No Image
عمان الثقافي

مَن يملك السؤال؟

24 يونيو 2026
24 يونيو 2026

عاصم الشيدي

في عام 1826 غادرت البعثة المصرية الأولى إلى فرنسا ضمن مشروع محمد علي لبناء جيش وإدارة ومدرسة حديثة، وكان رفاعة رافع الطهطاوي بين أفراد البعثة إماما ومرشدا. وبعد خمس سنوات عاد الطهطاوي وفي يده واحد من أكثر النصوص تأسيسا في تاريخ النهضة العربية وهو كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». ومنذ صدور ذلك الكتاب أصبحت أوروبا مرآة كبرى يرى فيها العرب تأخرهم ومختبرا يبحثون فيه عن وصفة اللحاق بركب الحضارة والتحديث.

إلا أن تلقي ذلك الكتاب وما تلاه من مشاريع إصلاح كشف عن مشكلة ستلازم النهضة العربية إلى يومنا هذا وهي مشكلة نقل إصلاح نشأ جوابا عن سؤال غير سؤالنا. بدأ مشروع النهضة العربية بصدمة المقارنة أكثر مما بدأ بسؤال نابع من صلب المجتمع العربي. لقد رأى الطهطاوي في فرنسا بلدا يحكمه نظام واضح ومدارس ومطابع وصحف وقوانين تنظم كل شيء، وتذكر أنه قادم من بلد يبحث عن خروج سريع من ضعف طويل في الإدارة والعلم والقوة. ومن هنا أخذ المأزق شكله الأول من خلال نقل إصلاح أنتجه سؤال آخر ثم يجري البحث لاحقا عن مشاكل محلية يمكن أن تصلح لجواب جاهز ومستورد.

ومنذ ذلك التاريخ ما زال المشهد يتكرر في أماكن مختلفة من العالم العربي. أرسل محمد علي باشا البعثات وأنشأ المدارس وبنى جهازا إداريا شديد المركزية. ووسع عبدالناصر دور الدولة وأمم قطاعات كبرى وبنى السد العالي وربط العدالة الاجتماعية بقوة السلطة المركزية. وفي زمن الوفرة النفطية اتجهت دول خليجية إلى استقدام جامعات ومتاحف ومستشفيات وشركات استشارية وبناء مؤسسات تحمل هيئة العصر.

وفي جميع الحالات سابقة الذكر وغيرها في مختلف البلدان العربية نشأت مؤسسات حديثة في شكلها لكن المجتمع بقي ينظر إليها باعتبارها جاءت إليه ولم تخرج منه ومن تجربته.

هذا هو مأزق الدولة الحديثة في العالم العربي كما يطرحه عبدالله العروي الذي يؤكد أن الدولة ظاهرة تاريخية واجتماعية لا تنفصل عن علاقة الفرد بالمجتمع والسلطة. ومن يعود إلى التجربة العربية في مشروع «الإصلاح» يجدها تتركز على إصلاح الدولة وتقويتها دون أن تعنى ببناء علاقة جديدة بين الدولة والإنسان العادي. وبقي السؤال الأخلاقي والسياسي كيف تغيّر هذه المؤسسات وجدان المواطن؟ وكيف تجعله شريكا؟ معلقا دون إجابة واضحة. سعت مشاريع الإصلاح والتحديث لتأكيد فاعلية السلطة وأهملت بقصد أو من دونه حاجة المجتمعات إلى الاعتراف بدورها ومكانتها واحتياجاتها.

في كتابه «المحنة العربية: الدولة ضد الأمة» ينتقد برهان غليون القطيعة داخل الدولة التحديثية التي بنت جدرانا بينها وبين المجتمعات وحولت أدوات التحديث مثل: المدرسة والجيش إلى أدوات للسيطرة. بذلك لا تصبح الدولة أداة تحديث محايدة بل تتحول إلى وسيط قسري بين المجتمع وصورة مفترضة للمستقبل.

