No Image
الاقتصادية

إعفاء إيران من العقوبات النفطية تنازل أمريكي كبير

26 يونيو 2026
26 يونيو 2026

يحقق فريق كرة القدم الإيراني نتائج طيبة على غير المتوقع في مباريات كأس العالم. ففي يوم 21 يونيو تعادل مع بلجيكا المصنفة في المرتبة التاسعة عالميا في مدينة لوس انجلوس. وهذا جعله قريبا جدا من بلوغ مراحل التصفيات بخروج المهزوم.

وهناك في سويسرا يسجل المفاوضون الإيرانيون انتصارات أكبر. ففي يوم 22 يونيو قلبت وزارة الخزانة الأمريكية أربعة عقود من السياسة الأمريكية تجاه إيران رأسا على عقب بإصدارها إعفاء (مؤقت) من العقوبات يسمح بإنتاج وبيع وتسليم النفط الإيراني لمدة 60 يوما. ستجلب هذه الخطوة انفراجة فورية للنظام الإيراني. ويمكن أن يجعل الإعفاء إيران، بمرور الوقت، بلدا ثريا مرة أخرى.

حظرت أمريكا على شركاتها شراء النفط الإيراني عام 1980 ردا على أزمة الرهائن في سفارتها بطهران في العام السابق لذلك. وتعززت المقاطعة في أوائل العقد الثاني بعقوبات "ثانوية " تُعرِّض المشترين الآخرين (غير الأمريكيين) لجزاءات أمريكية.

عُلِّقَت تلك العقوبات بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 في عهد باراك أوباما ثم أعيد فرضها في شكل أكثر تشددا عندما مزَّق دونالد ترامب الاتفاق بعد ثلاث سنوات لاحقا.

يذهب الإعفاء الأخير أبعد كثيرا من أي تخفيف سابق للعقوبات. فالإعفاء الذي أصدره ترامب أثناء اشتعال الحرب بين البلدين غطى فقط النفط الإيراني الذي سبق تحميله على السفن. وطلبت الرخص الممنوحة لبلدان ثالثة في عهد أوباما من هذه البلدان الاستمرار في خفض مشترياتها من نفط إيران مما قاد الى تراجع صادراتها من 2.5 مليون برميل في اليوم في عام 2011 الى 1.5 مليون برميل في عام 2012. فحتى اتفاق أوباما النووي رفع العقوبات الثانوية فقط.

أما رخصة ترامب الجديدة فلا تفرض أيا من تلك القيود. إذ يمكن للمصافي الأمريكية الآن شراء النفط الإيراني مباشرة وسداد قيمته بالدولار واستلامه من ناقلات مدرجة في القائمة السوداء مما يعني التخلي مؤقتا عن المقاطعة الأصلية التي تعود الى عام 1979.

لماذا كل هذا السخاء في حين لم تثمر المفاوضات حتى الآن عن تنازلات إيرانية؟ من بين الدوافع الواضحة لذلك الحفاظ على المفاوضات وبالتالي إبقاء مضيق هرمز مفتوحا على الرغم من التوترات المتصاعدة بشأن الهجمات الإسرائيلية المستمرة في لبنان.

بخلاف ذلك تأمل إدارة ترامب في أن يقود الاعفاء الى انخفاض أسعار النفط وإلى الحيلولة دون حصول الصين على نفط إيراني رخيص ومنع إيران من إغلاق المضيق، كما تقول ميشيل بروهارد وهي متداولة سابقة تقدم المشورة لوزارة الطاقة الأمريكية.

في الواقع لن يحقق الإعفاء سوى فارق ضئيل في أفضل الأحوال. أحد أسباب ذلك أن النفط الإيراني كان ينساب أصلا بحرية أكبر وذلك بفضل رفع حصار أمريكا عن موانئ إيران منذ منتصف يونيو. فقد ارتفعت صادرات النفط من لا شيء في مايو الى 1.5 مليون برميل في اليوم، حسب ديفيد فيش المحلل بشركة البيانات "فورتيكسا."

كما زادت أيضا وتيرة تحميل النفط من جزيرة خرج وهي ميناء التصدير الرئيسي لإيران. ولا تزال هنالك فجوة أمام إيران قبل أن تصل الى المتوسط الشهري لصادراتها (مليوني برميل في اليوم) والذي سجلته قبل الحرب. لكن سعر برنت وهو المعيار العالمي والذي بالكاد تحرك منذ الإعلان عن تنازل ترامب يوحي بأن الأسواق سعّرت سلفا الارتفاع في شحنات النفط الإيرانية حتى قبل الإعلان عن الإعفاء.

لكي ترتفع الصادرات بقدر أكبر وبالتالي تشهد الأسعار مزيدا من الانخفاض يجب أن تجد إيران مشترين جددا لنفطها. في السنوات الأخيرة ذهبت كل براميل إيران تقريبا الى المصافي المستقلة الصغيرة في شمال شرق الصين. وهي تتطلع بشدة الى الحصول على مشترياتها من النفط الإيراني دون الحاجة الى بذل جهود أكثر تكلفة لإخفائها، كما يقول توم رِيد المحلل بوكالة رصد الأسعار "أرجوس ميديا." لكن لا يمكن لهذه المصافي زيادة مشترياتها بسهولة. فالنفط الإيراني يتم تسعيره الآن على قدم المساواة مع النفط العماني والإماراتي مما يحدّ من الحافز على الاندفاع في شرائه.

ولكي تتقدم جهات أخرى للشراء يجب أن تطمئن أولا بنوكها وشركات تأمينها وأيضا مسئولو امتثالها (للعقوبات) الى إمكانية التعامل التجاري مع إيران لفترة تزيد عن الستين يوما وأن ترامب لن يلغي إعفاءه فجأة.

الى ذلك، ستظل العقوبات الأوروبية والبريطانية قائمة وأيضا مخاطر الإضرار بالسمعة التي تترتب عن وضع أموال بشكل مباشر في خزانة النظام الإيراني، كما تقول أمريتا سن، المحللة بشركة "انيرجي آسبيكت" الاستشارية.

ستُبعِد هذه العراقيل العديد من الزبائن المحتملين. قد تستورد الهند بعضا من نفط إيران وهي التي كانت في وقت ما تشتري الكثير منه. ويقول نادر عيتيم المحلل بشركة أرجوس أن اليابان وكوريا الجنوبية قد تفكران في شرائه إذا استمر الترتيب الحالي لأسابيع قليلة. وكان البلدان يستوردان النفط من إيران بانتظام حتى وقت قريب لا يتعدى أواخر العشرية الثانية. أما المشتريات الغربية فربما لن تُستأنف قبل التوصل الى اتفاق دائم.

أما فيما يخص الإبقاء على هرمز مفتوحا فمن المستبعد كما يبدو أن يحقق التخفيف من العقوبات الوضوح الذي تأمل فيه أمريكا بشأن ذلك. إذ بعد أيام من توقيع ترامب على الاتفاق الأولى (مذكرة التفاهم) مع نظيره الإيراني يوم 17 يونيو أعلنت إيران إغلاق المضيق مرة أخرى. وتوقفت على الفور حركة السفن غير الإيرانية والتي بدأت وتيرتها في الارتفاع بعد التوقيع فيما زادت الشحنات الإيرانية. ويبدو الآن إنها ارتفعت مرة أخرى ولكن تزايدت أيضا التوترات بين أمريكا وإيران. وفي الأجل الطويل لاتزال هنالك مخاوف من أن تسعى إيران الى فرض رسوم على عبور هرمز. وهو ما سيقيّد حركة الملاحة. ففي يوم 22 يونيو قالت إنها ستتولى "إدارة" الممر المائي وانشاء خط اتصال تلفوني ساخن لتنسيق عبور السفن.

بكلمات أخرى، إعفاء العقوبات يبدو بلا فعالية حتى الآن من منظور أمريكا. اما بالنسبة لإيران فهو نعمة. لقد عجل بتعافي صادراتها. كما يتيح لها استئناف الإنتاج المقيّد بتفريغه سعة تخزينية في مستودعاتها الممتلئة تقريبا. وبتقليله العراقيل في اللوجستيات والمدفوعات يمكِّن الإعفاء شركات النفط الإيرانية (وبالتالي الحكومة) من الحصول على المزيد في كل برميل تبيعه.

إذا جُدِّدت رخصة الإعفاء بدون حد زمني كما يتوقع بعض الخبراء ستجتذب إيران مجموعة أكبر وأكثر تنوعا من المشترين. وإذا أضفنا بلايين الدولارات من رسوم العبور سنويا وعودة الأصول المجمدة وأموالا تعويضية بحوالي 300 بليون دولار وعد بها ترامب يمكن أن تكون إيران إحدى الدول الأكثر ثراء في الخليج خلال عشرة سنوات دون أن تقدم الكثير من التنازلات في برنامجها النووي أو دعمِ الوكلاء المُتْعِبين، كما يقول متداول كبير مطَّلع على أحوال المنطقة.

ربما يواجه ترامب معارضة داخلية بالغة الشدة لما يمكن أن يكون استسلاما شبه تام. هذا احتمال وارد ويتعزز باطراد.