن العمل الحر يمثل مسار مهني واعد، إلا أن نجاحه واستدامته يتطلبان توفير بيئة داعمة تشمل التشريعات المناسبة وآليات التعاقد الواضحة والخدمات المساندة التي تساعد العاملين المستقلين على تطوير أعمالهم وتحقيق النمو.
وقالت ثريا الرحبي: إن تأسيس منصة "Om Jobs" مثّل انطلاقة لمسيرة ريادية حافلة بالتحديات موضحة أن المنصة تقدم نموذج مبتكرا في السوق، ما استدعى بذل جهود مكثفة للتعريف بها وإيصال فكرتها إلى الجهات المعنية وصناع القرار بما يسهم في تعزيز انتشارها، وتمكين الفئات المستهدفة من الاستفادة من خدماتها.
وأشارت إلى أن فئة المسرحين من العمل تُعد من الفئات التي تستحق اهتمامًا أكبر مبينة أن ظروفهم تختلف عن الباحثين عن عمل، نظرًا لما قد يواجهونه من التزامات مالية وقروض وأعباء معيشية، الأمر الذي يتطلب توفير برامج دعم، وتمكين تساعدهم على الاندماج في سوق العمل الحر أو إطلاق مشاريعهم الخاصة.
وأضافت أن رواد الأعمال في المراحل الأولى من تأسيس مشاريعهم بحاجة إلى خبراء ومستشارين يمتلكون الكفاءة والخبرة لتقديم التوجيه السليم لافتة إلى أنها تعاملت خلال مسيرتها مع عدد من الخبراء واستفادت من بعضهم بشكل كبير بينما لم ترتقِ بعض التجارب الأخرى إلى مستوى التوقعات، خاصة أن محدودية الخبرة لدى رواد الأعمال الجدد قد تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال.
وأوضحت أنها استفادت من البرامج التي تقدمها مؤسسة صدارة، وشاركت في عدد منها منذ عام 2024 مؤكدة الدور المهم الذي تؤديه هذه المبادرات في دعم رواد الأعمال وتنمية مشاريعهم. كما دعت إلى تعزيز معايير اختيار الخبراء والمستشارين العاملين في برامج الاحتضان؛ نظرا لأثرهم المباشر في توجيه أصحاب المشاريع الناشئة وصقل قدراتهم.
وفيما يتعلق بخططها المستقبلية؛ أوضحت الرحبي أن منصة "Om Jobs" تواصل تركيزها على توفير فرص العمل الحر والمؤقت في قطاع الفعاليات مع اهتمام خاص بخريجي تخصصي إدارة الفعاليات والسياحة. وأشارت إلى أن العديد من الخريجين يمتلكون أساس معرفي جيد، إلا أنهم بحاجة إلى فرص تطبيقية تتيح لهم تطوير مهاراتهم واكتساب الخبرة العملية.
وأضافت أن المنصة تعمل على استقطاب هؤلاء الخريجين، وتدريبهم وتأهيلهم للمشاركة في مختلف الفعاليات بما يسهم في إعداد كوادر وطنية متخصصة قادرة على تلبية احتياجات هذا القطاع الحيوي، ودعم نموه في مختلف محافظات سلطنة عُمان.