لكن السياسة لا تفسر وحدها فشل المشاريع الإصلاحية العربية التي أوصلت الأمة إلى هذه اللحظة الصعبة في تاريخها. ثمة خطأ تاريخي ناقشه الكثير من المفكرين العرب في سياق نقدهم لمسار الإصلاح العربي. لقد تعامل العرب مع المعرفة الحديثة باعتبارها سلعة قابلة للنقل وتجاهلوا أنها شرط تاريخي يحتاج إلى بناء وتأسيس متراكم. نقلنا في العالم العربي المدارس النظامية ولم نعمل على تحديد تعريف للتعليم منبثق من مجتمعاتنا. نقلنا كثيرا من القوانين التي بقيت في بلدان عربية عدة أقرب إلى نصوص مستعارة منها إلى تعاقد اجتماعي نابع من الداخل. يتساءل البعض إن كان الخلل في الاقتباس؟ لكن الاقتباس جزء من تاريخ الحضارات. المشكلة الحقيقية أن الاقتباس في المشاريع العربية جرى تحت ضغط رغبة اللحاق بالغرب وبعيدا عن أسئلتنا العربية.

بدأ الخلل في مشروع النهضة العربية في اللحظة التي تعامل المشروع مع الحداثة الغربية، كما لو أنها الصيغة الوحيدة الممكنة للعقل والتقدم. ومارس المثقف العربي في هذا السياق تقليدا مزدوجا، فمرة استسلم للماضي باعتباره يحمل الحل الكامل لكل مشاكل الأمة «ولن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، ومرة حين استسلم للنموذج الغربي. وفي الحالتين غاب الاشتغال الذي يصنع الحداثة العربية من داخل تاريخها الأخلاقي واللغوي والروحي.

لا يخفف هذا الطرح من مسؤولية الاستبداد الذي عاشته أقطار عربية كثيرة في مراحل ممتدة من تاريخها الحديث، ولا ينفي ما حققته نماذج آسيوية كاليابان وكوريا الجنوبية من نجاح حين استفادت من التجارب الغربية. لكن المقارنة المتعجلة بهذه النماذج تخفي الفارق الأهم. فقد أخذت اليابان، منذ إصلاحات ميجي، كثيرا من أدوات الغرب ومؤسساته وتقنياته، لكنها أدخلتها في مشروع وطني واضح يتصل ببناء القوة وحماية السيادة وإعادة تنظيم المجتمع. درست المؤسسات الغربية لتختار منها ما يلائم أوضاعها، لا لتتحول إلى نسخة منها. أما كثير من تجارب التحديث العربية فقد استوردت المؤسسة قبل أن تهيئ المجتمع لعلاقتها به؛ استوردت المدرسة والجيش والقانون والإدارة، ثم طلبت من المجتمع أن يتكيف معها، وحين تسبق المؤسسة مجتمعها تبقى جسما غريبا مهما طال الزمن.

وكان جورج طرابيشي قد انتقد في مشروعه نقد نقد العقل العربي تحويل التراث لكتلة مغلقة أو تحويل الحداثة إلى أيديولوجيا جاهزة، وقد بدا له أن الفكر العربي محاصر بين ماض يُستعاد وحاضر يُستورد وكلتا الصورتين تمنح الآخر سلطة خفية على وعينا.

تحتاج المجتمعات العربية اليوم إلى استعادة حقها في طرح الأسئلة لتكون هي الشرط الأساسي لبناء سياسة تعليمية واقتصادية وثقافية. تحتاج إلى حركة إصلاح عميقة تولد من أسئلة المجتمع لا من إجابات جاهزة تسقط عليه، صحيح أن مثل هذا الإصلاح قد يتقدم ببطء لكنه يترك أثرا أعمق لأنه ينشأ من حاجة الناس لا من تصورات تصاغ بالنيابة عنهم.

بعد قرنين على عودة الطهطاوي بكتابه ما زال العقل العربي يقف أمام مرآة أوروبا نفسها، ويبحث عن وصفة اللحاق بركب التقدم. ولم يلتفت بما يكفي إلى أن سؤاله الجوهري ليس كيف نلحق بهم. السؤال الذي على هذه الأمة طرحه بشجاعة هو ماذا نريد أن نكون؟ وإذا لم نسترد حقنا في طرح الأسئلة لا في استعارة أجوبة جاهزة عنها فسنبقى ننهض نهضة تخص غيرنا لا تخصنا. والأمم التي لا تملك سؤالها لا تدخل التاريخ وتبقى تكتب فيه بأقلام غيرها.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان